قضايا المرأة

منذ أوائل الثمانينات بلغ الفكر النسوي مستويات من النضج لم تعد تعنى بتحرر المرأة فحسب، وإنما فرضت نفسها على العلماء والفلاسفة والمفكرين،
ودفعتهم إلى إعادة النظر في الكثير من المسلمات الفكرية السابقة، إذ بات الفكر النسوي اليوم من أبرز تيارات الفكر الغربي الراهن والفلسفة المعاصرة.
 وفي سياق الحفر والبحث عن تأثير الرجل في إنتاجه الفكري والعلمي، بحثت المفكرات النسويات عميقاً في أثر الذات في التجربة، وتفاعل هذه الذات مع النتائج وتأثيرها فيها. وتجلى النضج الفكري في محاولة زعزعة استقرار النظام الثنائي، الكامن في ثنائية الذكر والأنثى من دون الوقوع في محاولة قلب الوضع، بحيث تصبح الأنثى متميزة عن الذكر، كما حاولت الحركة النسوية السابقة. بل كشفت الغطاء عن العَوَر الذي تعيشه البشرية، لا نتيجة تهميش المرأة فحسب، بل نتيجة تهميش الجانب الأنثوي من الرجل أيضاً، وسيادة ثقافة الحط من قدر الصفات الأنثوية وسيطرة الصورة النمطية للإنسانالرجل.
 وهنا نطرح سؤالاً هل هناك فعلاً أنثى وذكر مختلفان، أم هناك إنسان وحسب؟ والسؤال الأهم من ذلك، لماذا كان باستطاعة الرجل تهميش المرأة؟ ولماذا لا نعتبر أن السائد هو نتيجة منطقية لهذه الاختلافات، وهو سائد بحكم المنطق والوجوب، كما تفترض الكثير من المعتقدات والأفكار السائدة؟
 إن أول الفروق الجنسية الواضحة هي الفروق في القوة العضلية، وأفترض أن الأزمان الطويلة ما قبل المدنية، والتي تقدر بملايين السنين، التي مرت على البشرية، والتي تحتاج السيادة فيها إلى القوة العضلية، هي الأسباب الرئيسة التي أدت إلى سيادة الذكور وأكسبتهم القدرة على تهميش الإناث وإبعادهن عن مراكز القرار. وتعاقب الأجيال المتتالية التي تربت على وجود جنس سائد أدى إلى تكريس قوالب نمطية شائعة لسمات أنثوية وذكورية ليست فطرية، وإنما هي نتاج للتكيف الثقافي في المجتمعات التي انتظمت بحيث تحدد الأدوار المنتظرة من الذكور والإناث، وتحدد، من ثم، القدرات والميول التي سيجري تطويرها لدى الأطفال من الجنسين المختلفين.
 وفي عصرنا الحاضر، تستطيع شريحة الكترونية صغيرة جداً التحكم بجيش كامل من العضلات المفتولة. في هذا العصر، الذي لا تنفع فيه العضلات في شيء سوى دهنها بالزيوت واستعراضها لامعة ومتلألئة أمام شاشات التلفزة، تغدو السيطرة الذكورية ناتئة وتحتاج إلى تلك المحاولات التي نلمسها جميعاً، لتأكيدها وضمان استمرارها، لأنها فقدت مشروعيتها منذ زمن بعيد.

سمات أنثوية وسمات ذكورية
 بعيداً عن الكتب الرائجة اليوم، والتي تؤكد الفوارق الشاسعة بين المرأة والرجل، إلى حد اعتبارهما ينتميان إلى كوكبين مختلفين، سألقي الضوء هنا على كتاب علمي رصين، يبحث في الفروق الجنسية. وهو كتاب جنوسة الدماغ للكاتبة ميليسا هاينز. فهي تقول إن أكبر الفروق الجنسية السيكولوجية بين البشر هي تلك التي تحدث في هوية الجنوسة المركزية، أي شعور الفرد بنفسه ذكراً أو أنثى، ويعرف هذا الشعور بهوية الجنوسة المركزية. وكذلك في الميول الجنسية، إذ لدى أغلب الناس هوية جنوسة مركزية متوافقة مع جنسهم الوراثي، وميول جنسية تجاه الجنس الآخر المخالف.
أما أغلب الفروق الجنسية الأخرى فإنها تصنف من الفروق الصغيرة والمتوسطة، فمثلا تعتبر الفروق الجنسية المتعلقة بالعنف الجسدي، من المستوى المتوسط، فقد اتضح أن الأولاد والرجال أكثر عدوانية من الفتيات والنساء. بما في ذلك الخيال العدواني، والإهانات اللفظية، والقدرة على تعريض الآخرين للأذى والألم. واقترح العلماء أن هذه الفروق الجنسية من المستوى المتوسط. وهناك قدر كبير من المعلومات حول الفروق الجنسية في القدرات الذهنية، فثمة فروق جنسية صغيرة لمصلحة الإناث في فئة التشفير والرموز الرقمية، وفروق جنسية أخرى لمصلحة الذكور في فئات المعلومات والتصميم باستخدام المكعبات والقدرات البصرية المكانية والتحليل البُعدي. فيما تظهر الإناث تفوقاً في وظائف اللغة والكلام المختلفة.
 تجادل هاينز بأنه قد تكون بعض السمات، مثل القدرات البصرية المكانية أو القدرات اللغوية أو انخفاض العدوانية، محبذه عن سواها. ولكن ليس من الواضح، ما إذا كان السلوك التقليدي للذكر أو نمط السلوك التقليدي للأنثى هو الأفضل. إضافة إلى أن النمط النموذجي للذكر أو النمط النموذجي للأنثى نادر الوجود إذ التباين ضمن الجنس الواحد كبير جداً، فهناك نساء قدراتهن البصرية المكانية عند أعلى المستويات، وهناك رجال قدراتهم اللغوية عند المستويات العالية نفسها. في الواقع، على الرغم من أن معظمنا يبدو بوضوح إما ذكراً وإما أنثى، فإن كلاًًً منا هو فسيفساء معقدة من السمات الذكرية والأنثوية.
 إن الأفراد من الرجال والنساء بمنزلة فسيفساء معقدة من الصفات المرتبطة بالجنس، عوضاً عن أن يكونوا نسخاً مكررة من الرجل (النموذجي) والمرأة النموذجية.
 تؤثر الهرمونات في التمايز الجنسي أكثر من المعلومات الوراثية المتناقلة عبر الخلايا، وهي التي تكمن وراء السمات الأنثوية أو الذكرية بصورة أساسية. لكن الأبحاث العلمية أكدت أنها تعتبر من المصادر البيئية، من خلال استجابتها الكبيرة للمتغيرات في البيئة. تناقش الكاتبة هاينز أنه لا يمكننا فصل العمليات البيولوجية عن العمليات الاجتماعية والثقافية، واعتبارها ساحات مستقلة بعضها عن بعضها الآخر، وبأن كل الاكتشافات العلمية والدراسات الاجتماعية تسير في الاتجاه التبادلي، التفاعلي، بين منظومة متكاملة من المؤثرات والعوامل المختلفة. أي إن لجميع سماتنا السيكولوجية والسلوكية أساس بيولوجي في دماغنا، بغض النظر عما إذا كانت الهرمونات أو عوامل أخرى، بما فيها العوامل الاجتماعية والثقافية والتربوية، هي التي تدفعنا إلى النمو بطريقة معينة. لذا فإن التمييز بين الأسباب البيولوجية والاجتماعية هو تمييز زائف.
هذه الاكتشافات العلمية الحديثة تشير إلى أن النتيجة الطبيعية لاضطهاد المرأة وتأكيد التسيد الجنساني الذي تنامى عبر التاريخ من قبل الذكر، أدى إلى تبجيل السمات الذكرية وتبخيس السمات الأنثوية. وأدى من ثم إلى أن كلاً من الجنسين اضطهَد جانباً منه ونما الجانب الآخر على حسابه.
المقصود هنا بالسمات الأنثوية الذكاء الداخلي، الحدس، الرعاية، المشاعر والأحاسيس والانفعالات، عدم الوضوح، الانحياز العاطفي، التكيف مع المكان والأشخاص، التواصل. أما السمات الذكرية فهي الذكاء الرياضي، الوضوح، القدرة على التجريد، عدم التكيف والغزو باتجاه الخارج، الموضوعية، العقل الخالص، العنف، التنافس، القتال، الانفصال.
إن التعامل مع الموضوع على أنه سمات معينة مقموعة يؤكد أن لا مكان للخضوع للحتمية البيولوجية الرهيبة، والتي كانت تخاف منها الناشطات النسويات السابقات، حين تطرفن في تأكيد التشابه التام بين الجنسين، كي لا تكون الفوارق الجنسية قدراً لا مفر منه ومصدراً للاضطهاد الأزلي، ومن ثم، الاضطهاد الأبدي. أي إن إعادة بناء قيم بديلة وتربية متوازنة بإعادة الاعتبار للسمات الأنثوية، يمكن أن يتراجع الاختلال الكبير الحالي ويؤدي إلى أن تسير البشرية مشية متوازنة بدلاً من حالة العرج المزمنة التي تعاني منها حالياً. باعتمادها على الساق الذكورية وضمور الساق الأنثوية.

لماذا الفكر النسوي الآن؟
 فقط في النصف الثاني من القرن العشرين أتيح التعليم والالتحاق بالمؤسسات التعليمية والعلمية لأعداد كبيرة من النساء. ومع التعليم الرسمي يتلقى الرجال والنساء الإجراءات نفسها واللغة نفسها، لذلك يمكنهم التواصل مع المعارف والمشاركة فيها. ومن ثم إجراء الحوار الكبير، الذي من الممكن أن يؤدي إلى حلول للكثير من مشكلات عالمنا الراهنة، وبدء الحوار يفترض مسائلة الفكر السائد، في كل مجتمع على حدة، والفكر السائد على الصعيد الكوني، وهو هنا الفكر الغربي تحديداً، والعمل المشترك لإعادة إنتاج متوازنة للثقافة والفكر والعلوم المختلفة.

 الفكرالنسوي و الإبستيميولوجيا
 وضعت فيلسوفات الحركة النسوية الابستيميولوجيا الموضوعانية (الأساسانية) تحت المسائلة وبحثن في تأثيرها العميق في الفلسفة الغربية. وسعين إلى صوغ نظرية تأنيث الإبستيميولوجيا.
 ابتدأ العصر الذهبي للإبستيميولوجيا الموضوعانية، التي وجدت بداية تكوينها في واقعية أفلاطون، مع ديكارت وفلسفته العقلية الخالصة. وامتد تاثيرها إلى الفلسفة الغربية، والفكر الغربي، حتى عصرنا الحاضر. وقد حمل الفكر التجريبي لواء هذه الإبستيميولوجيا التي بلغت نضجها على أيدي فلاسفة الوضعية في القرنين الأخيرين. واستفادت الفلسفة النسوية الجديدة من الضربات القوية التي تلقتها الابستيميولوجيا الموضوعانية من قبل فلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال فوكو ودريدا، ومن قبل أصحاب النظرية النقدية وعلى رأسهم هوركهايمر وهابرماس. ولكن فلاسفة الحركة النسوية دفعن بالجدل الدائر حول مسلمات هذه الإبستيميولوجيا إلى مستويات جديدة ووضعن هذه المسلمات أمام تحد لا تزال تواجهه حتى اللحظة الحاضرة.
 بحثت الفلسفة النسوية في أسئلة الإبستيميولوجيا الأساسية، أي في شروط المعرفة ومصادرها ومعاييرها ومناهجها، وموقف العارف وتأثير الذات العارفة في العملية المعرفية، وأضافت إليها بناء على ذلك تأثير الجنوسة أو دورها في عملية المعرفة. وجادلت في مواجهة الافتراض الأساسي للإبستيميولوجيا الموضوعانية القائل بأن هناك مملكة للوقائع موجودة باستقلال تام عنا. وأن الدور الذي نقوم به كذوات عارفة لا يتخطى محاولة القبض على هذا العالم ذاته، كما هو. إننا لا نسهم في تكوين موضوع المعرفة لا سببياً ولا نظرياً. إن الذات العارفة هي الذات الديكارتية التي تعمل في فراغ تام. إنها ذات ساكنة لا متحركة، منفعلة لا فاعلة، متقبلة لا معطية. واعتمدت الفلسفة النسوية في جدلها هذا على تحولات ما بعد الحداثة في النظر إلى الذات العارفة من حيث أن لها الدور المحوري في عملية المعرفة، وعملت، عن طريق المناهج التفكيكية على تفكيك الدور الحقيقي للذاتية في الفلسفة الغربية التقليدية. وأوضحت جوانا هودج أن الذاتية – الذكورية كامنة في فصل ديكارت للوعي العقلاني عن الجسد ليرتبط الأول بالذكر والثاني بالأنثى.
 أي إن الموضوعية الغربية كانت مزيفة إلى حد ما، لأن سيرورة إنتاج المعرفة تخضع للشروط الاجتماعية التي تشكل الوسيط بين الذات والموضوع، وبما أن الجنس مقولة اجتماعية، لا مجرد مقولة بيولوجية فقط، فان جنس الذات العارفة جزء لا يتجزأ من منظورها الاجتماعي، أي إن عملية إنتاج المعرفة عند الذكور لا يمكن فهم شروطها ومقتضياتها إلا من ضمن كونها ممارسات للذكور باعتبارهم يمثلون فئة اجتماعية لها منظورها الخاص.
 من هنا كان أحد المعالم البارزة للفلسفة النسوية ميلاد الإبستيميولوجيا النسوية الصريحة كما عبرت عنها الفيلسوفة النسوية لورين كود في مقالتها في مجلة ما وراء الفلسفة 1981، إذ أطلقت سؤالها هل جنس العارف مهم من الناحية الإبستيميولوجية؟ وكانت الإجابة التقليدية دائماً، هي النفي القاطع. وقد بذلت الفيلسوفة الاسترالية جنفييف للويد جهداً نظرياً عظيماً للاجابة عن هذا السؤال في كتابها الذكر والأنثى في الفلسفة الغربية-1984، إذ تتبعت مفهوم العقل، منذ أرسطو حتى يومنا، لتبين التغيرات التي لحقت بالمفهوم، فقد ظل محكوماً بالانحياز الذكوري. وأبانت جنفييف كيف قام العقل على أسس مناقضة لكل ما هو نسوي ولسائر التوجهات الأنثوية، وكيف عملت الفلسفة منذ عهدها الإغريقي على البحث عن مبدأ ميتافيزيقي يفصل الذكورة الإيجابية عن الأنوثة السلبية.
 قدمت هؤلاء الفيلسوفات النسويات تصوراً جديداً للعقل ينقد التصور الديكارتي، وقدمن عقلاً يلعب فيه الشعور دوراً أكبر. وبيَّن أن الشعور مصدر من مصادر الفهم، ونتيجة من نتائجه، وكيف انه منخرط في العملية المعرفية من ألفها إلى يائها.

الفكر النسوي والعلم
 منذ عام 1905، أي منذ ما سمي آنذاك بأزمة الفيزياء، تدخلت أدوات التجربة في نتائج التجربة، عندما ذهل العلماء باكتشافهم أنهم لا يستطيعون قياس سرعة الجسيم الصغير وكتلته في تجربة واحدة، وأنهم يحتاجون إلى شروط وأدوات تجربة محددة لقياس كتلة الجسيم، ثم يحتاجون إلى شروط أخرى وأدوات تجربة أخرى لقياس سرعته. كانت تلك الضربة الأولى التي تلقتها الفيزياء الميكانيكية الباردة التي تعتمد على الحتمية والوضوح وانفصال الذات والأدوات عن نتائج التجربة.
 كما كانت الضربة الأولى للاعتبار السائد من قبل كثير من الفلاسفة وعلماء النفس، بأن الوصول إلى الأنا المنفصلة هو قمة التطور الإنساني. هذا الانفصال الذي أدى إلى فصم الإنسانية الغربية عن الطبيعة، لكي تؤسس الهوية المنفصلة. لقد كان لهذا الانفصال مشروعيته في مرحلة ضرورية من مراحل الارتقاء، يحتاج فيها العقل إلى أن ينأى عن الجسد وعن المادة لكي ينظر إليهما من خارجهما للدراسة. ولكن هذا الانفصال يفقد مشروعيته حين يستمر إلى المدى ما بعد الضروري في سياق الارتقاء السيكولوجي للفرد والثقافة.
 انعكس الوعي الذكوري على العلم، فالعلم مؤسسة اجتماعية، أو طريقة لاكتساب المعرفة، تأثرت بحقيقة أن الغالبية العظمى من العقول المسؤولة عن تشييد عمارة العلم كانت من الذكور. وواصلت هذه المؤسسة دأبها على حجب الجانب الأنثوي منه. واستبعاد المرأة يعكس استبعادا للأنثوية وبخساً لقيمتها. مؤسسة العلم حكمتها الأحادية وحددتها بالقيم الذكورية.
 اعتمد العلم على الملاحظة والقياس والتفكير، مستخدماً مقاييس موضوعية، ورفض الشعور والحدس، يصنف هذان العنصران عادة على أنهما أنثويان. وفي الوقت الراهن ومع صور الموت المحتمل لكوكبنا نووياً أو بيئياً تكون مهمتنا الآن أن نستحضرهما في علاقة مع الوعي الإنساني، مهمتنا الآن هي الدخول مع العلم في علاقة جديدة مع عناصر جرى كبتها وتهميشها، أي مع العناصر الأنثوية التي يصبح إهمالهما غير علمي وفاقداً المشروعية. وذلك من خلال اعتماد المقاربات الأنثوية، مقاربات الاعتماد المتبادل والحميمية والرعاية والتفكير السياقي.
 إذا كانت الموضوعية الصارمة، من سمات البحث العلمي الذكوري، وإذا كانت النظريات العلمية الحديثة، كنظرية الكوانتم في الفيزياء، التي تعتمد على مبدأ اللايقين، ونظرية الشواش، في الرياضيات تطرحان عدداً من القيود النظرية والعملية للموضوعية، لمصلحة المختلف والمتعين فإن هذا كله يدعم المنظور الأنثوي. ونلاحظ أن ذلك كله من الصفات الأنثوية التي همشت واستبعدت زمناً طويلاً، واعتبرت منافية للحقائق العلمية الواضحة. جاء العلم ليقول إن هذه الصفات هي من صفات الطبيعة ذاتها وجاء الفكر النسوي والعالمات النسويات ليستفدن من آخر ما توصل له العلم لإعادة الاعتبار للجانب الأنثوي فينا.
 تخلص ليندا جين شيفرد في كتابها، انثوية العلم، إلى أننا نستطيع تغيير سمة الجفاف من العلم، والخروج من مشاكله، وتجنب اندلاع الشر فيه، بأن نتحمل المسؤولية عن الظلال المعتمة فينا، وتقول لا احسب أن فرض المزيد من الرواسب البيروقراطية سوف يحل مشكلات العلم. أرى الأمر كتحد أمام الأفراد جميعا لكي يفتحوا عقولهم على الممكنات المستحدثة، لكي يتفكروا بعمق، لكي يعيدوا فحص قيمنا، لكي نقترب من معرفة أنفسنا، لتطوير شعورنا وحدسنا حتى يكتمل تفكيرنا وإحساسنا، حتى تتكامل الأنثوية، لكي نغدو بشرا أقرب إلى الكل المتكامل. حينئذ يستطيع كل منا أن يغرس العلم في قلبه وفي حنايا جسده.

الفكر النسوي والأخلاق
 قام الفكر النسوي بإعادة النظر في فلسفة الأخلاق السائدة ونقد فلسفة الأخلاق الكانطية التي تعتمد على الذات المتجردة المتعالية. وبني التصور النسوي على فلسفة للأخلاق تقوم على تصور ترابطي للأشخاص، بدلاً من تصور الأفراد المستقلين والمكتفين ذاتيا، فالنظريات السائدة استوردت إلى النظرية الأخلاقية تصوراً عن الفرد طور أساساً لمصلحة النظرية الليبرالية السياسية والاقتصادية، إذ ينظر إلى الشخص على أنه فاعل عاقل بذاته، أو فرد يهتم بذاته. على عكس نظرية الأخلاق النسوية التي ترى أن الأشخاص مترابطون ويعتمدون بينياً بعضهم على بعض أخلاقيا وإبستيميولوجياً إذ يبتدئ كل شخص حياته طفلاً يعتمد على هؤلاء الذين يقدمون له العناية، ونبقى معتمدين بينياً على الآخرين بطرق أساسية تماماً طول حياتنا. والقول إنه باستطاعتنا أن نفكر ونفعل كأننا مستقلون يعتمد على شبكة من العلاقات الاجتماعية تجعل ممارسة هذا النوع من السلوك ممكناً. وعلاقاتنا هي جزء من الشيء الذي يشكل هويتنا. هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نصبح مستقلين ذاتياً، بل على العكس يقدم الفكر النسوي تصوراً نسوياً للحكم الذاتي الحر، يبنى على حساب التصور الليبرالي، لكنه يعتمد على رفض إعادة تأسيس العلاقات على أي شكل من أشكال الاضطهاد. وكما توضح فيرجينيا هيلد في كتابها، أخلاق العناية، أن بناء النظرية الأخلاقية كأننا ربنسون كروزو، أو كأننا نباتات فطر وفق صورة هوبز من لا مكان، فإن هذه المحاولة مضللة.
 استفادت فلسفة الأخلاق النسوية من أسلافها فلاسفة الحس الأخلاقي هاتشسون وشافتسبري وهيوم. هيوم يعطي الأحاسيس والانفعالات والعواطف أهمية أساسية في فلسفة الأخلاق بينما يرى كانط أن ميدان الأخلاق لا يمكن أن يكون ميداناً لتحليل العواطف البشرية.
 إن أهم إنجاز للفكر النسوي الحديث هو تأكيده أهمية تجربة النساء والاستفادة منها فلسفياً إلى جانب تجربة الرجال، وأن النظريات الأخلاقية السائدة تعتمد على تجربة الرجال في الحياة العامة والأسواق، أما خبرة النساء الاعتنائية تؤدي إلى اعتبار الحساسية المفعمة بالحب والعمل المعتمد على الاستجابة للحاجات وتلبيتها، أقرب إلى المفهوم الأخلاقي من القواعد المجردة والحسابات العقلية للمنافع التي تعتمد عليها النظريات الأخلاقية السائدة.
 على كل الأحوال ليس هناك نظرية أخلاقية نسوية واحدة وإنما عدد من البدائل، وعدد من الاتجاهات تشترك في شيء أساسي هو الوعد ومحاولة التخلص من الانحياز الجنسي في التنظير الأخلاقي وغيره.

بمثابة خاتمة
 لم أكن نسوية يوماً، وكان هاجسي سياسياً، ينطلق من إيماني بأن التغيير السياسي سوف يؤدي إلى تحرر المرأة والرجل معاً. ولكن في سياق النشاط السياسي أدركت أن لا شيء يأتي دفعة واحدة، وكانت المعاناة تشير إلى أن القوى السياسية، في غياب نشاط نسوي فاعل، سوف تعيد إنتاج السيطرة الذكورية، لأنها تمارسها مسبقاً في أحزابها. كما أن الفكر النسوي لامس عندي بعضاً من الميول الثورية لأنه فكر ثوري بامتياز يهدف إلى قلب أقوى هرم سلطة محصن، وهو هرم الجنس، يهدف إلى قلبه لا ليحل محله بل لتقويض كل أشكال التراتب الهرمي أساساً. لأنه بطبيعته ضد كل هرمية وضد كل سلطة.
 ولكن الأهم من ذلك هو زيادة قناعتي، من خلال ملاحظاتي، بتأثير الذات الباحثة في النتائج في مجالات عديدة، وسوف أحاول أن أبحث فيها تباعاً، وسأذكر منها الآن مثلاً، رصدي لرأي النساء المتزوجات المتدينات من حولي في قضية تعدد الزوجات، إذ ترى هؤلاء النسوة دائما أسباباً موجبة لمنعه أو تحديده وتقييده بشدة على عكس الرجال الذين يدافعون عنه بلا تحفظ وبلا قيد أو شرط. وهكذا صرت مع وجود فقه ديني نسوي وعلم نسوي ورياضة نسوية وهندسة نسوية ... الخ ومع كل شأن نسوي بسلبه وإيجابه كي يوازن قليلا التاريخ الطويل من الإنتاج الفكري والفلسفي والعلمي والعملي من الذات المذكرة بكل إيجابياتها وسلبياتها. حان الوقت للبشرية أن تسير بتوازن قبل أن يفوت الأوان وتستمر بفركشتها إلى أن ترتطم بحائط الانقراض الذي بات يهددها جدياً.

المراجع
1- جنوسة الدماغ- ميليسا هاينز- عالم المعرفة
2- مقال عادل ضاهر في قضايا المراة العربية
3- أخلاق العناية- فيرجينيا هيلد- عالم المعرفة
4- مقال يمنى طريف الخولي-عالم الفكر
5- انثوية العلم- ليندا جين شيفرد- عالم المعرفة
6- اسس ميتافيزيقا الاخلاق- ايمانويل كانط


ناهد بدوية، (الفكر النسوي يسائل المنظومات الفكرية السائدة)

عن الأفق الاشتراكي، (30/1/2010)

0
0
0
s2smodern