قضايا المرأة

حين يدور الحديث عن حقوق المرأة وظلم المجتمع لها،تغفل النساء عن ذكر أحد الحقوق الذي أعتبره غاية في الأهمية،وهو صوت الأنثى في المنجز اللغوي والأدبي،فقد يسأل سائل عن المعنى المقصود من ذلك، وفي الحقيقة فإن المسألة معقدة وقديمة وتحتاج نضالا حقيقيا من المرأة لاستعادة حقها اللغوي، فقد تسبب وجود المرأة في المنزل لتربية الأطفال والقيام بالواجبات العائلية وعدم سعيها إلى تفعيل وجودها في المجتمع باحتكار الرجل للغة والأدب عبر سنوات طويلة، وخير دليل على ذلك أننا لا نجد امرأة واحدة ساهمت في صياغة المنجز اللغوي ولا المدرسة النحوية والصرفية ولاالفنون الكلامية والأدبية ويكاد الرجل يكون الوحيد الذي صاغ اللغة كما يشاء فجعل التذكير طاغيا والتأنيث مهمشا.
 
 يقول عبد الحميد الكاتب: (خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعنــاه بكرا)، وكأنه بهذا يعلن عن قسمة ثقافية يأخذ فيها الرجل أخطر ما في اللغة وهو اللفظ بما أنه التجسيد العملي للغة والأساس الذي ينبني عليه الوجود الكتابي والوجود الخطابي لها، فاللفظ فحل ((ذكر)) وللمرأة المعنى، لاسيما وأن المعنى خاضع وموجه بواسطة اللفظ، وليس للمعنى من وجود أو قيمة إلا تحت مظلة (اللفظ)، وهذا ابن جني يقول ( الأصل في اللغة التذكير ) مما حول اللغة إلى الفحولة وجعل ضميرها للرجل فكل ما هو غير مؤنث حقيقة فهو مذكر

وحتى ما هو جمع مؤنث سالم سحب من المملكة النسوية فهو كما قال عنه عباس حسن (يفضل كثير من النحاة الأقدمين تسميته الجمع بألف وتاء مزيدتين دون تسميته بجمع المؤنث السالم لأن مفرده قد يكون مذكرا.

وهكذا فإلغاء دور المرأة في اللغة بدأ بجعل الضمير اللغوي مذكرا ولذلك فإن المرأة حين تكتب تجد نفسها تلقائيا تستعمل هذا الضمير المذكر، فلقد جعل الرجل من اللفظ فحلا وجعل من المرأة معنى.. يعبر هو عنه كما يشاء.. فجاء الزمن مكتوبا ومسجلا بالقلم المذكر واللفظ الفحل.والمرأة اليوم تدخل إلى أرض معمورة بالرجل أو هي مستعمرة ذكورية. والمرأة لا تدخل الكتابة بوصفها سيدة النص إذ إن السيادة النصوصية محتكر ذكوري... تأتي المرأة بوصفها ناتجاً ثقافياً جرت برمجته وجرى احتلاله بالمصطلح المذكر والشرط المذكر. ولذا فإن المرأة تقرأ أو تكتب حسب شروط الرجل، فهي تتصرف مثل الرجل أو بالأحرى تسترجل. وكما نادت مي زيادة في خطابها إلى باحثة البادية حيث تقول: ( نحن في حاجة إلى نساء تتجلى فيهن عبقرية الرجل ).وبما أن القراءة ظلت عملاً من أعمال الرجال وحدهم وامتد ذلك قروناً طوالاً فإنها قد تلبست بالذكورة حتى صارت أي محاولة للدخول في هذه المهارة تجر معها شروط التذكير بالضرورة.وكأنما المرأة تفقد أنوثتها كلما توغلت في اللغة قراءة وكتابة، ولقد قال بعضهم لمي زيادة (إن العلم ضد الأنوثة والجمال ).وكالعادة تأتي الضحية لتقوي سلطة المستبد ونشاهد المرأة تندفع وراء مصطلح (إنساني) أو( أدب إنساني ) داعية إلى الأخذ به.

ومن ظلم الرجل للمرأة حين وضع أسس اللغة فيما كانت المرأة رهينة المحبسين "المنزل والصمت" أنه حرمها من خصوصية التأنيث في مواضع كثيرة وإن حاولت تأنيثها اعتبر ذلك من غير الفصيح وأعطاه دلالات مستهجنة،فإذا كان الرجل لا يزال عل قيد الحياة يقال عنه انه حي، أما إذا كانت المرأة لا تزال على قيد الحياة فيقال عنها أنها حية
ثانيا: إذا أصاب الرجل في قوله أو فعله فيقال عنه أنه.. مصيب، أما إذا أصابت المرأة في قولها أو فعلها فيقال عنها أنها مصيبة،ثالثا: إذا تولى الرجل منصب القضاء فيقال عنه أنه قاضي أما إذا تولت المرأة منصب القضاء فيقال عنها أنها قاضية،والقاضية هي المصيبة العظيمة التي تنزل بالمرء فتقضي عليه.. يا لطيف
رابعا: إذا أصبح الرجل عضوا في احد المجالس النيابية فيقال عنه أنه نائب،أما إذا أصبحت المرأة عضوا في أحد المجالس النيابية فيقال عنها أنها نائبة،وكما تعلمون فان النائبة هي أخت المصيبة
خامسا: إذا كان للرجل هواية يتسلى بها ولا يحترفها فيقال عنه أنه هاوي،أما إذا كانت للمرأة هواية تتسلى بها ولا تحترفها فيقال عنها أنها
هاوية.
إن الرجل لم يحسن التعبير عن المرأة لأن رصيده الثقافي الذكوري يجعله غير قادر على فهم المرأة بصورة جيدة.لقد منح الرجل المرأة حق الحكي والسرد ليتسلى ويستمتع بذلك.. وهكذا رأينا شهرزاد.. التي ظهرت في زمن ما قبل الكتابة ( كتابة المرأة ).. هي بطلة ( ألف ليلة وليلة )، حيث لم تكن تحكي وتتكلم، أي تؤلف فحسب، ولكنها كانت أيضاً تواجه الرجل، ومعه تواجه الموت من جهة، وتدافع عن قيمتها الأخلاقية والمعنوية من جهة أخرى.. جاءت شهرزاد.. لتقاوم الرجل بسلاح اللغة، فحولته إلى ( مستمع ) وهي ( مبدعة )، وأدخلته في لعبة المجاز وشبكته في نص مفتوح، تقوم الحبكة فيه على الانتشار والتداخل والتبدل والتنوع. وتاه الرجل في هذا السحر الجديد وهذه أوضح معركة بين المرأة والرجل وأبرز مثال على استخدام الأنثى للغة. نجحت المرأة فيها حيث عرفت كيف تستخدم اللغة، وكيف تجعلها
(مجازاً محبوكاً ومشفراً. وهذه الحبكة والتشفير أثمرت بنقل المرأة من المهزوم (الموؤد) إلى (الند).
 
لقد ظل الرجل يعتبر نفسه حارسا للغة حتى لاتقتحمها المرأة وحين تجرأت على الدخول كان لها بالمرصاد.فأنكر دخولها واعتبر أن في ذلك انتقاصا لجمالها وأنوثتها.. إماإن أصرت فهي إما عانس تبحث عن زوج أو يائسة من الحصول على رجل فهي تتسلى بالكتابة.وتجد المرأة الكاتبة صعوبة كبيرة في إثبات نفسها إن كانت كاتبة جادة.أما إن كانت تحاول فقط تسلية نفسها بالكتابة وكان لها من جمالها وشبابها مايشفع لها تهورها هذا فهي تقابل بالمديح الكاذب والتملق فقط لكونها امرأة وليس لماتنتجــه من أدب أو فكر.ومع بروز المرأة العصرية الكاتبة برز الحزن رفيقاً لها وعلامة على حياتها. ويقرر أحد الباحثين قائلاً: ( في مراجعة شاملة للأدب النسوي المعاصر منذ فجره حتى أوائل الحرب العالمية الثانية يتبدى طابع حزين منقبض يغمر أدب المرأة ويكاد يصبغه بصورة مظلمة قاتمة )وتقول الكاتبة الفرنسية لويز ميشال: ( ليس من ألم يضاهي ألم المرأة) ومن وسائل الضغط التي واجهتها المرأة الكاتبة اتهامها بأن رجالاً يكتبون لها و تزهيدها في الكتابة وتخويفها منها و إيصالها إلى حافة الجنون كما حدث لباحثة البادية ومي زيادة،و اتهامها بالتطفل على الكتابة، وأن العلم والثقافة ليسا للمرأة وأن كتابتها دلع،لقد كانت مي زيادة علامة على مرحلة ثقافية متميزة في علاقة الأنثى مع اللغة. فهي امرأة ترمز إلى جيل نسوي ظهر مع مطلع القرن العشرين متمثلاً بأعداد من النساء العربيات اللواتي أخذن بمحاولة الدخول إلى اللغة، وحاولن أن يتكلمن بلغة لم يكن موجودات فيها.فالصالون إذن هو بمثابة معادل لغوي،ولأن أولى وسائل الرجل هي عدم أخذ المرأة مأخذ الجد.. واعتبار ما تقوم به نوعا من التسلية أو المباهاة أو استعراض جمالها وصفاتها الأنثوية أمام أعين الرجـــال.. لذا فقد قوبلت مي زيادة من رواد صالونها الأدباء بالتهليل والترحيب ولكن لجمالها ولطفها لالثقافتها وكونها أديبة مميزة،إذاهل كتابة المرأة إفصاح عن أنوثتها أم هروب منها؟.. هل المرأة حين تمسك القلم وهو مذكر بفعل احتكار الرجل له.. هل ستكتب كأنثى كاملة الأنوثة.. أم ككاتبة كاملة التميز في إبداعها؟تحتاج اللغة إلى امرأة تناضل من أجل أنوثة النص وأنوثة قلم الكاتبة، لكي ترد اللغة إلى أصلها الأول وتسعى حقاً إلى تأنيث المؤنث. وهذا ما فعلته أحلام مستغانمي في روايتها ( ذاكرة الجسد) حيث تحضر المرأة بوصفها مؤلفة تبتكر الشخصية وتبتكر لغة البطل وتعبر عنه كما تريد وتأتي الحبكة الجوهرية فيما بين جملتين مركزتين في أول صفحة من الرواية وفي آخر صفحة وهما كالتالي ( الحب هو ما حدث بيننا.. والأدب هو كل ما لم يحدث ص 7 ) ( الحب هو ما حدث بيننا.. والأدب هو كل ما لم يحدث ص 403 ) في هذه المسافة المكانية والزمانية تمت إعادة صياغة الفحل وتحررت المرأة من كونها موضوعاً للغة لتكون الفاعلة والمؤلفة ومنتجة النصلقد عملت الكاتبة على تحويل الرجل إلى مادة كتابية.. وسلبته فحولته حينما جعلته رجلا ناقصا.. مبتور الذراع.. وبحاجة إلى المرأة المحبوبة.واللغة في الواقع هي بطلة النص الحقيقية.. فما كتبت هذه الرواية إلا من أجل تمجيد اللغة..
 
إن المرأة مطالبة بالخروج من المنزل ووضع الرجل أمام حقيقة قدرتها على مجاراته لا بل التفوق عليه في كثير من المجالات،فإن التقوقع في المنزل لقرون زاد من احتكار الرجل للغة وعلى المرأة أن تكتب بملء أنوثتها لا تجاهلا للرجل بل تحقيقا لذاتها،ويجب العمل على تأنيث كل مايتعلق بالمرأة وإعادة النظر في حق المرأة بلغة تنصفها وهذه مهمة مجامع اللغة العربية، أما بالنسبة لي فسأقول قاضية ونائبة في المجلس وطبيبة ولن أحرمها من حقها اللغوي الذي هو في الحقيقة انعكاس لموجوديتها ودورها في المجتمع ولتكن صرخة ضد العبارة المستبدة" التذكير أفصح


خالد جان سيز، (ذكورة اللغة.. وتهميش المملكة النسوية)

عن موقع "واتا"، (2007)

0
0
0
s2smodern