افتتاحية المرصد

كما في كل "ثورة" أو تحرك سياسي واسع النطاق، وبالأخص كما في كل صراع مسلح يتخذ طابع الحرب الأهلية، دفعت المرأة السورية الثمن الأكبر خلال السنة الماضية، دون أن تستطيع "التلوينات" المختلفة أن تخفي حقيقة هذا التدهور الشديد.

يوم المرأة العالمي في سوريةفلا مشاركة بعض النساء في المظاهرات المناهضة للنظام السوري، أو في المسيرات المؤيدة له، ولا ظهورهن المتكرر على شاشات الإعلام المختلفة، ولا "منحهن" بعض المناصب في تشكيلات المعارضة والموالاة، عكست أي رؤية تقدمية لما يجب أن يكون عليه وضع المرأة السورية. إنما، وبكل صفاقة، تم استخدامهن كجزء من المعركة التي حاول فيها كل طرف أن يعطي تصورا أنه يحترم مواطنة النساء، فيما يثبت كل يوم أن أحد أهم مقومات وجوده هو التحكم المطلق بحياتهن.

فبعيدا عن النساء اللواتي يعشن أصلا خارج سورية، كالخائنة بسمة قضماني، لم يضف وجود سهير الأتاسي وغيرها أي نقطة لصالح مواطنة المرأة في بيانات ومواقف المعارضة المهتمة بالاستيلاء الانقلابي على السلطة في سورية، فما تزال تلك المعارضة الانقلابية التي انتقلت إلى صف الخيانة بمطالبتها بالتدخل العسكري، ما تزال عاجزة عن طرح برنامج من أي نوع، فكيف ببرنامج يتضمن إعلانا واضحا وصريحا أن المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات هو أساس ليس خاضعا للمساومة؟ وهو مهمة أساسية في برنامجهم السياسي-الاجتماعي؟

بل إن بعض أولئك النساء، أمثال سمر يزبك وريما فليحان، تم تحويلهن إلى أوراق طائفية تستخدم للتحريض الطائفي ضد النظام باسم "الحرية"، الأمر الذي أوقع أبلغ الأثر السلبي في صورة المرأة المناضلة من أجل الحرية والديمقراطية.

ولم يختلف الوضع في جانب النظام، فالدكتورة كندة الشماط مثلا، تحولت إلى بوق تبريري لكل ما يفعله النظام، ضمنا ادعاءاتها حول الدستور الطائفي/الديكتاتوري الذي انتهك صراحة وعلانية حق المواطنة للنساء (وهي مشاركة في لجنة إعداده) بأنه "ينصف المرأة" ويسمح بترشحها لرئاسة الجمهورية ويعطيها حق المواطنة الكامل، بينما هو يوغل في انتهاك حقوق النساء بأكثر مما فعل دستور 1973. مقدمة مثلا آخر عن تحول النساء إلى وسيلة للسلطة السياسية الذكورية تستخدمها كيف تشاء مصالحها.

على أرض الواقع، لم يؤدي الحراك المجتمعي واسع النطاق خلال العام السوري الماضي، إلى أي تحسن في مكانة المرأة الاجتماعية، بل على العكس تماما.

فمن جهة كانت مشاركة النساء في الحراك المعارض للنظام شكلية إلى أبعد الحدود، وكثيرا ما تم استخدامهن لاستدرار العطف عبر الإعلام مثلا، أو كـ"دروع بشرية" في بعض الحالات.. ولم تستطع تلك المشاركة أن تحسن من طبيعة النظرة المجتمعية السيئة للمرأة، ولا في زيادة الوعي بحقوق المرأة، ولا حتى في إضافة أي شعار يتعلق بحق المرأة المطلق بالمساواة في الحقوق والواجبات، أي: المواطنة..

والأمر لا يختلف إطلاقا، من حيث الجوهر، في جانب النظام. فلم تكن مشاركة النساء في المسيرات إلا نوعا من "الزركشة" التي عكست "خضوعا قدسيا" للنظام بعيدا كل البعد عن مفاهيم الحق والمواطنة. كذلك تم استخدامهن لاستدرار العطف عبر إعلام النظام الذي استخدم الاسطوانة الذكورية نفسها التي استخدمتها المعارضة، أي التركيز على "حماية" النساء و"ما يفعله" الطرف الآخر بهن بصفتهن هذه "نساء ضعيفات"!

ولم يتردد الطرفان في ترويج الإشاعات المتتالية عن "اغتصاب" الطرف الآخر للنساء، في معركة مكشوفة تهدف إلى "استثارة الذكورة" عبر التوجيه إلى أن ذكورتهم يتم انتقاصها وانتهاكها عبر اغتصاب "نسائهم"!

في المناخ نفسه، دُفعت المرأة دفعا قسريا إلى الوراء في مكانتها المجتمعية خلال الأشهر الماضية من خلال التركيز على "الأبطال" الذين هم ذكور دائما، و"البطولة والشهادة" التي هي ذكرية دائما نظرا لأن "المقاتلين الأشاوس" هم ذكور، الأمر الذي أدى، بوعي مقصود وبشكل تلقائي معا، إلى الحط المستمر من مكانة المرأة باعتبارها خارج هذا المكان "المقدس" حيث يتصارع الذكور حتى الموت أو قتل الآخر!

وشكل تطور الوضع الأمني إلى خوف جدي ومبرر في التنقل من منطقة إلى أخرى، وأحيانا حتى في المناطق المتقاربة والمتجاورة جغرافيا، ضغطا آخر إضافيا على النساء العاملات في كل قطاعات العمل، فالآلاف منهن اضطررن إلى ترك أعمالهن أو الانتقال إلى أعمال في أماكن أخرى أقرب إلى أماكن سكنهن، بسبب الوضع الأمني متفاقم السوء في مناطق عملهن.

وشكلت العقوبات العربية والغربية ضد الشعب السوري بهدف إجباره على الوقوف ضد النظام (وهي حقيقة العقوبات بعيدا عن ادعاءات تلك الدول بأن المستهدف هو النظام وليس الشعب السوري)، شكلت ضربة قاسية جدا لحياة النساء السوريات أولا. فعلى أرض الواقع استهدفت النساء أولا في التسريحات المتتالية وواسعة النطاق التي عانى منها الاقتصاد السوري غير الحكومي، (بسبب أفكار عند أرباب العمل بإمكانية تحميل الرجال في العمل مسؤوليات مضاعفة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية)، وتوقفت عشرات الآلاف من النساء عن إمكانية الحصول على أي نوع من الأجر الذي كن يحصلن عليه من العمل الزراعي والخدمي الموسمي.

كما اضطرت هذه العقوبات عشرات الآلاف من النساء إلى إعادة ترتيب حياتهن ليكهن "ماكينات توفير" مساهمة منهن في الحد من تدهور حال الأسرة السورية الناجم عن تلك العقوبات، ضمنا عودة الكثير منهن إلى طرائق "التدبير" القديمة التي كانت تعتمد كليا على استهلاك يوم المرأة في أعمال أسرية بالغة الصغر ولكنها أساسية لحياة أية أسرة.

من جهة أخرى، اختفت، أو تكاد، المنظمات والجهات العاملة في قضايا المرأة، والتي كانت أصلا هامشية وغارقة في مصالح أعضائها الفردية الخاصة خلال السنوات الأخيرة الماضية. وتخلت نهائيا المنظمات التي تحمل في اسمها "حقوق الإنسان" عن النساء كاشفة وجهها الحقيقي الذي سبق أن تحدثنا عنه مرارا بصفتها "شلل شخصية" لا علاقة لها بحقوق الإنسان ولا بثقافة تلك الحقوق.

وأخيرا، أعلنت كل الأطراف المتصارعة على السلطة في سورية حقيقة نظرتها للمرأة بصفتها "بضاعة" للمساومة. فبينما باتت المعارضة المسلحة الأصولية واضحة كليا في رفضها المطلق لمنطق المواطنة الذي لا يمكن تحقيقه دون المساواة التامة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات، قدم النظام لأمراء الطوائف حقوق المرأة على طبق من ذهب بصياغته المادة الثالثة من الدستور الجديد الذي يعيد وضع النساء كليا تحت سلطة رجال الدين تحت مسمى "مراعاة الأحوال الشخصية للطوائف".

إذا، يحل عيد المرأة العالمي هذا العام، 2012، على النساء السوريات حاملا قفزة كبيرة إلى الوراء، وتراجعاً هاما في مكانة المرأة على كافة الصعد. و"تكاتفا" موضوعيا بين كافة الأطراف المتصارعة، والذكورية أصلا وواقعا، ضد حقوق النساء. الأمر الذي يرتب مهاما مضاعفة على كل الأفراد والجهات المعنية بمواطنة المرأة من جهة، وعلى النساء أنفسهن في كل يوم.


افتتاحية مرصد نساء سورية، بسام القاضي، 8/3/2012، (في عيد المرأة العالمي 2012: المرأة السورية في أسوأ أحوالها منذ عقود!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern