قضايا المرأة

ما أن يرفع احد ما رجلا كان أو امرأة صوته قليلا في الدفاع عن المرأة من اجل تحريرها من تبعية الرجل حتى يبادر بعضهم إلى الوقوف ضد هذا التوجه تارة لأسباب دينية وأخرى لأسباب اجتماعية محتواها ضرورة الحفاظ على العادات والتقاليد الشرقية ودون أن يحاول هؤلاء التعرف على أسباب مثل هذا الطرح بل إنهم يتجاهلون وجود قضية ومشكلة اجتماعية تخص المرأة وتبعيتها للرجل.

   وتحت ستار الدفاع عن المرأة يرجعون وضعها إلى الدين الذي اهتم بالمرأة وجعلها سيدة بيتها وحافظ عليها من هم العمل والكد وأمر الرجل بالصرف عليها وتامين كل ما يلزمها بما فيه وجوب دفع مهرها واعتبره دينا ممتازا برقبة الزوج حتى يسدده لزوجته.
 
إن هذه القضية العصية على الحل مرتبطة كما قلت في مقال سابق بتحرر المجتمع اقتصاديا ولكن لفهم هذه القضية لابد لنا أولا من أن نبقى مستمرين دون كلل ولا ملل بالتحدث عنها وتبيان آثارها الضارة على المرأة من جهة والمجتمع من جهة أخرى حتى يشعر الطرف الأخر المعادي لهذه القضية بوجودها الفعلي، وعلى الرغم من أن الدين الإسلامي قد حمى المرأة وصانها إلا أنه لم يحل مشكلتها الأساسية والتي بسببها تطالب بحقوقها وهي المساواة مع الرجل، ولم يأت ذلك لقصر فيه بل لقصر فتاوى فقهائه منذ القرن الهجري الثاني وحتى الآن، رافضين تعديلها بما يتلاءم مع التطورات الهائلة التي طرأت على البشرية منذ انتشار الدين الإسلامي وحتى القرن الخامس عشرة وكأن القاعدة الفقهية التي تقول (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)ليست من أهم القواعد الفقهية التي يتم الاستناد إليها عند الفتوى.

وكم يتبدى للناظرين إلى ما يحدث في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والأخطاء المستمرة والمتتالية في فتاوى الفقهاء على مختلف مذاهبهم باتهام كل من يشير إليها ويبين عجزها وفسادها لتعديلها على انه معاد للدين أو مرتد عنه مما يؤدي إلى تكفيره وهو لا يروم الكفر من ذلك إطلاقا.إن اعتبار المرأة بأنها ناقصة عقل ودين وضرورة قبولها بقوامة الرجال عليها وقد دخلنا في القرن الواحد والعشرين أمر من المؤكد أنه سيبقي مجتمعاتنا متخلفة وستزداد الهوة اتساعا بين تخلفنا وتقدم الآخرين علينا للدرجة التي سنقف يوما ما عاجزين عن هدمها، وإلا فماذا يفيد المجتمع العربي الإسلامي بدعوة المرأة إلى الالتزام في بيتها ومنعها من العمل وماذا يفيد أيضا منعها من تكميل دراستها أو منعها من قيادة السيارة بل ماذا يفيد منع الاختلاط بين الرجال والنساء وهل هناك دليل واثبات نصي يثبت ضرورة عدم الاختلاط بين الرجال والنساء، إن كل الوقائع والدلائل تشير إلى أن مساوئ عدم الاختلاط يساوي محاسن الاختلاط بل إن مساوئ عدم الاختلاط تتفوق على محاسن الاختلاط وما الدعاية التي تثار الآن من اجل إباحة ما يسمى بزواج المثليين إلا نتيجة لهذه الفتاوى البائسة فإذا كان زواج المثليين في أوربا ترفا فإنه في مجتمعاتنا العربية نتيجة حتمية لدعوات عدم الاختلاط، وان تخوف النساء غير المحجبات في بلادنا العاملات والموظفات والطبيبات والمحاميات والمعلمات وغيرهن إلا تخوفا جديا له ما يبرره نتيجة عمليات التكفير المنظمة والتي يقوم بها بعض رجال الدين المتعصبين الذين تجمدت عقولهم عند مستوى القرن الثاني للهجرة بتكفيرهن وتكفير كل من يدافع عن حقوقهن المغتصبة.

 وهنا لابد من تبيان ماذا يعني رفع شعار تحرر المرأة؟. وماذا تعني المساواة بين الرجل والمرأة وإزالة تبعيتها للرجل؟.
 حسنا أتذكر قول عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص حين قال له في الحادثة المشهورة بينه وبين الإعرابي في مصر (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) وكلمة أحرار هنا جاءت مجردة وليست مخصصة ذلك إن النساء والرجال هم الناس هنا وإذا كانت عملية الولادة تتساوى بين الذكر والأنثى فما الذي يجعل المولود قواما لأنه ذكر ولماذا تبدأ معاناة الأنثى لمجرد إنها ولدت أنثى إن المساواة بين المولودين تفقد مباشرة بعد الولادة لمجرد أن هذا المولود جاء ذكرا وتلك جاءت أنثى وهذا ليس إلا حكم جائر بسبب العادات والتقاليد البائسة والتي نحافظ عليها منذ الجاهلية حتى الآن.

 وللإجابة على ماذا نريد من رفع شعار تحرر المرأة أريد أن ابدي هذا التساؤل المشروع، من خلال العودة إلى التراث العربي الإسلامي الموروث الذي إن شابته العديد من الشوائب فإنه لا يخلو من الايجابيات الكثيرة وأسال: هل فاطمة الزهراء والخنساء وعائشة وذات النطاقين واميمة الغفارية وغيرهن من النساء العربيات المشهورات هل كن يقبلن بالعيش بالطريقة التي تطالب بها المرأة الآن وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن المقصود بتحرر المرأة أمران متلازمان الأول يخص المعرفة، بمعنى إتاحة المجال للمرأة بالتعلم واكتساب المعارف التي تؤهلها لان تناضل من اجل حقوقها بوعي وإدراك عاليين فبعض النساء ممن يناضلن يجهلن أحيانا ماذا يعني التحرر فيقعن في فخ استيراد العلاقات والعادات والأخلاق الغربية وتقليدها على أنها تمثل حلا لمشكلتها وهو ليس كذلك ومرفوض إن الحل كامن لدينا في عاداتنا وتقاليدنا فنبقي على ما هو صالح منها ونبدل ما اهترأ وأصبح عائقا أمام تطور مجتمعاتنا، أما الأمر الثاني فهو التمكين أي تمكين المرأة وفسح المجال لها ومساعدتها على تحقيق آمالها واستعادة حقوقها وهنا لابد من إجراء التعديلات الضرورية لكل القوانين التي تنظم حياة المجتمع ككل والمرأة بشكل خاص وأعني بها قانون العقوبات وخصوصا ما يخص جريمة الشرف والإيذاء المقصود وقانون الأحوال الشخصية وقانون العمل وقانون الجنسية وغيرها من القوانين التي تخفف من وطأتها على كاهل المرأة وتفسح لها المجال من أجل تمكينها لتحقيق مطالبها المحقة، وأخيرا علينا أن لا ننسى إن تحرر المرأة مرتبط بالرجل أيضا فالمرأة لوحدها لن تستطيع بلوغ غاياتها المحقة والمنشودة بدون مساعدة الرجل لها لا لشيء بل لأنها الأم والأخت والعمة والخالة وابنة العم وابنة الخال والجارة في الحي والزميلة في المدرسة والجامعة وأماكن العمل إنها باختصار نصف المجتمع.


ستيركوه ميقري، (ماذا يعني تحرر المرأة؟!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern