قضايا المرأة

تُرى ماذا تقول المرأةُ لنفسها عندما تقفُ أمامَ المرآة؟ بِماذا تفكر؟ ما الذي يشغلُ عقلها وعواطفها؟ أليس الرجل؟ فتسعى جاهدةً لنيل إعجابه ورضاه. قد يقول قائل: إنَّ العكسَ صحيحٌ أيضاً. فالرجلُ يسعى لنيلِ إعجاب المرأة ورضاها.

قد يبدو من النافل القول: إنَّ المقدمات الزائفة تقود إلى نتائجَ زائفة. كذلك النظرُ إلى مرآةٍ مزيفةٍ ومشوهة، يعطي صورةً مزيفةً ومشوهة.
السؤالُ الذي يطرح نفسه: لماذا تزدادُ عبوديةً المرأة كلَّما ازدادَ ميلها لنيل إعجاب الرجل ورضاه حتى أنها تلجأ لاستئصالِ أجزاءَ منها بدءاً بالأنف وصولاً إلى الروح حتى تبقى محظيةً، مدللةً، عند السيد؟ بينما ما يفعله الرجل لنيلِ رضا المرأة وإعجابها يزيده جبروتاً وغياً وأوهاماً؟ كيف ذلك؟
في رائعته الأدبية" الجياد الهاربة" يقول الروائي الياباني يوكيو ميشيما على لسان بطل الرواية إيساو الذي أرادَ القيام بثورة مسلحة على الطغمة الحاكمة فكان نصيبه الفشل:
"- لقد عشتُ من أجل وهم، وصنعتُ حياتي على مثال وهم، وحل بي هذا العقاب من أجل وهم، لكم أودُ أنْ يكونَ لي شيءٌ ليس بوهم.
- فيرد والده: لو أصبحتَ رجلاً راشداً لحصلتَ عليه.
- رجلٌ راشد؟ بل إني........نعم! ربَّما كان ينبغي أنْ أُبعثَ في إهاب امرأة. لو كنتُ امرأةً لاستطعتُ الحياة دون أنْ أطاردَ الأوهام. أليس بمقدوري ذلك يا أماه؟!".

فلماذا يطاردُ الرجلُ الأوهامَ ويقود نفسه والبشريةَ إلى الفشل والخراب والحروب؟ ومع ذلك يبقى سيداً ومرجعاً للمرأة؟ إلى متى تستمر هذه العبودية وفي مصلحة من تصب؟
إنَّ الحياة كلها قائمةٌ على صورة الذكر وهواه، فكرة الإله والأخلاق والمنطق والأعراف والقوانين وحتى اللغة ذكورية والأبطال والرموز والقادة.......الخ.
لذلك أضحى الرجلُ، بالنسبة للمرأة، مرآةً ترى المرأةُ نفسها من خلاله. وتعيدُ صياغة نفسها وفقاً لما يريد. ولا يخفى على أحد أنَّ الأب هو الرجلُ الأول في حياة كل امرأة، فعلاقة الطفلة مع أبيها تترك ظلالاً مدى الحياة على علاقتها مع كل الرجال.
لكن ماذا لو كانت المرآةُ نفسها (الرجل) مشوهةً ومزيفة، هشةً وضعيفة. إمَّا محدبة أو مقعرة أو متشظية؟.

بالنسبة لبني البشر ليس هنالك شيءٌ يُحدثُ التشوهَ ويدفعُ للتزييف والتصنع أكثر من الخوف. الخوفُ يتركُ أثراً عميقاً على بنية الإنسان النفسية والذهنية والسلوكية. فمما يخاف الرجل؟
بيير داكو يجيبُ عن السؤال بقوله:" إنَّ الرجلَ يخافُ المرأةَ خوفاً لاشعورياً عميقاً ولا يحس الرجل في نفسه انه متفوق على المرأة. إنه يعاني الحاجة إلى الزعم بأنه متفوق عليها مع انه يشعر إزاء المرأة بحالة من الخطر وعدم الأمن".
فالرجلُ يحمل في أعماقه رُهاباً حقيقياً من المرأة وما ترمز إليه، والسبب بسيط لكننا تناسيناه ظاهرياً. فالمرأةُ (الأم) هي السلطة الأولى في حياة الرجل (الطفل الرضيع). هي التي تمنح وتمنع، تثيب وتعاقب، تأتي وتروح، غيابها بالنسبة للطفل جحيم وحضورها غبطة، معها يشعرُ بالأمان وبعيداً عنها يجتاحه القلق.
إنَّ عجزَ الطفل البشري وطول فترة اتكاله على الأم يعزز تلك المشاعر بخلاف باقي الثدييات، ويأتي الكبت لاحقاً ليطمرها في الأعماق، لكنها لا تزول أبداً.

فعلى الرجل أنْ يبرهنَ للمرأة على رجولته دائماً، لذلك ينفخ صدره وعقله ونفسه أمامها. مما يدفعه للبحث عن كل أدوار البطولة ليتقمصها ويطارد كل أنواع الأوهام ليملئ صورة الرجل القوي، الحامي، العظيم، المنتصر، كما في الأفلام الأمريكية. ويلجأ لغمرها بكل أنواع الهدايا والكلام المعسول حتى يأمن جانبها ويضمن خضوعها.
أليس من الطريف أنَّ المرأة التي يقول عنها الرجل: أنها من ضلعه، وأنها ناقصة عقل ومتقلبة، أو أنها لا تهتم إلاَّ بالتفاصيل الصغيرة، وإذا أرادَ مدحها فيقول: أنها هشة وضعيفة ومن النبالة أنْ يقومَ الرجل بحمايتها. أنَّ هذه المرأة أكثر واقعية والتصاقاً بالحياة من الرجل. فالمرأة ليست بحاجة لإضفاء معنى على الحياة أو اللهاث خلف أدوار البطولة لأنها هي التي تخلق الحياة، حيث أنَّ الحياة تتشكل في بطنها. يضيف داكو: "كلُّ موجودٍ إنساني يكابدُ الحاجة لكي يخلقَ أثراً. هذه الإمكانية تتصف بأنها طبيعية عند المرأة ويبحث عنها الرجل من خلال أي شيء".
إنَّ الرجلَ مُركبٌ "أسطورياً" ضد المرأة، والعكسُ ليس صحيحاً، لأنه يخشاها، ويخشى أنْ يكون مصيره كمصير ذكر النحل، فهي ترمز للعدم الذي جاء منه" بطن الأم" وتُحيلُ إلى العدم الذي يؤول إليه، بطن الأرض ( رمز الأم ). يشير داكو إلى فعالية الرموز وتأثيرها بقوله:" الرموز لن تزول أبداً، وهي تزهر ما دام للرجال والنساء لاشعور. الشيء الوحيد الذي يمكن للإنسان أنْ يفعله هو أنْ يجعلَ الرمز شعورياً، لكي يكف على هذا النحو أنْ يكون مُنقاداً به".
لذلك يسعى الرجل لإثبات ضرورة وجوده حتى لو اضطره ذلك لإشعال الحروب والنزاعات. وربما ذلك ما يفسرُ هوس الرجل بالسياسة والتحليق بالأفكار المجردة وإضفاء المعاني السامية على آراءه وأفعاله حتى على فشله، كي لا تهتز صورته أمام المرأة سواءَ كانت أمه أو زوجته أو ابنته. يقول مصطفى حجازي في كتابه سيكولوجيا الإنسان المقهور: "الإنسان في المجتمعات المتخلفة ضحية عقدة الاستعراض".
فالحكام والقادة - على سبيل المثال - في المجتمعات المتخلفة خالدون أبدا الدهر، لا يخطئون ولا يفشلون. وكذلك المعارضون الذين فشلوا بالوصول إلى السلطة عن طريق السياسي أو العمل المسلح لا يعترفون بفشلهم بل يسبغون عليه معانٍ سامية حفظاً لماء الوجه، مثل الجهاد في سبيل الله، النضال في سبيل الحرية، التضحية في سبيل الوطن....الخ.

كلماتٌ طنانةٌ ما تسمعه المرأة من هؤلاء الرجال. يصف مصطفى حجازي وضعية الرجل المتحرر فكرياً وثقافياً في مجتمعاتنا بقوله: "هو من أنصار المساواة ولكنه ينتظر أنْ تقومَ المرأة بذلك، فالغالب أنْ يكونَ حماسه نظرياً، والحقيقة انه في معظم الحالات لا يريد أنْ تفلت المرأة من سلطته وسيطرته لأنه يخشى أنْ تنافسه وتتفوق عليه".
فالرجلُ في مجتمعاتنا مستعدٌ ومتحمسٌ دائماً لإفناء عمره في البحث عن "الحقيقة" و"العدالة" و"الحرية" ومحاربة الصهيونية والامبريالية والعولمة والسلطات المستبدة ولكنه بالنسبة للمرأة يكتفي بالشعارات و"العواطف"!!!.


نارت عبد الكريم، (في العلاقة بين المرأة والمرآة)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern