قضايا المرأة

نشر موقع "كلنا شركاء" بيانا غير موقع، ومجهول المصدر، قال أنه بيان صحفي موجه إلى السيد الرئيس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، 8 آذار، تضمن مغالطات صريحة وواضحة إضافة إلى منهجية تتناقض مع أبسط مبادئ المواطنة!

إلا أن البيان حذف، للأسف، بعد سويعات قليلة من نشره، مع إشارة من الأستاذ أيمن عبد النور، رئيس تحرير "كلنا شركاء"، نشرت على صفحته على "فيس بوك"، قال فيها أن "واضعي البيان طلبوا تأجيله حتى يوم الإثنين"، دون توضيح من طلب ذلك!

فقد بدأ البيان بالإشادة بتعديل قانون العقوبات الذي ثبّت حق الذكور السوريين بقتل النساء السوريات! وهو التعديل الذي طنطنت له الحكومة والمنظمات الكرتونية رغم صراحة منحه حق قتل النساء، الحق الذي ينتهك أساس وجود الدولة نفسها، ويلغي مبرر سلطتها. فأول دور للدولة، أي دولة، هو إنزال العقاب الشديد بكل مرتكب جريمة قتل بغض النظر عن الأسباب (الحياة حق مقدس). فكيف إذا كانت جريمة القتل هذه هي أقذر جرائم القتل إطلاقا حين يقتل أب أو أخ أو ابن أو زوج المرأة التي عاشت معه وتعيش لسنوات طوال بذريعة غريزته الحيوانية المسماة "غريزة الغضب"؟! وقد أوضحنا مرارا أن الالتفاف على حقيقة أن مشكلة المادة 548 هي هنا، وبالتالي هي مشكلة لا تحل أبدا بالترقيع والتكحيل، بل فقط بإلغاء المادة كليا، بل وتشديد العقوبة لاعتبارات القرابة، وكذلك تجريم كل شريك أو متواطئ أو صامت على الجريمة، حتى من الشرطة! وهو الإجراء الوحيد الذي يرفع هذا الحيف الصارخ ضد النساء السوريات اللواتي هن مواطنات لهن ما لكل مواطن آخر وعليهن ما عليه.
كما أن القول بـ"إلغاء إعفاء المغتصب من العقوبة" في التعديل المذكور، هو قول ليس دقيقا. فما جرى أنه أوقع عليه عقوبة صغيرة، لا تتلاءم أبدا مع مستوى جرم الاغتصاب! وقلنا أن مجرد إقرار فكرة زواج المغتصب من ضحيته في القانون هي فكرة خطيرة جدا! فكيف بوجود عقوبة مضحكة؟ إضافة إلى أن التعديل نص على إعفاء مرتكب "الجنحة" المتعلقة بالاعتداء الجنسي، مثل "المداعبة الجنسية"، والتي لا اسم لها اليوم إلا "الاعتداء الجنسي"!

ومن ثم، طالب البيان بـ"إصدار قانون أسرة وطني،اختياري"! وهي خدعة كبيرة تروج لها بعض ناشطات/ي الحركة المدنية في سورية اللواتي والذين يريدون "النضال" وهم مستمتعون في أحضان المؤتمرات والورشات والسعادة والهناء! وهم حريصون على عدم "إثارة" بعض مؤيدي العنف والتمييز ممن يتجلببون بعمامات الإسلام أو سرابيل المسيحية، ممن يدعون أنهم مع التطور وتحقيق حقوق المرأة، على أن لا تسحب سلطاتهم التي يأخذونها من اعتبار أنفسهم ظلال الله على الأرض، بحيث تبقى الحياة اليومية للناس تحت سيطرتهم، فهم مستفيدون من هذه السلطة الكهنوتية (إسلامية ومسيحية) استفادة جلى، نأمل أننا سنفضحها بدقة ذات يوم! حين يكسر بعض النساء حاجز الخوف لتبدأ بالحديث علنا عم يدور خلف ستار تدين هؤلاء.
من أجل “رضا” هؤلاء، تحدث البيان عن قانون أسرة “اختياري”! بحيث يمنح أولئك الطائفيون المؤيدون للعنف والتمييز سلطات حقيقية نعرف أنه هي التي ستسيطر، نظرا للقوة الاجتماعية التي يتمتع بها هؤلاء، ولقدرتهم اللامحدودة على انتهاك حرية الإنسان وتشويهه والتشهير به في مجتمعه إن لم “يطع” أوامرهم. وهو ما سيجعل النساء السوريات خاضعات بالضرورية للسلطة القروسطية لرجال الدين.

والقانون "الاختياري" يعني تمزيق الوطن شر تمزيق. وهو فكرة خاطئة كليا بأي فقه قانوني كان. فلا قانون "اختياري" في العالم. لا يوجد في أي مكان في العالم قانونين لأمر واحد. هناك قانون واحد هو الذي يلجأ إليه الناس في المحكمة.  وهو ما يقرر الحقوق والواجبات. وما يظنه البعض عن أمر “الاختيار” هذا، هو ليس كذلك إطلاقا. ففي فرنسا مثلا (حيث يضرب المثل عادة عن هذا الأمر)، ليس هناك إلا قانون واحد إذا أردت الزواج. أما أن هذا القانون يمنعك من أن تتزوج في الكنيسة أو الجامع، فهو لا يفعل ذلك. وأنه يمنعك من أن تعيش حياتك على طريقة الكنيسة أو الجامع، فهو لا يفعل ذلك. لكن، إذا أردت أن تكون “زوجا وزوجا” في القانون، فلديك قانون واحد وحيد لكل فرنسي وفرنسية. وإذا حدث خلاف في هذا الزواج واتجه إلى الطلاق، أو المحكمة، فهنك قانون واحد وحيد لكل فرنسي وفرنسية.

والقانون، كما يعرف الجميع، هو ما نلجأ إليه وقت الحاجة، وليس ما نستيقظ صباحا على قراءته! وبالتالي، فإن ما نفعله قبل الحاجة إلى القانون، هو شأن الأشخاص المعنيين. أما القانون فهو قانون واحد لجميع المواطنين والمواطنات في سورية، بغض النظر عن القومية والعرق والدين والجنس..

وكل طرح لـ"قانون اختياري" يشكل تضليلا للناس حول حقوقهم البسيطة بأن يكونوا، رجالا ونساء، مواطنين/ات على قدم المساواة دون أي  تمييز.

القانون "الاختياري" هو صيغة خادعة لا هدف لها لدى هؤلاء سوى تحقيق "إنجازات وهمية"، بينما تشريع مثل هذا القانون يعني ضربة عميقة في جسد الوطن السوري، ومشروع تمزيق له. وبالتالي، فهو تشريع صريح وواضح للتقسيم الطائفي للناس.


من جهة ثالثة، فقد اعتدنا على سلوك هذه المنظمات الكرتونية التي تهرب من العمل الحقيقي والواقعي مع الناس، ومن طرح القضايا اليومية ونقاشها والعمل لتغييرها، ومن مواجهة الصعاب الحقيقية جميعها، ضمنا مواجهة مروجي العنف والتمييز مهما كانت ذقونهم طويلة أو حليقة، وسواء ارتدوا عباءات الأديان المعروفة أو عباءات العلمانية واليسارية والديمقراطية.. الهرب من ذلك إلى "المناشدات" و"المذكرات"! وهو سلوك لا يثير إلا الشفقة في الواقع.

فمناشدة رئاسة الجمهورية يعبر عن مدى انفصال هؤلاء عن الواقع السوري المفتوح على إمكانيات عمل واسعة حقا في هذا المجال (رغم بعض الصعوبات والمعوقات التي لا تصل أبدا إلى مستوى الإعاقة الحقيقية). لكن ذلك يتطلب قناعة بالعمل، وليس إتجارا به! يتطلب بذل الجهد لتغيير قناعات الناس ومواقفهم، وليس بذل الجهد للحصول على مقعد طائرة أخرى! يتطلب إقامة ندوات ومحاضرات ونشاطات ميدانية وليس احتفالات مزركشة في الفنادق وأقبية الكنائس! يتطلب تضحية بالوقت والجهد.. وليس نفاقا وتبرجا!

ومناشدة رئاسة الجمهورية لا تفعل في الواقع سوى أن ترمي المسؤولية عن أكتاف هؤلاء إلى ملعب الرئاسة. فبعد "المذكرة والمناشدة" يمكن لهؤلاء أن يناموا مرتاحين لأن "الرئاسة" لم تتصرف!

إن العقلية الفوقية التي يظهرها هذا البيان تتعارض جذريا مع مفهوم المواطنة الذي تسعى إليه النساء السوريات. والتقدم نحو المواطنة يتطلب العمل اليومي بكافة أوجه ومستويات العمل، ولا يتطلب "استبدالات" من هذا النوع أو ذاك. فقد بات واضحا أن الاستبدالات لا تؤدي إلى نتيجة، وأنها مؤقتة، وأنها لا تؤسس وعيا ولا مواطنة ولا تضمن حقوقا ولا مستقبلا.

وبالتالي فإن "مرصد نساء سورية، يرفض هذا البيان، بغض النظر عن اتفاقه مع جوهر أغلب الأفكار الواردة فيه. فالغاية لا تبرر الوسيلة. وإلا لعدنا إلى مربع الهمجية الأساسي المتناقض مع المواطنة.

مرة أخرى نقول لهؤلاء: إن الضوء الذي بدأ يسلط على المجتمع المدني السوري، مع تطور الاتصالات والمواصلات ووسائل الإعلام، لم يعد بالإمكان إغلاقه. وبالتالي فإن عليكن/م أن تبذلوا جهودا حقيقية في التفكير، وفي العمل عملا جديا على أرض الواقع السوري، أو عليكم/ن أن تنتظروا فضحا مستمرا لمثل هذه الألعاب البهلوانية التي تنعكس سلبا على قضايا المرأة السورية عبر التضليل والإتجار بهذه القضايا.


نص البيان كما نشر في "كلنا شركاء”، قبل أن يختفي:
نداء للرئيس بشار الأسد لتطوير القوانين المتعلقة بالمرأة
بيان صحفي  
03/ 03/ 2011
بمناسبة الذَكرى المئويّة ليوم الثَامن من آذار،اليوم العالمي للمرأة، يوما عالميَاً للتَضامن مع النَساء في مسيرتهنَ من أجل المساواة وإلغاء جميع أشكال التَمييز ضدَهنَ في جميع المجالات، نتوجَه إلى سيادتكم بالتَحيَات الصَادقة، ونعلن لكم تقديرنا للموقف الدَاعم الَذي قدَمتموه لإيقاف مشروعي قانون الأحوال الشَخصيّة اللذين طرحا عام 2009، كما نقدَر لسيادتكم إصدار المرسوم رقم (1) لعام 2011 القاضي بتعديل قانون العقوبات، الذي ألغى إعفاء المغتصب من العقوبة ورفع من عقوبة مرتكبي ما يسمَى ب"جرائم الشرف".
ونتذكَر، في هذه المناسبة، ونحيَي أيضا، المسيرة الطَويلة الَتي قطعتها النَساء السَوريَات والتَضحيات الجسام الَتي بذلنها من أجل تعزيز مشاركتهنَ في الحياة العامة بمجالاتها كافة، ومن أجل الحصول على حقوق المواطنة، كاملة دون أيَ انتقاص.
وانطلاقا من قناعتنا بالدَور الَذي تلعبه الإرادة السَياسيّة في دعم مسيرة النَساء، نتوجَه إلى سيادتكم آملات في:
- إصدار قانون أسرة وطني، اختياري تخضع له جميع الأسر السوريّة بعيدا عن انتماءاتها الطَائفيّة، يكرَس الوحدة الوطنيّة ويحقَق المساواة التَامة بين الرَجل والمرأة، في الحقوق والواجبات الشَريكين في بناء الأسرة وإدارتها، ويلغي جميع أشكال التَمييز ضدَ النَساء والأطفال في قوانين الأحوال الشَخصيّة النافذة.
- تعديل المواد التَمييزيّة في قانون الجنسيّة بما يمكَن المرأة السَوريّة، المتزوَجة من غير سوري، من منح جنسيَتها لأفراد عائلتها، وتعديل المواد التَمييزيّة، جميعها، في قانون العقوبات؛
- إصدار قانون للحماية من العنف الأسري الَذي يهدَد أمان الأسرة واستقرارها، ويجعل بخاصة سلامة النَساء والأطفال وأمنهم عرضة للمخاطر؛
- إصدار قانون جديد للجمعيَات غير الحكوميّة، يسمح لها بحريّة التَسجيل والعمل مع اعتماد معايير واضحة لرقابة الدَولة وظروف تدخَلها في شؤون الجمعيَات، ويرفع الحظر عن تأسيس الجمعيَات النَسوية، لتتمكَن هذه الجمعيَات من القيام بالدّور المطلوب منها في عمليّة التَنمية الوطنيّة المستدامة؛
- رفع التَحفظات عن اتَفاقيّة "إلغاء جميع أشكال التَمييز ضدَ المرأة" (سيداو)، بما يضمن تعديل جميع القوانين الوطنيّة لتتوافق مع مواد الاتَفاقيّة الَتي تنسجم مع مبادئ وأحكام الدَستور الوطني؛
- التَوجيه لمن يلزم بإدراج التَعهَدات الحكوميّة الواردة في الخطَة الخمسيّة العاشرة، فصل تمكين المرأة الَتي لم تنفَذ، في الخطَة الخمسيّة الحادية عشرة.
إنَنا على قناعة تامَة بأنَ المرأة السَوريّة والمجتمع السَوري يستحقَان هذا التَغيير في أوضاع النَساء القانونية، وينتظرانها أيضا، وأنَ هذه الإجراءات كفيلة بأن تجعل من النَساء "نصفاً حقيقيَاً في المجتمع وليس وهميَاً"، الأمر الَذي أكَدتموه مرارا.
وتفضَلوا، سيادتكم، بقبول وافر الاحترام
{انتهى البيان}


بسام القاضي، (قضية المرأة قضية مواطنة: لا للقوانين الاختيارية، لا لتوجيه المناشدات!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern