قضايا المرأة

 يقول الفيلسوف العربي ابن رشد في القرن الثاني عشر الميلادي “إن المجتمع الذي يستعبد نساءه هو مجتمع محكوم عليه بالانحطاط”. وقد سجل القرن العشرين الذي كان حافلاً بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي لم تستثنى المرأة منها، هزات فكرية عميقة حرّكت الكثير من المسلمات الراكدة والتغيير ليس في المنطقة العربية فقط، وإنما على مستوى العالم عموماً.

كانت البدايات الحقيقية لحركات تحرر المرأة في الولايات المتحدة وأوربا بدأت بإضراب عاملات الألبسة الجاهزة في نيويورك عام ،1857 ومؤتمر النساء الاشتراكيات في كوبنهاغن عام 1910. والتاريخ العربي غني أيضاً بأسماء مناضلات ورائدات قدّمن الكثير لقضية تحرر المرأة.

هذا التاريخ حمل الكثير من الأحلام والدموع، حكايات نساء يتمتعن بالإرادة الصلبة والطموح الكبير والحس المرهف المرتبط بضرورة تحقيق العدالة في العالم. نساء في صلب الحركات المطالبة بتحرر المرأة من الظلم والاضطهاد والبؤس. وبهذا تحقّق العديد من المكاسب للمرأة بعيداً عن الشعارات الرنانة التي استبدلت بها نساء العالم أعمالاً بالغة الواقعية! جزء من هذه الحقوق تحقق في العالم “المتمدن”، فيما الوضع في العالم الثالث مازال موضع أخذ ورد، فحول هذه الحقوق يجري صراع عنيف علني وصامت، ولم يبدّل شيئاً قرار الأمم المتحدة الرسمي عام 1993 القاضي باعتبار حقوق المرأة ضمن حقوق الإنسان، ولا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام ،1948 والذي يعد أول وأهم وثيقة دولية تطرح حقوق الأفراد وحرياتهم وكرامتهم والحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية. ويشجع الإعلان على احترام الحقوق والحريات الأساسية للناس جميعاً.

وفي ضوء الاهتمام الصاخب بقضايا المرأة، والذي ارتفعت وتيرته في السنوات الأخيرة، يمكن طرح بعض التساؤلات:
1- إلى أي مدى تجذرت الدعوة إلى مشاركة المرأة في الشأن العام، ومدى انتشار هذه الدعوة؟
2- هل الاحتفال بيوم المرأة هو أحد مظاهر التعبير عن تكريمها فقط، رغم أهمية ذلك، وبالتالي ألا يفترض أن يكون هذا اليوم مؤشراً أساسياً أو معياراً موضوعياً لتحديد حقيقة التحول المجتمعي في النظر إلى المرأة والاعتراف بدورها وتحديد فاعلية حضورها ومستوى مشاركتها في الشأن العام؟
3- هل هناك إقرار بدور الرائدات الأوليات اللاتي بادرن في الزمن الصعب إلى إحياء المناسبة رغم كل الصعوبات؟
4- هل المرأة جنس آخر أو جنس ثان؟ هذا السؤال طرحته سيمون دو بوفوار، ومازال أس وأساس قضية المرأة، إنسان كامل كالرجل عقلاً وروحاً وجسداً، ليس بمنظور مساواتي مجرد فحسب، بل بمنظور قانوني تكافئي؟ فهناك ثمة نساء أكثر كفاءة من الرجال.

إن غياب دور المرأة، أو محاصرة هذا الدور، هو من أهم المعوقات في تطور مجتمعاتنا العربية وكل المجتمعات.

إن تخلف التشريعات القانونية، ما يخص وضعية المرأة في الفضاء العربي، يلعب دور العقبة والمانع لتطور التشريعات المتعلقة بها. فصورة المرأة في غالبية التشريعات العربية لا تتجاوز التبعية النسبية أو الكاملة.

لقد تغيّر دور المرأة وتطور داخل الأسرة والمجتمع، في حين أن التشريعات القانونية لاتزال متخلفة على أكثر من صعيد، فهناك هوة بين الواقع الاجتماعي وقوانين الأحوال الشخصية في المجتمعات العربية.

لقد أثبتت التجارب أن جرأة التشريعات القانونية وسنّ قوانين متقدمة تنسجم مع تطلعات المجتمع إلى التقدم والتنمية والتطور يمثل حصانة قوية للمرأة وللأسرة والمجتمع. ويمكن لمنظومة القوانين المتعلقة بالمرأة أن تكون أقوى وأكثر تقدماً من المنظومة الثقافية السائدة في المجتمع، ومن الواقع الاجتماعي نفسه، إلى أن يتم التوازن بين البعدين بفعل تراكم التجربة الاجتماعية مع الزمن الذي يتيح للقيم والقوانين فرصة التغلغل والثبوتية.

وبالنسبة للتعليم فلاتزال الأميّة تشكل نسبة عالية بين النساء في بلادنا، خاصة في الريف والأحياء الشعبية الفقيرة، إذ تتراوح نسبتها بين 25 و30% وربما أكثر. فقضية تعليم المرأة كانت مسألة محورية في فكر النهضة العربية في مطلع القرن العشرين وقبله على يد بعض رواد هذا الفكر. وحتى الآن مازلنا نتكلم عن الانعكاسات السلبية على الفتاة والمجتمع في حال عدم تعليمها. فالتعليم استثمار يؤدي إلى فائدة أكبر بكثير من أي استثمار آخر، لأنه يجعل تنمية المجتمعات بأكملها أمراً ممكناً. إنه الشكل الأكثر تأثيراً بين أشكال الإنفاق لتطور المجتمعات. والسؤال لماذا تحرم ألوف الفتيات من التعلّم في الكثير من مجتمعاتنا العربية؟ مما يبقي المرأة مهمشة بانتظام، وحينما تقع الكارثة مرضاً كان أم صراعاً أم حرماناً تتحمل العبء الأكبر؟

إن تغيير الأوضاع القاسية للنساء تحتاج بالدرجة الأولى إلى إلغاء القيود التي تؤدي بالأهل إلى إبقاء بناتهم خارج المدرسة، ولابد أن تعترف المجتمعات بأن تعليم الفتيات ليس خياراً بل ضرورة.. وهناك موقفان حاسمان في الدعوة لقضية المرأة هما الإعلام والتعليم” عبرهما يمكن تقديم صورة مضادة للصورة النمطية للمرأة “خجولة وصابرة” التي رسمها لها الخيال الشعبي الذي صاغته عقود من التفاوت بين الجنسين.

فالتعليم لا يقل أهمية عن الإعلام في تغيير الذهنيات التقليدية، إنه نقطة البداية في استخدامه كأداة للمساواة بين الجنسين، مما يتطلب دمقرطة التعليم وتحديث برامجه ومناهجه التي تفترض مساواة الإناث بالذكور. وهذا ما بدأته سورية في بعض المناهج الدراسية الجديدة هذا العام.

لقد حققت المرأة السورية خلال العقود الأخيرة بعض المكاسب الهامة، كالحصول على بعض المناصب القيادية في الدولة وفي بعض المجالات العديدة الأخرى. غير أن حضورها في الحقل السياسي ودائرة صنع القرار لايزال دون المستويات المطلوبة. فضعف وجود المرأة في مواقع صنع القرار أبقاها مكبلة بقيود من القوانين التمييزية تحت ذرائع وحجج مختلفة وواهية في قانون الأحوال الشخصية، العقوبات، قانون الجنسية، عدم سن تشريعات لحماية المرأة من العنف الجسدي والمنزلي والجنسي والمعنوي والمادي. مما يستدعي جهوداً خاصة لإزالة التمييز اللاحق بالمرأة وتطوير التشريع القانوني لتجعل مساهمة المرأة في عملية التنمية تشمل الانخراط التام فيها، وهذا يتطلب تكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان ورفع المستوى التعليمي بين النساء.

لقد شكلت الانتفاضات الشعبية العربية في بداية هذا العام الحدث الأبرز، ولعلها “حدث الألفية”، هذه الانتفاضات التي شدت إليها أنظار العالم قاطبة، ربما لا يجد البعض مسوغاً أو أهمية للاحتفال بيوم المرأة هذا العام، بسبب الدم الذي سفكته أنظمة في عدد من الدول العربية الشقيقة، أنظمة غريبة عن شعوبها وتطلعاتها وحقوقها، وهي القضية عينها، قضية الإنسان، امرأة كان أم رجلاً في هذه المناطق الساخنة من العالم.

وإذا كان من تخصيص للمرأة في هذا اليوم فهو لها، لأنها الحلقة الأكثر تأثراً في محيطها وعضو فاعل ومؤثر في هذه المجتمعات التي يجتاحها العنف بكل أنواعه، والتي شاركت بفعالية كبيرة ونكران ذات إلى أبعد الحدود في الانتفاضات الشعبية بشكل لا مثيل له، وكان لها دور مؤثر وهام في رفض الظلم والقهر والفساد وفقدان الحرية وفرص العمل.. إلخ.

لقد لعبت الأمهات والشابات في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين دوراً هاماً في صمود الانتفاضة وفي رفع معنويات المنتفضين، وكن يحثثن الشباب على بذل مزيد من الجهد والصمود والبطولة.

قاومن ببسالة من أجل إقامة أنظمة حكم ديمقراطية قائمة على حكم القانون، وقادرة على رسم السياسات الانمائية السليمة. وكان شعارهن “كسر القيود الكثيرة على مشاركة النساء في الحياة العامة”، بعد أن تحول هذا العالم إلى سجن كبير تعيش وتموت بين جدرانه العالية أجيال لم تعط الحق في المشاركة في تقرير مصيرها وتحقيق ذاتها.. إنها أجيال الشباب العربي التي ضمت جموع المعوزين والعاطلين عن العمل، وغالبيتهم من حملة الشهادات الجامعية.

تحية في يوم المرأة العالمي إلى الشهيدة الأولى في انتفاضة مصر الظافرة سالي زهران، الشابة الجميلة اليافعة التي قتلها بلطجية النظام السابق، وهي تتجه بخطا سريعة حاملة علم بلادها مخترقة الصفوف باتجاه ميدان التحرير لتشارك في الانتفاضة في وجه الاحتلال الإسرائيلي!

تحية إلى النساء الفلسطينيات البطلات الصامدات في وجه الاحتلال الإسرائيلي اللاتي احتضن اسم سالي وأطلقنه على أكبر شارع في مدينة رام الله، فلسطين، تكريماً لها!
تحية إلى نساء بلادنا في نضالهن من أجل استكمال حقوقهن!
تحية إلى كل المناضلات في العالم!


زينب نبّوه، (يوم المرأة العالمي: حدث وطني بامتياز، ومطالبة جادة بمساواة حقيقية)

عن جريدة "النور"، (العدد 474، 9/3/2011)

0
0
0
s2smodern