قضايا المرأة

هي وأطفالها الخمسة في باحة المنزل يسيرون يبحثون يتذمرون ما بالهم لما هم غاضبون هل الآن جاءتهم ذكرى الأب الحزين؟!
لا ليس الآن الوقت للتذكر!!!!!
إذن ربما تذكروا عصفورهم الصغير قد هجر العش والتجأ إلى حيث الدفء؟!
أبدا ليس الآن الوقت للتذكر!!!!!
إذن هو العيد ذلك الزائر الثقيل جاء يلوح بقدومه لمن أرهقهم الفقر؟!
أبدا ليس الآن الوقت للتذكر!!!!!
أنهم جياع ويبحثون في باحة الدار عن ما يسكت ضجيج بطونهم ولا يجدون.
في أواخر شهر تموز وفي ساعات الصباح الأولى نهضت باكرا على غير عادتي لفتح محل للألبسة النسائية يعود لأخي الذي اضطره ظرف معين للتغيب عن عمله اليومي ولان ذلك اليوم كان يوم إجازتي فقد استصعبت الأمر وشعرت بضيق كنت اعتقد إني سأقوم بعمل جبار وابذل جهدا استثنائيا..
جلست هناك أنظر للمارين وأتساءل مع نفسي من هذا؟!
وماذا يريد ذاك؟!
وماذا تفعل تلك هناك؟!

وفي لحظة تفصل بين الثانية والثانية التفت لأجد تلك المرأة التي غزا الشيب شعرها تستوقفني لتبادلني تحية الصباح.
بادرتها بتحية لصباح أجمل.. تأملتها فإذا بالسواد يلفها بأثواب لاهي بالية ولا مقبولة.. نظرت في عينيها قرأت فيهما شيئا من الحزن لكنه مخفي بتعبير أخر يدل على القوة وليس الضعف.

انتظرت لأعلم مقصدها.. فإذا بها تطلب الصدقة!
أجبتها: لك ما طلبت. ولكن هل لي أن أسألك بعض الأسئلة إن لم يزعجك الأمر؟!
أجابت بارتباك؛ تفضلي.

قلت: أرى انك امرأة لا يدل مظهرها على طلب الصدقة ما الذي دفعك لهذا العمل؟!
تغيرت ملامحها واختفى تعبير وجهها الذي يدل على كسب الاستعطاف وطلب الصدقة لتسيطر عليها مشاعر ملؤها الحزن والانكسار.
توقفت قليلا لتجيبني:
إنها الحاجة يا ابنتي هي ما دفعتني لأترك بيتي وأطفالي الخمسة واطرق أبوابا لا اعلم من بداخلها وأقدم لهم الشكر عن أي شيء يتصدقون به وربما يرفضون طلبي ولكنها الحاجة تدعوني للاستمرار وطرق مزيد من الأبواب كي أعود بابتسامة على وجهي لأطفال تركتهم جياع في ارض الدار.

- والأب.. أين هو؟ وما هو دوره؟!
أجابتني بحزن اكبر والدمع ملأ عينيها
بل هو ضحية للأحداث التي أثقلت كاهلنا جميعا وأفقدتنا أمورا لا تقدر بثمن أنا مثلا لم تكن خسارتي بفقدان زوجي فقط بل خسارتي الأكبر كانت بفقدان إنسانيتي واستقراري لأتحول إلى امرأة متسولة تعيش على فتات الآخرين وغير مقبولة اجتماعيا.

- الآن ألا يوجد لك راتب تقاعدي؟! دعم من شبكة الرعاية الاجتماعية؟!
أبدا.. لا مصدر رزق لنا وفي هذا الصباح اقسم لك بالله العظيم إني نهضت لأعد طعام الإفطار لأطفالي فلم أجد رغيف خبز واحد أو ثمنه لإطعامهم ماذا افعل هل أعود أيضا لطلب الصدقات من الجيران؟! أم انتظر قليلا عسى ولعلى يأتي احدهم وبيده رغيف خبز وربما لا يأتي!!! لم يكن أمامي ألا التوجه لأي مكان علني اجمع ما يكفيهم للأيام القليلة القادمة.

- على من تلقين باللوم لما أنت فيه الآن؟!
بالتأكيد الوضع الأمني السيئ في العراق هو ما أوصلنا إلى هذه النتيجة أنا مثلا لو لم افقد زوجي في ذلك اليوم لما لجأت الآن لجمع المال بهذه الطريقة ولكنت مع أسرتي وليس في الطرقات وأمام الشمس الحارقة.

وقد حدثتني تلك الأم عن المتاعب التي تواجهها عند القيام بعملها، وقالت:
ليس من السهولة على الأم أن تترك أطفالها وتلجأ إلى الشارع لالتقاط رزقها، إن هذا العمل متعب ومذل ولا يخلو من ألإهانة فهو يضايقني ويسلب مني كرامتي ويجعلني اطرق أبوابا لا اعلم من بداخلها وربما اسمع كلمات لن أتقبلها لو كنت بغير هذه الظروف ولكن الآن اسمعها واصمت واستمر بالسير إنها الحاجة ما ترغمني على سماع كل شيء والصمت.

- لو كان بإمكان احدهم مساعدتك ماذا تطلبين منه؟!
لا اطلب غير راتب تقاعدي يسد حاجتنا اليومية كي لا انهض يوما أخر ولا أجد ثمن رغيف خبز لأطفالي
كنت قبل هذا الحديث انظر لمن يمتهن التسول نظرة لا تخلو من الشك والحذر وعدم الاستلطاف أحيانا باعتبارهم أناس يعكسون ظاهرة غير حضارية في العراق الذي احتل مواقع متقدمة بين دول العالم في مجال التسول نتيجة للأعداد الهائلة من اليتامى والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة أما بعد سماعي لكلماتها شعرت بالرغبة لمساعدتها أكثر وأحسست بحجم المسؤولية التي تحملها تلك الأم ولا اخفي عنكم فقد قارنت بين كسلي صباحا وأنا اقطع عدة خطوات لأجلس على كرسي دوار وبين هذه الأم وهي تتحمل كل هذا الجهد لتأمين بعض المال لأطفالها..
فتحية لتلك الأم وهي تسعى لتوفير رغيف خبز لأطفالها في بلد يعوم على بحر من البترول.

فتاة بملعقة من ذهب
قابلت فتاة تجمع بين روح المرح والتفاؤل من جهة وعدم الاستقرار والرغبة في لفت الأنظار، من جهة أخرى تملك من الجمال والرقة والأنوثة والذكاء ما لا يخفى عن الأنظار، أما المال فهو أخر ما تسعى للحصول عليه فبإمكانها العيش لا أكثر من مائة عام دون أن تبذل جهدا، بعبارة أخرى لقد ولدت وفي فمها ملعقة من الذهب تملك سيارة بآلاف الدولارات والسكن والأثاث على أرقى الطراز وعندما تشعر بالضيق من تلك النعم جميعا ليس عليها إلا أن تحزم حقائبها وتسافر إلى أي بلد تختاره للسياحة والاستجمام وأخيرا نقول لمن تختاره هذه الفتاة ليكون شريك حياتها انه محظوظ فقد اختارته من بين طوابير العرسان والمعجبين..... فحدثتني نفسي لما منحت الطبيعة تلك الأم كل هذا القدر من الفاقة والعوز وأغدقت على تلك الفتاة بكل هذا السخاء ماذا لو كانا على نفس القدر من السعادة والشقاء!!! فتألمت الأزهار والأشجار والجبال إن لها قمم مختلفة فأيقنت إن للطبيعة حكمة في ذلك.


سناء طباني، (أم لا تملك ثمن رغيف خبز لأطفالها)

عن موقع "لا ليش"، (1/2011)

0
0
0
s2smodern