افتتاحية المرصد

 في عيد المرأة: الاضطهاد "الرباعي" للمرأة المعوقة!

 في الحديث عن حقوق المرأة، الإنسان والمواطنة، لا ننسى دائماً أن نشير  إلى ازدواجية الاضطهاد الذي تعانيه: الاضطهاد الذي تتشارك فيه مع بقية أفراد المجتمع بصفتها خاضعة لجملة كاملة من القوانين المتخلفة، ولاقتصاد سوق لا هدف له سوى الربح، ولممارسات مؤسساتية تتنافى كلياً مع مبدأ الدولة الحديثة... والاضطهاد الذي تعاني منه بسبب جنسها، أي لأنها امرأة، من قتل واغتصاب وعنف وسلب للميراث وسرقة علنية لما قدمته لأسرتها حال وقوع الطلاق، وحرمانها من حقها الأساسي بمنح جنسيتها لأبنائها، وتهميشها في المؤسسات ومواقع صنع القرار.. إلخ..
لكننا ننسى دائماً أن هناك فئة أخرى من المجتمع، بل شريحة من النساء، تعاني اضطهاداً ثالثاً ثم رابعاً، إضافة إلى هذين الاضطهادين: المرأة المعوقة!

سيبدو للكثيرين أن في هذا الطرح مبالغة وتهويل. لكن الواقع يؤكد أنه أسوأ مما نقول.
المرأة المعوقة في سورية تعاني، كما جميع المعوقين، من غياب شبه كلي للخدمات الأساسية التي يحتاجونها! فالأرصفة غير مجهزة بمسارب مناسبة للمعوقين حركياً. وجميع الوزارات والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى جميع المنشآت التابعة لها، وجميع الشركات الخاصة والمطاعم وأماكن الخدمات العامة، وبضمنها قاعات الدفع المختلفة للاتصالات (الهاتف، وهواتف سيرتل وأريبا)، بل حتى أغلب الحدائق العامة أيضاً غير مجهزة كذلك بمسارب مناسبة لهم!
 
ولا توجد أية أماكن ترفيه خاصة بأي من فئات المعوقين! وكذلك المؤسسات القليلة التابعة للحكومة والتي تعمل في هذا الإطار، وجميعها تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تعاني من الفساد والمحسوبية ما جعلها تتحول إلى أماكن لا تتمتع بأي من المعايير الصحيحة.

والقانون الذي يفرض تشغيل نسبة من المعوقين، صار باب رزق آخر لسرطان الفساد! فالمعوق الذي يستطيع أن يدفع أكثر هو من يحصل على هذا الشاغر أو ذاك. عدا عن أن الأكشاك على الأرصفة، والتي كان الهدف الأساس منها تأمين فرص عمل للمعوقين، تحولت  إلى شبكات تجارية يديرها تجار أو مسؤولين كبار تحت ستار أسماء لمعوقين! وتحولت أيضاً إلى وسيلة استثمار لبلدية المحافظة عبر علاقتها التجارية مع الشركات المعلنة على جسد الأكشاك! وأقصي المعوقين عنها بألف شكل وشكل غير قانوني، ولكنه محمي بكل الوسائل غير القانونية!

وما يزال الإعلام المعني بقضايا المعوقين لا يحظى بأي اهتمام. فالصحف الورقية على أنواعها، الخاصة والعامة، و اليومية والأسبوعية والشهرية، تكاد لا تشير إلا لماماً لقضايا المعوقين. ويتعلق جل هذه الإشارات بتغطية إعلامية لنشاطات معينة يقوم بها "وجهاء" أو جمعيات استطاعت، بعد جهد، أن تدعو وزيراً أو وزيرة لنشاط ما، فيرافق هذا الوزير/ة، كالعادة، الإعلام ليصورهم/ن!

والإعلام المرئي، وهو محصور بالدولة بقناتيه الأرضية و الفضائية، لا يجد سوى برنامجاً أسبوعياً واحداً على مدى نحو 50 دقيقة! وإذا كان المسؤولون عن هذا البرنامج يبذلون جهداً واضحاً في تطويره، إلا أن أقل ما يقال في وضعه الراهن أنه "معاق"! فليس من المعقول أن تكون هناك فقط هذه المساحة المضحكة للمعوقين، على اختلاف إعاقتهم، الذين تقدر نسبتهم في سورية بأكثر من 8 % من السكان! بل إن الشاشة المرافقة للبرنامج التي يتم من خلالها تقديم الصورة الحركية للصم والبكم، لا تشغل أكثر من خمس مساحة الشاشة التي يشغل الغرافيك (أي خارج الصورة كلياً) أكثر من 20 % منها!! وتغفل البرامج الأخرى هذه القضايا بشكل كامل، باستثناء بعض الأعمال الدرامية التي بدأت مؤخرا تلتفت إلى تغيير الصورة النمطية التي يمارسها المجتمع ككل، ناساً ومسؤولين ومؤسسات وشركات وحكومة.. ضد المعوقين!

وبينما يغيب مفهوم  الدمج، بمعناه الشامل والمتكامل، عن جميع وسائل الإعلام تقريباً، رغم "الأموال" الكثيرة التي صرفت خلال السنوات الماضية (وجلها مساعدات وهبات من منظمات وبرامج دولية) يحضر مفهوم الشفقة والعطف بقوة في صياغة المواد الإعلامية حول هذا الأمر، وهو ما يعد مساهمة مباشرة في التمييز الواقع ضد المعوقين، والمعوقات بصفة خاصة.

والمرأة المعوقة تعاني من كل  هذا، مثلها مثل جميع المعوقين. لكنها في الواقع تعاني اضطهاداً رابعاً لأنها امرأة معوقة!
فهي الأكثر تعرضا للتحرش والاستغلال الجنسي. وهذا التحرش لا يقتصر، في الواقع، على "عامة" الناس، بل يمارسه أيضاً، وعلى نطاق واسع، أقارب المرأة المعوقة، ومسؤولين في المدارس والخدمات العامة! مسؤولين في مواقع القرار خاصة لما يتعلق بتوظيف هؤلاء النسوة أو تأمين هذه الخدمة أو تلك لهن! بل ويمارسها كذلك ذكور محسوبين على "الثقافة"! محسوبين على أنهم ناشطون في قضايا المجتمع! ورغم أنه يؤسفنا قول ذلك، لكنها حقيقة يجب قولها بصراحة وصرامة ودون مجاملة! وينفد الجميع من أي عقاب على هذا التحرش والاستغلال للكثير من الأسباب.

وتعاني المرأة المعوقة المتعرضة لهذا التحرش والاستغلال من الصمت تجاه استغلالها أضعاف ما تتعرض له المرأة العادية المتعرضة له. إذ تعد الثقافة السائدة أن أي تحرش أو استغلال للمرأة المعوقة هو مسؤولية "أهلها" الذين لا "يحبسونها" في البيت حتى لا تتعرض لمثل هذا الأذى! ويساهم في نشر هذه  الثقافة الخاطئة رجال قائمون على الثقافة الشعبية (رجال دين ورجال ذوي مكانة خاصة في تجمعاتهم العائلية، ومخاتير ومديري بلديات قرى وبلدات..) يعتمدون مفهوم "الكرامة والشفقة" للمعوقين، وخاصة للمعوقات. إذ يعدونهن، وإن ضمناً ولكن بطريقة واضحة، نوعاً من العار الذي يجب فعل كل شيء لأجل حجبه عن المجتمع!

بل وتعاني المرأة المعاقة، طفلة كانت أو بالغة، من تمييز شديد جداً من أقرب المقربين إليها: من أهلها! فهي محسوبة كعالة على العائلة! وبالتالي تتعرض إلى أحد تمييزين كل منهما أشد سوءا من الآخر: إما عنف وإهمال شديدين! وإما تعاطف وشفقة شديدين! وكليهما يؤديان إلى بناء شخصية غير متوازنة وغير قادرة على مواجهة أعباء الحياة، فكيف بأعباء مضاعفة كما حول الحال مع المعوقات؟!

وتحرم النسبة الغالبة من النساء المعوقات من إمكانية الحب! كما تحرمن من إمكانية الزواج وإنجاب الأطفال حتى في حالة عدم وجود أي خطر على الأطفال نتيجة لهذه الإعاقة أو تلك؟!

ورغم وجود الكثير من الجمعيات التي تهتم بالمعوقين، إلا أن الطابع العام لعملها ما زال طابعاً "خيرياً" بحت. ويعوقها كلياً عن التقدم للخروج من هذا النطاق الضيق قانون جمعيات سيء للغاية يمنع من إمكانية أية تطوير في آليات العمل بهدف تنمية المبادرة الخاصة في هذه الجمعيات لتصير أقدر على التواصل المباشر مع المجتمع وطرح وترويج أفكار الدمج التي تعد أساسية في تغيير وضع المعوقين!

هكذا إذن، تعاني المرأة المعوقة من تمييز مضاعف على أربع مستويات! ويتم إهمال قضيتها إهمالاً شبه كلي.. وهو مادفعنا اليوم، في عيد المرأة العالمي، إلى تخصيص افتتاحيتنا لهذا الأمر الهام، والذي يجب إعطاؤه المزيد من الاهتمام وتسليط الضوء عليه، على كافة المستويات.

بسام القاضي، مشرف فريق عمل نساء سورية- (في عيد المرأة: الاضطهاد "الرباعي" للمرأة المعوقة!)- عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خاص: "نساء سورية"

0
0
0
s2smodern