قضايا المرأة

يزخر هذا العنوان بالرؤى الماقبلية عن وسائل الإعلام ويُبيح التساؤل عن معنى كلمة دور، فهل تعني المساهمة بايجابية وبفاعلية وتاثير مثلا؟ وماذا نقصد بوسائل الإعلام هل هي تلك المساحة الشاسعة التي يجتمع فيها المكتوب مع المسموع ويجتمع المرئي فيها مع الالكتروني ويجتمعان مع الوسائط الجديدة كالمطويات الاشهارية واخبار النشرات الحينيّة عبرالس ام اس والملصقات الحائطية؟

وماذا يمكننا ان نفهم من اللفظة المركبة تهميش النساء التي غالبا ما أشارت إلى تهميش اقتصادي حدّ التأزيم، وسياسي حد التقزيم، واجتماعي حد التحجيم، فهذه الجملة هي تركيب مُستعرض وخال من المواربة ولن نخوض في تفاصيله ولكننا سنشير إلى ان الاهتمام برصد صورة المرأة في وسائل الإعلام قد انطلق بشكل لافت بعد مؤتمر بيكين سنة1995 مع انتشار المنجزات التكنولوجية في بلدان العالم ولكن ماذا كانت الحصيلة، حصيلة هذا الرصد؟ وفي سبيل ملامسة بعض الإجابات علينا ان نطرح بعض الاسئلة حول عنوان هذا المبحث والأشكاليات الواردة به أولاً وذلك من خلال تقسيم مساحات التأمل إلى أقسام ثلاثة

أولاً كيف تحضر المرأة في وسائل الإعلام من خلال اللغة؟
ثانياً متى تحضر المرأة في وسائل الإعلام وكيف؟
ثالثاً ماهي أشكال تهميش المرأة وتنميط تمثلاتها؟
المرأة في لغة الخطاب الإعلامي
يلاحظ المتابع لوسائل الإعلام في المنطقة العربية أنها غالباً ما تجنح لاستعمال لغة تخاطب غير متوازنة تجاه المرأة وقضاياها، فاللغة العربية لم تنصف المرأة حين اعتبرتها عند القضاء قاضية وعند الإنابة نائبة وعند الإصابة (من الصواب) مصيبة، وكلها مصطلحات من حقل النوازل، كما لم تنصفها وسائل الإعلام، إذ لا نكاد نجد لدى المشتغلين بالمجال الإعلامي ذاك الانتباه اللغوي المفترض تجاه قضايا النوع الاجتماعي، والأمثلة على هذا عديدة يمكن ان نذكر منها مثلا استعمال مصطلحات لا تراعي ولوج المرأة مختلف الأسلاك المهنية والبحثية، فيجنح الصحفيون غالبا إلى استعمال كلمات من قبيل رجال العلم، رجال السياسةو رجال الدولةو رجال الادارة، للتدليل على مهن مستقرة في وعيهم الجمعي كمهن أو مجالات اشتغال رجالية صرفة، كما يستعمل الصحافييون مفردات من قبيل الخادمات أو الممرضات بشكل مستقر أيضاً باعتبارها مهن نسائية خالصة رغم أن العربية تزخر بالكلمات المحتملة للإنسان في بعديه المذكر والمؤنث، فيمكننا أن نستعمل مثلاً لفظ أهل العلم أو العلماء والعالمات بدلاً من رجال العلم، والقانونيون والقانونيات او المشتغلين بالمهن القانونية كما يمكن أن نستعمل كلمة عملة الخدمة والإطار شبه الطبي أو التمريضي وغير هذا كثير...

كما تلاحظ أجلى مظاهر إلغاء حضور المرأة لغويا في كلمة أم الشهيد أو أخت الشهيد أو أرملة الشهيد وهي توصيفات تختزل البعد النضالي للمرأة العربية وتضحياتها الوطنية من أجل التحرر سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان أو غيرها من المناطق الساخنة فقط في قرابة المرأة من الشهيد، فهي ليست أبداً شهيدة أو فدائية أو جهادية وكأنها ليست هي من أعدّت المناضل والمناضلة والشهيد والشهيدة ورافقتهم وربتهم؟ فهذه الكلمة مجحفة وقاسية تقصر النضال في الذكور. ولا تضاهيها في القسوة سوى كلمة أم فلان، هذه الكلمة التي وان أستعملت للجنسين (أم وأب فلان) فإنها وان أشارت بالنسبة للرجل للفحولة واستمرار النسل فبالنسبة للمرأة لم تعن أكثر من تغييب هويتها خلف حجاب الدور البيولوجي مما يبرز حتما اختزالها في بعد واحد وهو بعد الأمومة وإلغاء باقي نواحي حضورها المجتمعي الفاعل وعلمها وثقافتها أمام قَصر دورها على الحضانة ورعاية أبنائها من الذكور تحديداً، فالكلمة إذن مخملية ورقيقة ولكنها حادة في الدلالة كالمدية (تقرير إخباري عن الجالية السعودية في كندا بثته إحدى القنوات العربية منذ مدة يتحدث عن إحدى الباحثات المتميزات في مجال الدراسات الاجتماعية مستعملاً كنيتها أم صفوان دون اسمها فكأنها هويتها الوحيدة)، أو ككلمة أخت الرجال التي تقال عند الرغبة في الإشادة بخصال امرأة وكأن اللغة العربية تخلو من التوصيفات التي تحتمل الاشادة بالمرأة خارج توصيفات الرجولة العتيقة، إذ تنفي مثل هذه المفردات عن النساء كل الفضائل، ( في يوم29-10-2010) اتفقت جل الفقرات الاخبارية بشكل منظّم على تمرير خبر رفض المحكمة الدستورية بالكويت الطعن الذي تقدم به بعض الرجال في ترشيح نائبتين لمجلس الأمة بدعوى إنهما غير محجبتين، مما يفضح ما يشبه الرغبة الخفية الكامنة لدى بعض الإعلام يين الرجال في إلغاء المرأة إما بتغيبها في البيت أو بتغييبها في حجابه)

المرأة في وسائل الإعلام، كيف ومتى؟
تسهم وسائل الإعلام قطعاً في تشكيل الوعي والمساهمة في التنشئة الاجتماعية، فهذه الوسائل تغزونا حيثما كنا في البيت في السيارة في الطريق في السوبر ماركت في جيوب البنطلونات في مقاهي النت، وهي وسائل ومؤسسات اعلامية ينتج موادها الإخبارية رجالٌ ونساء، ولكن وان لاحظنا تزايداً في عدد الإعلاميات في العقدين الأخيرين وخاصة من خلال تأنيث الشاشات فإن هذا لم يعن في المقابل تزايداً في الحضور الفاعل للنساء فما يزال الهرم الإعلام ي على حاله من ضآلة حضور النساء فيه كلما ارتفعنا نحو قمة التسيير أو مواقع القرار، ولم يسمح هذا الأمر بتجاوز الصورة النمطية للمرأة، وما تزال أسباب هذا الوضع تقريبا نفسها فالعقليات والتقاليد والأعباء الاجتماعية ومؤخراً الخصوصيات الثقافية هي نفس الأسباب منذ عقود لذلك يبدو الحديث عن تزايد الإعلاميات طريقاً مضلّلا لتتبع مدى تحسن صورة المرأة في وسائل الإعلام.

تمثّل صورة المرأة لدى الفواعل الإعلام يين (المنتجات والمنتجين للخطاب الإعلامي)
في غالب الاحيان يكون
صانع الحدث أو موضوع الخبر أو المخبر عنه هو رجلاً
ويكون مصدر الخبر - الوسيط، المُخبر  رجلاً
أما منتج الخبر  فقد يكون رجلاً وامرأة
ولكن لغة الخبر غالبا ما تكون مذكّرة

و المحصلة هي غياب حتمي لقضايا النوع الاجتماعي وقضايا المرأة، فالمرأة تحضر في المادة الإعلامية نعم ولكن بتمثل مخصوص لدى الناقل رجلاً كان أم امرأة اذ نجد ان الحديث عن النساء خلال التقارير الإخبارية غالباً ما يركّز على لفت انتباه المتابع بصرف النظر عن المادة المقدمة فنجد تركيزاً على حالات ولادة باكثر من توام مثلاً مما يدخلنا في باب الخارق ونجد حديثا عن المرأة العنيفة أو ذات القوة البدنية الاستثنائية فندخل في باب النادر.

ونجد حديثا عن الرياضيّة المتفوقة فندخل في باب الطريف.

ونجد حديثا عن المرأة المقترعة فندخل في باب الموسميّ.

وهي خانات تقصر حضور المرأة في دائرة الاستثناء لتكون القاعدة مملوكة بالكامل للرجل، ففي الرياضة يلتصق هو بإمكانية التفوق وتلتصق هي بإمكانية الفشل.

وفي السياسة هو فاعل أول – مترشح، وهي فاعلة ولكن من ورائه فقط( مقترعة) وهذا ممكن في السياقات العادية أو في ظل التقاليد الديمقراطية أما في حال الديمقراطيات العربية وسيادة الاحزاب الابدية فالمرأة تتحول في التمثل وفي الخطاب الإعلامي الموالي أو المرتزق إلى عديمة شرف ومارقة إن كانت شابة وإلى مشعوذة شمطاء إن كانت أكبر سناً، فمواثيق الشرف الصحفي لا تحضر غالبا في السياسة.

أما في المجتمع فالرجل هو الظاهر والمرأة هي المخفية أو الظل او ربما اللاّ شيء والعدم أحياناً.

وفي الاقتصاد هو الناجح وهي المتذبذبة التي تحتاجه خلفها لتنجح أو لتسلّط الضوء على نجاحها أو من ربما فقط من أجل مباركتها في معمودية عالم الأعمال.

ب- تمثّل صورة المرأة لدى المتلقي
المتلقي الذي يستهلك المنتج و يتأثر بما يقال سيشكّل الدائرة الموالية للفواعل الاجتماعيين من خلال إنتاج السلوك المجتمعي( المتأثر بوسائل الإعلام ) إذ قد يحصل استلاب لدى بعض الأفراد تجاه ما يقال في الإعلام بشكل يفقدهم بعدهم المنازع ولتستقر بهذا الصورة المنبعثة للمرأة من وسيلة الإعلام لغة وصورة، تستقر مسلمة ثابتة وتصبح الحقيقة المطلقة ولتكون أوسع تاثيراً في حالات الإعلام المسموع الذي يتيح مجالا أكبر للتخييل والتمثّل. وقد تستوعب المرأة نفسها الخطاب الإعلامي المقدم وتعيد إنتاجه لاحقاً بدرجات متفاوتة من الاستيعاب وتحوّل المرأة إلى بوق لأشكال خطاب تسحبها إلى الخلف وهنا مكمن الخطر إذالم نتفطن لما يقدّم لنا.

أشكال التهميش وتنميط الصورة
تتفاوت أشكال حضور المرأة وصورتها في وسائل الإعلام ليس بحسب وعي المنتج الإعلامي لقضاياها فقط إنما بحسب طبيعة المحمل الإعلام ي ذاته، فالصورة الثابتة في الإعلام المكتوب ( الصورة الفوتوغرافية) هي في الغالب منتقاة وليست ممثْلة، إذ لا نجد مثلاً حضوراً للمرأة السمينة أو العجوز أو المعوقة أو من فاتها عمر الزواج أو صورة للمرأة غير الجميلة او المتحجبة - وهذه خصوصية تونسية-.

أمّا الإخبار فنجدها في الغالب عن نشاطات الفنّانات والمبدعات أو المنحرفات أو الناجيات من المجازر والزلازل وأحيانا الناجحات. فلا وجود للمرأة أو للنساء بالمفهوم الواسع أو الواقعي، إذ يجنح تصويرها عادة إلى القوالب الجاهزة فتقدم المرأة في صورة اللاّمبالية بالشأن العام النقابي أو السياسي أو الثقافي أو الحزبي كما تظهر في تلك الصور التقليدية التي غزتنا ونحن بميداعاتنا الوردية نتلمس سبيل الحرف، صورة الأم وراء الموقد والأب في الحقل، وقد تحوّلت اليوم لصورة للمرأة في مطبخ عصري وللرجل وراء مكتب وحاسوب. أما المرأة المثقفة والمتعلمة فتصوّر عادة بصورة المرأة عديمة الإحساس والمتعجرفة وهذا أيضاً مكمن خطر إذ تتسرب هذه البورتريهات لغة وصورة إلى لاوعينا فنستهلك ونستبطن.

وفي الإعلام المرئي يلوح الوضع أكثر قتامة فالمرأة المنتجة للإعلام عندما تمنح الإمكانيات والوسائل تثبت كفاءة عالية وقد منحتنا متابعة حرب تموز2006 خاصة فرصة اكتشاف مراسلات حربيات في غاية الثبات والشجاعة والمهنية، ولكن حضور المرأة في الشاشات لا يعكس هذه الكفاءة بالشكل الموضوعي فكم من الكفاءات غيبت خلف الحجب ليقتصر حضور المرأة المنتجة للخبر أو المقدمة له على برامج تقليدية لتكون المرأة غالبا موضوع الخبر ومنتجة له في برامج متخصصة عالم المرأة، دنيا النساء، الموضة، الرائدات ... أما صورة المرأة في الدراما التلفزية أو السينمائية التي تقدم لنا على الشاشات في بيوتنا فهي صورة سلبية في الغالب بل سطحية تظهر المرأة خلالها إما زوجة أصليّة (أولى) مضطهدة ومستسلمة أو زوجة ثانية لعوب ومتهافتة، أو هي أحياناً زوجة ثائرة أو متمردة أوناشز وهي صفات تلصق آليا باللواتي يطالبن بحقوقهن ولنا في فيلم قضية خلع مثال. وفي حالات أخرى تحشر المرأة في دائرة الإغراء والخروج عن سواء السبيل لتكون لعوباً مستهترة لا تقيم وزنا لشيء ولا تراعي ضابطاً، فما رأيناه في الدراما في العقدين الأخيرين يعدّ كارثيا بأكثر من مقياس منذ الحاج متولّي وحتى طفرة ترف المسلسلات الخليجية أو موجة دبلجة المسلسلات التركية.

وكما تحضر المرأة في الدراما تحضر في الكليبات الغنائية بنفس التمثل المشوّه المتمترس خلف الجسد السلعة أو الجسد المادة الذي لا يرصد حقيقة المرأة وجوهرها ولا ينقل همومها الحقيقية في الكرامة الإنسانية الحقيقية وفي المشاركة السياسية أو القيادة أو التعبير أو التنمية.

أما في الإشهار فحضورها فيه يختلف حسب الجهة المستوعبة والمتقبلة للمادة الاشهارية وحسب الجهة المنتجة له، ففي نفس الإشهار الجديد الذي انتجته شركة الكوكا كولا يختلف حضور المرأة بين ما سيبث في القنوات الخليجية وبين ما ستبثه قنوات دول الشمال الإفريقي، فتظهر المرأة في اشهار هذا المنتج المعولم وهي بحجابها للصنف الأول من المتلقين - المستهلكين وتظهر دونه في البلدان الأخرى وهذه مراعاة تسويقية لا تعني إلا المصنّع ولا تغني الا المصنّع أيضاً.

لن يختلف اثنان أن وسائل الإعلام تسهم في تشكيل الأنساق القيمية كما تسهم في نحت ذهنية المتلقي، ولكن علاقة وسيلة الإعلام بالمرأة واهتمامها بقضايا النساء يختلف باختلاف تمويلها وخطها التحريري وخلفيتها الاديولوجية فحضور المرأة في قناة الناس ذات التوجه الديني لا يشترك مع حضور المرأة وصورتها في قناة الال بي سي، وتعاطي الإعلام الرسمي مع تعهدات مؤتمر بيكين ليس نفسه في كل من تونس وموريتانيا أو لبنان والسودان وتمثّل النساء في الإعلام التقدمي ليس نفسه في الإعلام التجاري وهو يختلف أيضاً بين الإعلام الحزبي والنقابي من جهة والإعلام التجاري من جهة أخرى...

فللمالك دور وللإستراتيجية الإعلام ية دور وما الاختلاف بين قناة الجزيرة القطرية وقناة  الجديد اللبنانية الا اختلاف رؤى وتمثلات، فلا وجود لاستراتيجيات موحّدة في المجال ولا وجود لقناعة حقيقية بأهمية طرح قضايا النساء بالشكل المطلوب ولا تجلٍ لثقافة النوع الاجتماعي لدى صانعي الإعلام.

ولكننا سنقول كما قال الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح
 سنظل نحفر في الجدار
إمّا فتحنا ثغرة للنور
أو متنا دون الجدار 


سلمى الجلاصي، (دور وسائل الإعلام في تهميش النساء)

عن "بوابة المرأة في البحرين"، (1/2011)

0
0
0
s2smodern