قضايا المرأة

ليس فعل "تتفرج" دقيقا. فبعض المجالات لا يمكن للمرء أن يكون فيها حياديا. الصمت فيها يكون مشاركة فاعلة. وهو حال الحكومة السورية التي تصم أذنيها متذرعة برجال دين استمرؤوا التجارة الدينية تارة، وبقضايا سياسية أكل الزمن عليها وشرب طورا، وبأن "المجتمع السوري متخلف" أحيانا!

 وهي تعرف حق المعرفة أن المجتمع السوري قد أنجز خطوات كبيرة خلال العقود الأخيرة، بات من الثابت أن هذه الحكومة عاجزة عن مواكبته، أقله في مجال تحقيق مواطنة النساء السوريات!

فالدراسة التي قامت بها جهة حكومية هي الهيئة السورية لشؤون الأسرة، أكدت أن ما يقارب نصف النساء السوريات يتعرضن لشكل من أشكال العنف الأسري. وهذا وحده، دون أية شروحات أخرى، كان يجب أن يكون كافيا لكي تخجل الحكومة السورية على نفسها وتسارع إلى إقرار قانون حماية المرأة من العنف! لكن، إذا فعلت ذلك، كيف يمكن لوزراء ومديرين وذكور في كل مكان أن يمارسوا عنفهم اليومي ضد نسائهم، ثم يظهرون على الشاشات بعد خمس دقائق مبتسمون بوجوه نضرة؟!

وبينما تقع عشرات آلاف النساء السوريات تحت عبء لا يطاق بسبب حرمان أطفالهن من حقهم الطبيعي بجنسية أمهاتهم/ن، تتذرع الحكومة السورية بورقة للجامعة العربية حول عدم إعطاء جنسية أخرى لأبناء الفلسطينيين، فيما أكدت الأمم المتحدة أن حصول من ينطبق عليه "حق العودة" على أية جنسية أخرى لا يسقط عنه هذا الحق! وتتذرع بأن هذا الأمر يتعلق بكل بقضية المحرومين السوريين الأكراد، تمنح الحكومة السورية الجنسية لأي رجل كان يتزوج امرأة سورية كردية محرومة من الجنسية! مما يكشف زيف ادعاءاتها واستخدامها هذه الورقة فقط لذر الرماد في العيون. بينما أسبابها الحقيقية أن النساء لا يجب أن يكن مواطنات في وطنهن.

وفيما تئن النساء السوريات كل لحظة تحت وطأة قوانين طائفية متخلفة مهما تزركشت، يمزقهن تحت رحمة ذكور بعمامات تحمل رموزا دينية مختلفة، بسلطة وحماية مما يسمى بـ"قانون الأحوال الشخصية" الذي لا يعترف بمواطنة ولا بأسرة ولا بمجتمع، بل فقط بكائنات طائفية تعيش في حدود سلطة سياسية.. ما تزال الحكومة السورية ترفض أن تنطلق إلى فضاء المواطنة بأن تلغي قوانين الأحوال الشخصية جميعا، وتسن قانون أسرة وطني واحد لكل سوري وسورية بغض النظر عن العرق والقومية والدين والجنس...

ولا يبدو أن هذه الحكومة قد شبعت بعد من دم النساء السوريات المسفوح بحمايتها وحماية قانون العقوبات خاصتها الذي تحول إلى قانون ذبح للنساء السوريات وهو يقر ببطولة من يقتل امرأة "بدافع شريف" كما تنص المادة 192 من قانون العقوبات. وتعد من يعود حيوانا خاضعا لغريزة الغضب ويقتل امراة تخصه إذا رأها في "جرم الفاحشة" الذي ليس له قياس ولا حدود، بأقل العقوبات، وفق ما تنص عليه المادة 548 من القانون نفسه بصيغتها الأخيرة!

وبعد.. صحيح أن سورية حققت خطوات متقدمة في حقوق المرأة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لكننا توقفنا منذ ذلك الحين عن فعل شيء! والتعديلات والتغييرات الأخيرة التي حصلت في القرن الواحد والعشرين، لا تشكل إلا ترقيعا باهتا وغير مجد لواقع بات بحاجة إلى معالجة جذرية تتوافق وتواكب التطور الذي حصل على أرض المجتمع السوري، بل وتفتح أمامه آفاق المزيد من التطور نحو مجتمع يقوم على أساس المواطنة، وليس على أساس انتماءات عشائرية وطائفية ودينية لا مصير لها، إن كانت هي السيدة، إلى تمزيق هذا الوطن وتحقيق الرؤية الاستعمارية الفرنسية القديمة بتقسيم سورية إلى دويلات طائفية!

إلا هذا كان دور الحكومة فقط. وشركاءها من رجال دين يمجدون العنف والسلطة والمال تحت مسميات دينية.
أما دور "منظمات المجتمع المدني" في سورية، فهي لا تقل سوءا عم هي عليه الحكومة.
فبينما تدعي في الخارج أنها منظمات مجتمع مدني، لا تعدو أن تكون شلل من النساء أو الرجال تبحث عن مصالحها الشخصية مهما كانت الوسائل والأهداف. ولا تمد يديها لأي عمل في سورية لا يدر عليها دخلا مجزيا. بل حتى أنها ترفض أن تعطي الناس المعلومات والمعرفة التي حصلت عليها بسبب ادعائها أنها تعمل في قضايا المرأة السورية، حرصا منها على عدم تمكن أحد من تطوير مهاراته خارج "الحظيرة"! بل إن هذه الشلل لم تعد تحمل أخلاق كافية لتملأ حقائبها بوقائع وأوراق عمل، إنما بهدايا للقائمين/ات على تلك المنظمات التي لا تقل فسادا عن مثيلتها السورية، هدايا تكفل أن الدعوة ستوجه مرة تلو أخرى لهم ما داموا يقدمون فروض الفساد!

وفساد المجتمع المدني السوري لم يعد شأنا خاصا، بل شأن عام يمس وينعكس على كل مواطن ومواطنة في سورية. فقد تحول إلى عقبة حقيقية في وجه تقدم العمل المدني في سورية، كمثل سيء منفر للناس من جهة، ومن جهة أخرى عبر حرمان الناس من حقهم الأساسي بالمعرفة وتطوير قدراتهم/ن. وهو الأمر الذي فرض، ويفرض علينا أن نواصل فضح هذه المنظمات وكشف حقيقتها، مهما تعددت الاتهامات السخيفة التي يرددها هؤلاء عنا تعبيرا عن صحة ما نقول وعجزهم/ن عن الرد على ذلك. فالحقيقية أنهم/ن فاسدون فساد الحكومة نفسها. والحقيقة أنهن/م لا يقلون عن الحكومة ذكورية لولا أن ادعاءاتهن/م العكس هو مصدر "رفاهيتهن/م".

إذا، قضية مواطنة المرأة في سورية لم تعد قضية منظمات أو جمعيات. بل هي قضية كل فرد يشعر بارتقائه فوق مستوى العنف والتمييز الهمجي، وفوق الفساد الوسخ. هي قضية لكل رجل وامرأة مصلحة واضحة وصريحة فيها. فالعنف والتمييز هو دائرة لا تستثني منها أحدا. وإذا كانت النساء هن الضحايا المباشرات والأكثر تأثرا بهذه الهمجية، فإن الرجال يحصدون نتائج عنفهم الخاص بألف شكل وشكل، ليس أقلها أثرا شعورهم بالنقص في إنسانية الحياة التي يعيشونها.

والحكومة السورية، مثلها مثل أي حكومة أخرى، لا يهمها سوى مصالحها أينما كانت. ولا يمكن لها أن تبدأ التغيير الجدي ما لم تر بأم عينها أنه لم يعد لديها مجال لغير ذلك. وهذا يعني أن مسؤوليات كبيرة تقع على عاتق كل مواطن/ة في سورية يحلم بالأفضل له ولأطفاله.

في يوم المرأة العالمي، نؤكد من جديد على استمرارنا في العمل اليومي من أجل مجتمع خال من العنف والتمييز. مجتمع يعيش على أساس احترام تام مثبت قانونيا ومؤسساتيا للإنسان فيه بغض النظر عن لونه وعرقه وجنسه ودينه.. احترام يقوم على أساس حقوق الإنسان والمواطنة، وليس على أساس القبلية والطائفية والعرقية..


نساء سورية، افتتاحية مرصد نساء سورية، (نصف سكان سورية في غابة العنف! والحكومة تتفرج!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern