قضايا المرأة

ابتعد المواطن عن التفكيه والسخرية المجانية الفارغة من الدلالة الإنسانية، وشغّل عقلانيته وتفكيره، ليس على طاقة الأحلام الرخيصة التي يملكها الأغنياء والفقراء معاً، فكل إنسان يحصل عليها بسهولة دون مشقة وتعب ووساطة، وما عليه إلا أن يجلس في شرفة المنزل في حي راق إذا كان ميسوراً، أو أمام مصطبة البيت في حي عشوائي، أو في المقهى مع نَفَس نرجيلة من التنباك الرخيص أو من التنباك المعسل غير المغشوش، وترتفع النرجيلة إلى أعلى خصره، أو مع فنجان قهوة سادة إذا كان سُكّره زائداً عن "الإيزو العالمي"، يفتح باب الأحلام على مصراعيه، فيدخل نسيم تثوير العبقرية، وبشفافية عالية الرصيد يكرّ على بكرة رؤاه فيما يراه مناسباً لجلسته، ويحلق في فضاء آخر خارج هذا العالم "الشرير"، ويقرأ في مذكرات أحلامه ما ينعشه، ويطلب ويتمنى ما يشتهي من كنوز الدنيا وأطايبها ولذائذها!

وليس ذلك هو العمل الذي يريد إنجازه فقط، بل تسترخي في أعماقه رسوبات من "طمي" الفيضان النهري الجارف، والبحث عن المرأة، باعتبارها بالنسبة إليه "قيمة زائدة" يجب أن تُشفّى وتُنقّى، فيستقطبها ويحوّلها إلى إعلان يدخل في تجارة العقارات والمساكن والأراضي وفي سوق العرض والطلب، باعتباره مناصراً ومشاركاً في "العولمة المتوحشة"، ومضاداً للعولمة الإنسانية المزدهرة. ويدخل الإعلان الكهربائي الملون الوامض في "القيم" تحت قانون الربح والخسارة، لم يك أحد يتجرأ بعد عتق العبيد، ومساواتهم نظرياً على الأقل ببقية البشر في الدول المالكة للأرض والإنسان.

يكرر التاريخ نفسه، وهذه مقولة صحيحة، وإن كان هذه التكرار وهذه الاستعادة تتم بصور أخرى "حداثوية" منمّقة بزخارف معاصرة، ويستعيد الصفحات السود تلبية لطموحاته، بحجة النهوض بالمجتمعات المتخلفة، وبناء الأسرة النموذجية، بحيث لا تعيش امرأة خارج البيت الزوجي، دون النظر إلى الجنسية للدخول في "سوق النخاسة الجديد".

جاء في الإعلان "آنسات ومطلقات وأرامل، مقابل العُزّاب والمطلقين والأرامل من المتزوجين الذين يرغبون بزوجة ثانية". ونشر هذا الإعلان في مصر بصحيفة متخصصة ببيع وشراء العقارات والسيارات. ويسري مفعول هذا الإعلان في "بلدان الموز والفقر والجفاف واليورانيوم والذهب".

إن نظرة عميقة في قراءة هذا الخبر، تذكرنا بالأحداث المأسوية في العصور الغابرة، يوم كانت المرأة أقل قيمة من الحجر، وحين كانت أساطيل "بريطانيا العظمى وما وراء البحار" تحمّل الأفارقة كصفقات لملاكين الأراضي والمزارعين ومربي  الخيول والمواشي، كما كانت تفعل في "الأقطان المصرية"، فتأخذها خاماً رخيصاً ثم تُصنّعه وتبيعه إلى مصر وغيرها بأسعار عالية! أما العبيد من النساء، فكنّ إماءً رخيصات للذكور الأوربيين، وقبلها العرب، كسلع مكونة من لحم وعظم ودم ووجوه ملساء، وعيون لا ترمش، وأيدٍ وأرجل مقيدة بالسلاسل.. وهذه الأحداث المؤلمة "المستعادة بطرائق حديثة"، تذكرنا أيضاً بالقادة العظام من أمثال "باتريس لولومبا، ومارتن لوثر كينغ، ونلسون مانديلا" وسواهم من المناضلين والمناضلات في القارات الخمس، الذين تعرضوا للسجون والعذاب والتضحية من أجل أغلى ثمن، من أجل الإنسان!

إن ما يطلق عليه "أزمة عنوسة" تشمل النساء والرجال، مصطلح صحيح في مضمونه، فالعنوسة حالة اجتماعية غير منفصلة عن الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في أي بلد من العالم!

وتساءل المواطن هل تتحول المرأة إلى سلعة رخيصة تباع وتشترى في أسواق الطفيليين والكوامبرادور؟ وأن الدعاية "المصونة" أن من تملك مسكناً بإمكانها أن تملك رجلاً؟ وأن لكل واحدة سعراً خاصاً؟ فسعر العانس غير سعر الأرملة والمطلقة، وسعر الشابة غير سعر من قطعت الثلاثين أو الأربعين من سني حياتها؟!

إن لُبّ المسألة المغطاة بقشور بصلية تحمل عنواناً كبيراً هو "انهيار القيم الإنسانية". وبدلاً من وضع الحلول العلمية كتحديد النسل وتثقيف الرجال والنساء، وإدخال "الثقافة الجنسية" في المناهج التعليمية، تتحول المرأة إلى بضاعة رخيصة، وكأي تجارة بين بائع وشارٍ. ولابد من العمل الجدّي المدروس على مستوى الفرد والمنظمة والدول، لتخليص المرأة من الأمية والجهل وفرض تعليمها وعدم التسرب من المدارس ومساواتها مع الرجل لتصبح إنساناً منتجاً فاعلاً.

نساء كثيرات غنين "خارج السرب" كي يحصلن على أوسمة رفيعة، ويعبّرن عن راديكاليتهن، ويمارسن بعنف لفظي حريتهن في رفع وتيرة الاحتجاج والنقد والغضب في بلدانهن.. كما جاء في العرض الذي قدمه الكاتب "عواد علي" في صحيفة لبنانية لكتاب "خارج السرب" للدكتور فهمي جدعان، ويذكر أن "البنغالية تسليمة نسرين، والصومالية أيان حرسي علي، والأوغندية الباكستانية الأصل إرشاد منجي، والتركية نجلاء كيليك"، يغنين "خارج السرب".. ألا يعلم الكاتب أن الغناء داخل السرب محرّم، وحتى العزف المنفرد محرّم في أحلام المرأة الواقعة تحت سقف الهيجان السلفي والأصولي الديني المتزمت، والفكر السياسي السلطوي العقيم في هذه البلدان التي لا ترى إلا شمس الذكورية مشرقة. أما النساء فهنّ في حساباتهم نجوم لا تضيء إلا الأسرّة! ويركز الكاتب على "جهاد النوع"، أي النضال من أجل المساواة التامة بين الجنسين. ويقول إن كلمة السر في مؤتمر برشلونة الإسبانية في تشرين الأول عام 2005 هي "ليس الإسلام هو الذي يضطهد المرأة، وإنما القراءة الذكورية له هي التي تفعل ذلك"!

ويؤكد المواطن الذي يحترم المرأة ويقدّر دورها ومساهمتها في بناء المجتمع الخالي من الظلم، ونضالاتها في سبيل الحرية والكرامة والمساواة والمواطنة، أنها ليست قيمة زائدة، بل هي كائن حي فاعل في المجتمع ومتفاعل معه.. ليست سلعة تعرض للبيع في إعلانات الشوارع والصحف وواجهات المحلات التجارية، بل هي ثروة للإنسانية وظل وارف لشجرة الحياة المثمرة!


باسم عبدو، (يوميات مواطن... في شؤون المرأة!)

تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"، (3/2010)

0
0
0
s2smodern