قضايا المرأة

عندما سألتها ماذا يعني لك يوم الثامن من آذار لم تفهم قصدي حالها حال الكثير من النساء اللواتي لايعلمن أنه يصادف يوم المرأة العالمي، لكن عندما عرفت، وقع على مسمعها ليفجّر فورة الغضب التي بداخلها فبدأت بالسباب على المرأة وحياة المرأة واليوم الذي أصبحت فيها امرأة، طبعاً لم ألمها فأنا أكثر من يعرف حالها فهي تصلح لأكثر من نموذج لمعاناة المرأة حتى أنها تصلح لأن تدرس من قبل العاملين في حقل المرأة.

ببساطة وجدت نفسها وهي ابنة الخمس عشرة ربيعاً زوجة لرجل خريفي يزيدها بخمس وعشرين سنة ومربية لأولاده الذين يفوقونها بالعمر.

بدأت معركتها باكراً مع أبناء زوجها حتى استطاعت أن تكوّن أسرة مستقلة اتنجب طفل وطفلة لكن هذه الأسرة سرعان مافقدت ركيزتها المهتزة فتوفي الزوج نتيجة تشمع الكبد الناجم عن تناوله الكحول.

لم تثنيها طفلتها الرضيعة وابنها الصغير عن البحث عن عمل، استطاعت أن تعمل كموظفة غير رسمية في إحدى المؤسسات الحكومية وأن تتدبر أمر طفلتها بأخذها معها يوماً وتركها عند الجيران يوم آخر والاستعانة بصديقة يوم ثالث.

أول معركة انتصرت فيها عندما طالبت بحقها بعد سنة من عملها بالاعتراف بها موظفة رسمية بعد محاولة طردها لكي لاتطالب بهذا الحق لكن مؤامرات الموظفين فشلت أمام إصرارها.

معركة أخرى استطاعت أن تحقق فيها نصراً عظيماً عندما حصلت على حق طفليها من ورثة أبيهما البسيطة بعد حرب طويلة مع أبناء زوجها الذين لم يتركوا فرصة ممكنة لحرمانها هذا الحق.

أول مايفكر به أي مواطن سوري عندما يتوفر أي مبلغ من المال هو اقتناء منزل يستره مع عياله وهذا ماكان منها، ولكن بظروف أقرب إلى المستحيلة فقد اشترت سطح بناء وبدأت ببناء حلمها الصغير باقتناء بيت من اللاشيء وبأقل مايمكن من عمال، أشرفت على بنائه حتى أنها كانت تحمل حجارة البناء على ظهرها وتساعد العمال لتقليل التكلفة وتشرف على مراحل البناء وشراء المواد لكي لاتتعرض للغش وتدفع مصاريف إضافية حتى أن أهل حارتها أطلقوا عليها (أخت رجال).

أخيراً استقرت الأمور وستعيش مع طفليها اللذين يكبران أمامها بأمان ودون حاجة أحد وها قد أصبحت ابنتها في الثانية عشرة من عمرها تذهب إلى المدرسة وتهتم بكتبها ودفاترها.

لكن كتب لهذه المرأة أن تأخذها الرياح بعيداً عن مشتهى سفنها، وهاهو الشبح الذي يلوح فوق رأس كل امرأة يتحول إلى حقيقة مُرّة -سرطان الثدي- تلقت نتيجة تحليل كتلة في ثديها بأنها سرطانية بقوة وصبر.. ليس أمامها خيار ولامكان في حياتها للضعف ولادموع في عينيها للتقاعس كيف لها أن تتلقى هكذا خبر بالندب والحزن على حظها وابنتها أصبحت في سن المراهقة هي الآن أحوج مايكون إليها.

سرطان الثدي ....من قال أنها ستموت؟ يجب ألا تموت قررت ذلك، وبصبر كبير واتباع تعاليم الأطباء وبجلسات علاجية تموت فيها وتحيى تابعت مسيرة حياتها الشاقة لتوقف عن العمل وتبدأ معركة الحصول على التقاعد المرضي ومايترتب عليه من متابعة وركض وراء دوائر الدولة وإيقاف الراتب الشهري ودوامة طويلة من دواماتها اليومية.

في فترة علاجها الذي يتطلب منها السفر من مدينتها إلى دمشق للحصول على الجرعات الكيماوية ومايرافقه من آلام وأوجاع وتعب وإرهاق ،كان كل مايتمثل أمام عينيها ابنتها التي بدأت تنمو بسرعة وتظهر أنوثتها مبكراً ،ماذا سيحل بها إن ماتت؟ ماذا لو اقتحم عليها المنزل أحد ما في فترة سفرها لتلقي العلاج؟ ماذا لو أغواها أحدهم في طريق عودتها من المدرسة؟

هواجسها لم تخطئ لكن بأسلوب حضاري أكثر!!!!

ابنتها المراهقة وعيها سبق عمرها وتعاطفها مع أمها عبّرت عنه بشكل عملي بدأت البحث عن عمل ليس أمامها إلا أن تساعد تلك المسكينة التي لاحول لها ولاقوة، رفضت الأم بقوة لكنها أمام إلحاح ابنتها ووعيها الطفولي تغاضت عن الموضوع.

بدأت الفتاة بالبحث عن عمل من خلال الإعلانات في الجرائد، أخيراً وصلت لضالتها -مطلوب كومبارس- هذا يعني أنها تستطيع العمل في أيام العطل المدرسية فقط، يالا روعة الصدف وبدأت فعلاً بذلك رغم معارضة أمها المتعبة التي لاتقو حتى على الكلام مع تلك الجرعات المميتة.

استطاعت أن تعمل بدافع المساعدة والتعاطف مع أمها لكن هذا أفضل مكان يمكن لمراهقة أن تتواجد فيه!! ممثلين..مخرجين..مصورين.. وكادر فني.. جو مرح ألفاظه من تحت الزنار كما يقال... النوايا فيه حسنة لدرجة مخيفة فأصغر شخص فيه سيوصلها للنجومية وهو مالا تبحث عنه كل ما تريد مبلغ صغير تساعد أسرتها فيه فمغريات الفن وجوّه الموبوء لايعنيها، لكن من يقف في وجه الحب؟ أحبت الفتاة أحد الشبان وما أحوجها للحب الذي افتقدته في هذه الظروف... أحبته لدرجة الجنون وبدأت معركة الأم الأكبر كيف ستكبح جماح طفلتها المراهقة التي لاتدري ما تفعل؟ ومن سيخترق هذا العقل الصغير الذي وقع تحت سيطرة القلب؟ وبدأت تحاول معها تارة باللعب على عقلها وتارة بالضغط عليها لكن دون جدوى، ما كان منها سوى مقابلة حبيب ابنتها الذي سلبها عقلها وقلبها لإيجاد حل، أصرت الفتاة على موقفها وطالبت الشاب بالزواج طبعاً هو ليس بكل هذا الوارد من أتى بسيرة الزواج؟

لكن ظروف هذه الفتاة مغرية وهو ابن الوسط الفني الراقي !!! فكان الزواج...

ما الذي يتوقع من هذه الزيجة فتاة في الثالثة عشر من العمر بظروف قاهرة، وشاب يعمل قواداً في الخفاء...

الأم بدأت تتماثل للشفاء بعدما جردت من شعر رأسها وثديها وطفلتها التي كانت تحلم يوماً أن تراها متعلمة وتحقق مالم تستطع هي تحقيقه وما سلبتها الحياة.

بالمختصر عادت ابنتها إليها بعد مايقارب الثلاث سنوات من الزواج بطفل وطفلة هم أحفادها والمعركة القادمة الآن كيف ستخلص ابنتها من هذه المصيبة وهذا الزوج الكارثة، ليس أمامها سوى المحاكم والمحامين وجيوبهم المثقوبة التي لاتشبع مالاً.

يالا سعدها وهنائها ابنتها عادت بطفلين رضيعين بحاجة للعناية والرعاية الفائقة لأب لايكترث بوجودهما، حاولت أن تتركهما له لكنها لم تستطع فما ذنب هذين البريئين في كل ماحدث؟

أما أخو الفتاة الذي لم يكن له حسّ في هذه القصة أصبح الآن شاباً في الثامنة عشر من عمره وبدأت أذناه تصحو على كلام الناس ومايقوله فاعلوا الخير الكثر!! وهنا مرحلة جديدة مليئة بالتنكيل بأمه وأخته وطفليها.

المشوار مازال في بدايته وما هو قادم ربما يكون أعظم.

فكيف لمثل هذه المرأة صاحبة الإرادة والشخصية القوية التي لم تسكت يوماً عن حقها ومع ذلك حصل كل ما حصل كيف لها أن تحتفل بعيدها وهي ليست إلا واحدة ممن يعانون الكثير.

لكن يبقى الأمل قائماً بغد أفضل يحمل بين طياته وعوداً لامرأة سورية مثقفة تطالب بحقوقها تضاهي الرجل وتكون نداً له في مجالات الحياة كافة لاتسمح بالاعتداء على جسدها أو التعامل معه كسلعة.. قادرة على إعطاء أبنائها جنسية سورية يعتزون بها.

ويبقى الأمل أيضاً برجل سوري واع يرى في المرأة شريكة حياة وشريكة عمل ورفيقة درب الكفاح والنضال لغد أفضل ومجتمع يؤمن بقدرات الإنسان وبفاعلية الثنائية البشرية الرجل والمرأة ليكون الاحتفال بيوم المرأة العالمي طعم لا مرورة فيه.


صفاء شيخ عيد، (نموذج مكثف لنسوة لن يحتفلن بعيدهن)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern