قضايا المرأة

كان غريبا أن يعتقد بعض السادة أن "الحوار المفتوح" بين شخص ما على منصة، وبين أشخاص في الصالة، يعني نقاشا شخصيا يقوم على الأخذ والرد، كما لو كانا شخصين جالسين على طاولة ويتناولا الشاي؟ فالحوار المفتوح يقوم، ببساطة، على أن لجميع الحاضرين أن يقدموا مداخلاتهم ضمن وقت محدد قصير، ولا يدخلون في نقاش مباشر وشخصي مع الضيف. هذا معروف حتى لطلاب المدارس.

حوار حول قضايا المرأة السوريةإلا أن انسحاب ثلاثة ضيوف من الندوة التي عقدتها الغرفة الفتية باللاذقية، والتي أدارها بنجاح ملفت الزميل إلفرد سعادة، بين ضيف الحوار بسام القاضي، مدير مرصد نساء سورية، وبين نحو 200 شخص في قاعة المؤتمرات بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري باللاذقية (17/5/2010)، كان تعبيرا بسيطا وواضحا عن مدى عدم تمكن البعض حتى من سماع الرأي الآخر!

فالحديث عن مناهضة العنف والتمييز، بما في ذلك الأساطير التي يحبها بعض اختصاصيو علم النفس والاجتماع والتي تتحدث عن "الحالة العاطفية الخاصة بالمرأة"! والهادفة فعليا إلى سجن المرأة في أوهام ذكورية حول "إمكانيات" النساء بصفتهن نساء، لم يعجب هؤلاء الضيوف الثلاثة. ورغم أنهم أخذوا أكثر من وقتهم بكثير في الحوار، وقدموا مداخلاتهم أكثر من مرة، إلا أنهم أرادوا أن يحولوا الحوار إلى نقاش شخصي. ولما لم يتمكنوا من ذلك بسبب الإدارة الذكية للندوة، فضلوا الانسحاب. وحقا فعلوا جيدا. فانسحابهم انعكس مباشرة على الندوة بشكل إيجابي. إذ اختفى فورا التوتر الذي تسببوا به عبر مقاطعاتهم التي لا تنتهي واحتجاجاتهم الغريبة على أنهم لم يأخذوا "الوقت نفسه" الذي للضيف!

الندوة كانت حامية النقاش. فرغم أنها تناولت محاور عامة في قضايا المرأة السورية، خاصة محاور عمل المرأة، التحرش، وما الذي يمكن للنساء فعله في مواجهة هذا التحرش، خاض الحاضرون في زوايا هامة فعلا في قضايا المرأة السورية. وتركزت المداخلات على الاهتمام الفعلي بما هو عليه وضع المرأة السورية وتقييمه وسبل الخروج من الزوايا السلبية.

وبينما أكد أغلب الحاضرين على أهمية عمل المرأة، بما في ذلك أهمية اعتبار العمل الذي تقوم به المرأة داخل المنزل، عبرت الكثير من النساء الحاضرات بصراحة ووضوح عن أزمة التحرش بالنساء في سورية في كل مناحي الحياة. والابتزاز الجنسي الذي يتعرضن له سواء في الشارع، العمل، أو أماكن الدراسة. وأكدت العديد من النساء تعرضهن شخصيا لمثل هذا التحرش. ورغم محاولاتهن ردعه عن طريق الشكوى، إلى أن المفاجأة كانت أن الجهات التي يشكون إليها، بضمنها الشرطة، هي نفسها تستغل هذه المناسبات لكي تتحرش بالنساء ضحايا التحرش والابتزاز.

وفيما ذهبت إحدى السيدات من الاتحاد العام النسائي إلى تكرار ما يقال في الإعلام "الرسمي" عن وضع المرأة السورية المتقدم، أكدت تجارب النساء الحاضرات أنفسهن، أن تلك المحاولات لدفن الرأس في الرمال لم تعد تقنع أحدا. فواقع المرأة السورية هو واقع سيء يتضمن بعض النقاط المضيئة (مثل المساواة في الأجور في قطاع الدولة)، وليس واقعا مضيئا تتخلله بعض النقاط المظلمة.

الحوار المفتوح هذا برهن مرة أخرى على الأهمية المطلقة لفتح أبواب الحوار على مصراعيه بين جميع الناس في واقع المرأة السورية، وأهمية تخلي منظمات المجتمع المدني، خاصة العاملة في قضايا المرأة، عن قصورها العاجية وانشغالها المزري بندوة مكررة في السنة حول قضية ما، أو "تطوير مهاراتها" بورشات عمل خارجية لا تنتهي، والالتفات الجدي إلى العمل على الأرض في سورية. فهذه المنظمات لديها كل الإمكانيات لفعل ذلك. والمعوقات الموجودة أقل بكثير مما تقوم هذه المنظمات بتضخيمه من أجل تبرير تحويلها العمل المدني إلى تجارة وبرستيج. فقد مل الناس، ومللنا، من هؤلاء النساء والرجال الذين يتاجرون بقضايا المرأة السورية! ومللنا اسطواناتهم/ن المشروخة وكذبهم/ن الصريح حول ما يفعلونه! الواقع، والعمل في الواقع، هو الوحيد الذي له معنى في سورية. وما تبقى ليس إلا استغلالا آخر للنساء عبر استغلال قضيتهن. لا يغير من الأمر شيئا أن يكون المستغلون/ات ذوات "تاريخ نضالي"!



نساء سورية، (حوار حار حول قضايا المرأة السورية في اللاذقية)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern