افتتاحية المرصد

هل تختلف أوضاع النساء السوريات العاملات، عن أوضاع الرجال السوريين العاملين؟ نعم. هذا معروف رغم عدم الاعتراف به سواء على المستوى الرسمي، أو على مستوى الكثير من القوى المجتمعية السورية التي تتجاهل دائما الوضع الخاص للمرأة السورية العاملة.

فرغم أن قوانين العمل في سورية هي من القوانين الممتازة من ناحية المساواة في التشغيل والكفاءات والأجور، وكذلك في الحماية الخاصة للعاملات الأمهات، باستثناء قانون تنظيم العلاقات الزراعية، إلا أن الواقع نادرا ما يطابق القانون. ولا يمكن إرجاع ذلك إلى الصيغة المعتادة في مثل هذه الحالات: "الخلل في التطبيق"! فحين يكون الخلل في التطبيق عاما، لا يعود خللا، بل يصير سياسة معترف بها ومرعية ومحمية بالوسائل المعروفة.

واستثناء قانون العلاقات الزراعية من هذا الواقع القانوني، خاصة لجهة أن نسبة كبيرة من النساء العاملات غير المعترف بهن يعملن في الاستثمارات المسماة بالاستثمارات الزراعية العائلية التي لا يشملها القانون أصلا، هو ثغرة كبيرة تحتاج إلى علاجا جذريا. يضم  إلى ذلك بعض الثغرات المتعلقة بالاستثمارات والأعمال العائلية التي تم أيضا استثناؤها في قانون العمل الجديد الخاص بالقطاعات الخاصة والتعاونية والمشتركة.

رسميا، وحسب المجموعة الإحصائية لعام 2009 والمتضمنة مسوحات وأرقام لعام 2008 فما قبل، تشتغل في سورية نحو 887 ألف امرأة، أي نحو 16.2% من قوة العمل. بينما يؤكد الواقع أن الرقم الحقيقي هو أضعاف هذا الرقم، نظرا لشيوع عمل النساء في الأعمال الزراعية، خاصة الموسمية، والأعمال الزراعية الأسرية، وورشات العمل العائلية، إضافة إلى تهرب القطاع الخاص الدائم من تسجيل العاملات (والعمال) لديه في التأمينات الاجتماعية، وفي الإقرار عند أي مسوح رسمية. وهذا ما يجعل نسبة عمل النساء أعلى بكثير، إذ تشكل النساء قوة العمل الزراعية الأساسية رغم أن هذا القطاع تحول إلى "طارد للعمل النسوي" خلال السنوات الخمس الماضية  حسب تعبير الزميل أيهم أسد (1) بسبب استمرار انخفاض نسبة المشتغلات بالزراعة مقارنة بالمشتغلات في باقي القطاعات، وتحديداً قطاع الخدمات الذي تطور بشكل كبير في سورية وجذب إليه الكثير من قوة العمل النسوية، إذ باتت المشتغلات في هذا القطاع تشكل ما نسبته 64%  من إجمالي المشتغلات (حسب دراسة الزميل أيهم أسد المذكورة).

ولا تعترف القوانين السورية، ولا الثقافة المجتمعية، بقوة عمل النساء في المنزل. إذ أنهن، وبإطلاق تقريبا، يتحملن عبء كافة الأعمال المنزلية متضمنة رعاية الأطفال وتربيتهم. ولا يدخل أي معادل مالي لهذا العمل.

مع ذلك، تستمر القوانين السورية الأخرى (قانون العقوبات، قانون الجنسية، قانون الأحوال الشخصية) في التمييز ضد المرأة السورية عموما، وضد النساء العاملات خصوصا، نظرا لأن النساء العاملات يكن عادة الأكثر تضررا من هذه القوانين التي ترهن حياتهن بإرادة الذكور سواء الآباء، الأزواج، أو حتى الأبناء. متضمنا ذلك سيطرة ذكور العائلة هؤلاء المطلقة على كل ما يتعلق بالأطفال.

وهذه القوانين لا يمكن فصلها عن واقع المرأة العاملة، فهي تؤثر مباشرة في حياتهن وأداءهن، كما سبق أن أوضحنا مرات كثيرة خلال سنوات عمل مرصد نساء سورية.

وفيما يدعي البعض أن النساء السوريات العاملات يصرفن دخولهن على "احتياجاتهن الشخصية"، تؤكد الملاحظة المباشرة (في ظل عدم وجود دراسات اختصاصية في هذا المجال، وقرار رئاسة مجلس الوزراء بمنع أي نوع من الأبحاث لا يناسب توجهات الحكومة، عبر اشتراط موافقة المكتب المركزي للإحصاء!) أن النساء السوريات مشاركات أساسيات في الالتزامات المالية للأسرة، بل يشكلن في الكثير من الحالات المعيل الوحيد للأسرة، فيما يشكلن في نسبة كبيرة من الحالات المعيل الرئيسي غير المرئي أو غير المعترف به.

دراسة وضع المرأة العاملة في سورية لا يحتاج إلى حرية بحث فحسب، بل أيضا إلى اعتماد معايير وطرق مختلفة في عملية البحث نفسها، وفي المعايير والروائز المعتمدة. وهو أمر أساسي إذا أردنا أن نرى الواقع الفعلي كما هو.

اليوم، في عيد العمال العالمي، نود أن وجه تحية لكل النساء السوريات، العاملات خارج المنزل والعاملات داخله، المعترف بعملهن رسميا والمعتم على عملهن، فهن شريكات حقيقيات في الحياة اليومية التي تصنع من سورية وطنا، رغم كل العنف والتمييز الممارس ضدهن سواء في القوانين المذكورة أو المجالات الأخرى (الاقتصادية، الاجتماعية، الدينية..). وكما تمكن من تثبيت شراكتهن الحقيقية في الواقع، وفي بعض القوانين، فإنهن سيتمكن أيضا من تثبيت هذه الشراكة المبنية على أساس المساواة في المواطنة في كافة القوانين والثقافة والممارسات. إلا أن ذلك يحتاج إلى المزيد من الشجاعة والجرأة في أن يحملن قضاياهن بكل قوة، ويواجهن دعاة العنف والتمييز من كانوا دون تردد. فهذه معركة حقا ما بين شريعة الغاب القائمة على العنف والتمييز، وشريعة المواطنة القائمة على المساواة والشراكة.

(1)- التغيرات الهيكلية الرئيسية لقوة عمل المرأة السورية، أيهم أسد، ورقة عمل قدمت إلى ملتقى المرأة الرابع في إدارة الأعمال الاقتصادي، دمشق 27/ 4/2010


بسام القاضي، افتتاحية مرصد نساء سورية، (في يوم العمال العالمي: تحية إلى النساء السوريات العاملات..)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern