قضايا المرأة

قال نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ومهندس الاقتصاد السوري "الجديد" الذي لا يعترف بالمرأة كمواطنة، بل كتابعة فقط لذكر ما، بدلالة جملة القرارات أقصت النساء عن ما تبقى من "الدعم" الحكومي لبعض المواد كالمازوت! قال أن "قضية السكان مكون أساسي من مكونات الخطة الخمسية الحادية عشرة القادمة".

ولا يبدو أنه تتوفر مراجع كافية في سورية لمعرفة ما الذي يعنيه مصطلح "قضية السكان"! فهو يبدو جديدا كليا، مثلما كانت التحول الاقتصادي على حساب الفقراء، والنساء والأطفال بوجه خاص، "جديدا كليا"!

ولكن من الواضح، وفق ما نقلت "سانا" عن ما قاله في ندوة عقدتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة، أن المقصود هو تحديدا "الزيادة السكانية" التي تعاني سورية من معدلاتها المرتفعة التي تأكل الأخضر واليابس. وأن جزءا من الهدف هو "تحديد النسل"، الجملة التي تتهرب منها الحكومة كما لو كانت شيطانا، فيما هي الكلمة الدقيقة لما يجب أن تعمل عليه الحكومة السورية ومؤسساتها مثل الهيئة السورية لشؤون الأسرة، والمؤسسات الملحقة بها مثل الاتحاد العام النسائي. فتحديد النسل هو هدف مشروع وصحيح، سواء أعجب ذلك بعض الأشخاص أم لم يعجبهم. لأن الاكتفاء بعدد معقول من الأطفال في العائلة (2-3)، هو قرار تتخذه الاسرة بكامل وعيها أنها تقوم بتحديد للعملية الطبيعية التي تعني إنجابا لا ينتهي. وهو قرار له من النتائج الإيجابية ما لا يعد ولا يحصى، فيما ليس له من النتائج السلبية أي وجه على الإطلاق.

من جهة أخرى، نقلت سانا عن الدردري أيضا في الخبر ذاته، أنه دعا إلى "إطلاق مشروعات تمكين المرأة ورفع مستواها في كل المجالات". وهو، لعمرنا، طلب حق لا يقصد به إلا الهواء الذي يقال به. فالحكومة السورية قد أكدت خلال الخطة الخمسية العاشرة أن كل ما يتعلق بالمرأة هو حبر على ورق إذا كان يهدف إلى تمكينها. وهو قرارات مستعجلة إذا كان يحط من قدرها وإمكانياتها. وليس هناك ما يبرر أي تفاؤل بخصوص الخطة الحادية عشرة.

وفي الوقت نفسه، يعرف الدردري (على الأقل بحكم افتتاحه واختتامه العديد من ورشات العمل المتعلقة بالجندر) أن أية مشروعات لن تؤدي إلى نتائج ملموسة تذكر في ظل الدعم القانوني والمؤسساتي المستمر من الحكومة السورية للعنف ضد المرأة. فما تزال هذه الحكومة تدعم القتلة باسم "الشرف"، مَن يرتكبون "جرائم الشرف" عبر الإبقاء على المادة 548 (ما صار اسمها المرسوم رقم 37 لعام 2009)، والمادة 192 من قانون العقوبات، اللتان تقولان للذكور الذين فقدوا رجولتهم: اقتلوا.. وسوف لن تعاقبوا إلى عقابا شكليا حفظا لماء وجه دولة تخلت عن حقها الحصري بالقصاص لتمنحه لكم!!
وما تزال تعتبر المرأة مشكوكا بوطنيتها لا يمكنها إثبات هذه الوطنية بأي حال من الأحوال، وتترجم ذلك بالإبقاء على قانون الجنسية الذي يعتبر الطفل سوريا تلقائيا إذا ولد من أب سوري مهما كانت جنسية امه وأيا كان مكان ولادته في العالم، فيما تعتبره أجنبيا إذا ولد من أم سورية ووالد غير سوري حتى لو ولد في سورية وأمضى فيها مائة عام، وقضى ودفن فيها!
وما يزال قانون الأحوال الشخصية يضطهد المرأة بفظاظة ووقاحة حين يعتبر المرأة وعاء إنجاب لأطفال الرجل. فهي ليست مواطنة سورية لها حقوق الموطنة كافة، وعليها واجباتها، بل هي كائن ما يتبع لرجل ما ويخضع كليا لسلطته. إلى حد أن هذا القانون لا يعترف بحق الطلاق للمرأة (إلا باستثناءات تذل المرأة وتحط من قدرها)! وهو يعتبرها محلا للزواج لا شريكة فيه.
بل إنه، إمعانا في الحط من مكانة المرأة، وفي مناقضة تامة لكلام الدردري وغيره، لا تمتلك المرأة السورية حقها الأساسي والطبيعي والإنساني والحضاري و.. بتزويج نفسها من رجل ما إلا بموافقة ذكر ما من العائلة يسمى "ولي الأمر"، حتى لو بلغت من العمر عتيا! ولا سلطة لها على أطفالها حتى لو ربتهم وحدها منذ لحظة ولادتهم حتى إتمامهم الثامنة عشرة يوما بيوم!

كما يعرف أن كل الكلام عن دعم المرأة يكاد يكون لا معنى له بينما الحكومة السورية لا تخجل من أن تعتبر فتات الدعم الحكومي لمادة المازوت، مثلا، مستحقا للنساء الملتزمات بتربية أطفال ذكر ما، مطلقات كن أو أرامل. فيما لا يحق لهن، كمواطنات، أن يحصلن على قطرة واحدة من هذا الدعم!

أما د. إنصاف الحمد، رئيسة الهيئة السورية لشؤون الأسرة، فقد أكدت أنها (أي الهيئة) "تتبع منهجية تشاركية مع كل الجهات المعنية وصولا إلى مشروع متكامل للسياسة السكانية في سورية وتحقيق المواءمة بين النمو السكاني والتنمية الإقتصادية"، وفق ما نقلت "سانا" أيضا.

وفي الواقع فإن عبارات مثل "منهجية تشاركية"، و"الجهات المعنية"، باتت عبارات شبه فارغة من المعنى. فما هي المنهجية التشاركية المقصودة وقد رأينا الهيئة تنحدر يوما إثر يوم، منذ سنوات، بعيدا عن أية تشاركية حقيقية حتى مع أجهزة الحكومة التي صارت، بشكل أو بآخر، سيدة القرار في الهيئة؟ وحولت الهيئة إلى نوع من صورة شكلانية للمفاخرة أمام "الخارج"، وجهة مكلفة بإعداد التقارير المزركشة عن حال المرأة والطفولة والأسرة والسكان في سورية؟
ومن هي هذه "الجهات المعنية"؟ لم لا يكون واضحا ذلك؟ فهل بدأت الهيئة فعلا بالتشارك الفعال مع الجمعيات (المرخصة طبعا، فلا مكان لغيرها!) الممتدة على مساحة سورية، لإدراج وإدماج مفاهيم أساسية في الأسرة التي يجب أن تكون في مخططاتها وبرامج عملها؟ مفاهيم أساسية مثل تحديد النسل، حق النساء بالتعليم والعمل بغض النظر عن رغبة الزوج وسلطته؟ حق النساء بالمشاركة الفعالة في جميع قرارات الأسرة؟ حق الأطفال (الذي، بالمناسبة، لا تحميه الدولة إلا على الورق) بالتعلم، وبحياة صحية صحيحة؟
حسب علمنا فإن ذلك لم يحدث، ولا يبدو أنه سيحدث. ويبدو أن "الجهات المعنية" هي نفسها الجهات التي أفشلت جميع مضامين الخطة الخمسية العاشرة المتعلقة بدعم المرأة، والتي تعمل ليل نهار على سلب المرأة السورية حتى فتات الحقوق التي سبق أن حصلت عليها في عقود مضت، عدا عن منع أي تطوير حقيقي في وضع حقوقها قانونيا ومؤسساتيا، ومجتمعيا طبعا.

ويبدو أن الهيئة السورية تنسى أنها، رغم كونها جهة حكومية، فإن مصير الاتحاد النسائي هو مصيرها إذا لم ترفع رأسها بوجه ذكورية الحكومة وعملها الدؤوب على تحطيم المرأة السورية وإعادتها قرونا إلى الوراء. ولن تجد الهيئة محلا لها في الواقع، ولا أثرا، ما لم تتخلى عن طأطأة راسها المستمرة منذ سنوات.. فللهيئة وظيفة محددة وواضحة هي، مهما تلطفت الأسماء، العمل على النهوض بالأسرة السورية. وهذا لا يمكن أن يحدث في ظل الحكومة الحالية الذكورية بوضوح.

الخطة الاقتصادية الحادية عشرة، أو أية خطط أخرى، لن تتجاوز أن تكون حبرا على ورق بدون شراكة حقيقية مع المجتمع المدني، تقوم أولا على الشفافية وتحديد المسؤوليات وتحمل نتائجها. وهذا لا يمكن أن يكون في ظل قانون الجمعيات الذي ما زال يتجول في دروج وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بانتظار إخراجه على أسوأ صورة ممكنة، أي بكلمات براقة ومضامين مناقضة تضمن السلطات المطلقة للوزارة ومن خلفها بالتحكم المطلق بالجمعيات، وإخضاعها كليا لسلطاتها وتصوراتها الخاصة. وهو الذي نراه اليوم ونرى نتائجه ضعفا مثيرا للخجل في واقع الجمعيات، لا تتحمل هذه الجمعيات إلى أقل من 25% من مسؤوليته.

والخطة الخمسية العاشرة، وأية خطة أخرى، لن تؤدي فعليا إلى تغيرات في واقع أزمة النمو السكاني، كما في واقع السلب المستمر لحقوق المواطنة من النساء السوريات، ما لم تتجاوز العقلية الذكورية، وتتبنى دون مواربة مفاهيم المواطنة الاساسية والحقيقية، والتي تعني أن كل من بلغ الثامنة عشرة من عمره، امرأة كانت أم رجلا، له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها. الأمر الذي يعني أولا إلغاء كافة القوانين التمييزية التي تجعل المرأة تابعة للرجل، وتسمح للحكومة أن تلعب على هذه التبعية لخدمة أغراضها الخاصة التي قد لا تكون جميعها معنية حقا بتطوير المجتمع السوري.


بسام القاضي،  ("قضية السكان".. مصطلح جديد من "سانا".. أم من "الدردري"؟)

مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern