قضايا المرأة

هل نريد أن نصبح أمهات؟ أم أنّ هذا مفروض علينا؟
في العشرينات قد لا يكون هناك من موضوع يشغل بال الشابات أكثر من الأمومة، بكل جمالها وشقائها، بكل مسؤولياتها وقيودها، بكل ما لها وما عليها، عند هذا العمر يكون الخيار ما زال بأيدهن للتمييز بين ما يردنه بحق وبين ما يتوهمن أنهن يردنه. والمسألة ليست بسيطة أبداً، فعبر عصور التاريخ كانت الأمومة السلاح الذي استعبد به الذكر الأنثى، لكن الأمور اختلفت الآن، وفهم الإرث الفكري الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن قد يساعد في تحسين خياراتنا كشباب وشابات يمكن أن نصبح قريباً آباء وأمهات، ويمكن أن لا نصبح؛ مختارين التفرغ لمهنة ما أو دراسة ما أو أسلوب حياة ما.
نظرت الأديان السماوية للأمومة كفريضة غريزية فطرية مقدسة، بينما رأت معظم الحركات النسوية المعاصرة أنها لا تتعدى كونها دوراً اجتماعياً فُرض على المرأة منذ أقدم العصور.

وجهة نظر الأديان
تبدأ قصة الأديان مع الأمومة كفريضة مقدسة من سفر التكوين حيث يأمر الله آدم وحواء: "كونوا مثمرين وتكاثروا، وعوضوا الأرض"، وتستمر القصة في المسيحية، لكنها تبلغ مع القديس أوغسطين حداً متطرفاً جداً، حيث يقول: "الجماع حتى مع الزوجة الشرعية، ليس حلالاً ويُعد شراً إذا ما مُنع حمل الأطفال"، أي أن المرأة مجرد آلة للإنجاب، وكائن نجس كله شر، وإنجابها المستمر –طالما هي قادرة على الإنجاب- وسيلة تجعلها أقل شراً ونجاسة.
ولم يخرج الإسلام عن هذه المنظومة، حيث يقول الرسول: "تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم"، ولم تنل المرأة نصيباً عظيماً من التقدير والإكرام في الإسلام إلا إذا كانت أماً، فالرسول أوصى ثلاث مرات بالأم قبل أن يذكر الأب: "أمّك ثم أمك ثم أمك.. ثم أبوك". وعندما سألته عائشة أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: "زوجها"، قالت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه".(1)
وبالاستناد إلى هذا الإرث الديني، ودون أي تجديد في الخطاب الديني على مدى عصور طويلة كُرست صورة نمطية تربط ما بين الأنثى والأمومة، فلا يعقل أن يكون الكائن الإنساني امرأة وأن لا يكون أماً، فهذا إما عصيان للإرادة الإلهية من قبل البشر أو غضب وعقاب إلهي عليهم.
وحتى اليوم ما تزال بالنسبة للمجتمعات غير المتقدمة معيارية الوجود الاجتماعي الإيجابي للمرأة هي الإنجاب، والمعيارية الأقوى هي إنجاب الذكور بالتحديد، ولا شرعية لوجود أنثوي ما لم يكن محمياً بطاقة الخصوبة. وفي هذا افتقار للمعاني الإنسانية أولاً ولقيم الحرية ثانياً. وهو في الكثير من وجوهه، يمثل عنفاً صارخاً على حياة الأنثى ووجودها، ويجعلها تلاقي العنف في حياتها كثيراً، نتيجة ذلك، كي لا تفقد معنى هذا الوجود.(2)

وجهة نظر كلاسيكيات الفكر النسوي
حين قامت الحركات النسوية كان من الطبيعي أن تكون ردة الفعل عنيفة على إرث نظام ديني بطريركي ذكوري لم يعتبر المرأة إنساناً بل مجرد وسيلة لإنجاب المزيد من الذكور، فسيمون دو بفوار رفضت الأمومة واعتبرتها "عبودية التناسل"، وفرجينيا وولف ثارت على الصورة النمطية للمرأة الزوجة غير الأنانية والنقية والجميلة والسامية وشبهتها بـ"ملاك البيت" الذي يجب أن تقتله كل امرأة لكي تنجح وتبدع، وبيتي رولن قالت إن الأمومة هي "الأسطورة محطمة الأرقام القياسية لأطول الضلالات عمراً في التاريخ".
واستندت هذه الحركات النسوية على أن العالم يعاني من مشاكل ناجمة عن التزايد السكاني، لذا فالمجتمعات لم تعد بحاجة للأمومة بمعناها البيولوجي القديم، وإنما هي بحاجة للأمومة التي يمنحها النساء والرجال الشاعرين/ات بهذه المشاعر للأطفال الموجودين فعلاً في هذا العالم.
إذاً قامت هذه الحركات ضد مفهوم أن الرغبة في الأمومة ونشاط الأمومة أمران غريزيان أو إجباران بيولوجيان، فرغم أن للنساء أجهزة بيولوجية لحمل الأطفال لكن إذا اخترن عدم استخدامها فذلك ليس إيقافاً لما هو غريزي، بل هو مثل اختيار الرجل لأن لا يصبح رافع أثقال بغض النظر عن امتلاكه للعضلات أو لا.
واستندت هذه الحركات إلى الدراسات التي أثبتت أن الطفل الإنساني يستجيب لمن يلعب دور الأم له مهما كان، حتى لو كان الأب نفسه، ومن هنا اعتبرن الأمومة وظيفة سواء بمرتب أو دون مرتب، واعتبرن افتراض أن النساء مهيئات بيولوجياً لحمل الأطفال وبالتالي فإنهن مهيئات نفسياً وعقلياً وعاطفياً لتنشئتهم أمراً خطيراً وغير معقول.(3)

وجهة نظر شابة
رغم احترامي لكل المعتقدات والآراء إلا أني أعتقد أنه حان أوان البدء بتشكيل فكر نسوي شبابي متوازن ينظر للأمومة كخيار حر بين شريكين اختارا الحياة المشتركة رغم كل العقوبات والصعوبات والخلافات التي قد تواجههما، اختارا الأمومة بحرية انطلاقاً من الإيمان بأن أسرة متوازنة مكونة من أفراد أحرار هي خلاصهم الوجودي من كل الزيف الذي يصبغ وجه هذا العالم، وبالنسبة لمن يشعر بالأمومة لكنه لا يرغب بها –كخيار يعني الإنجاب- فهناك خيار الأمومة البديلة عن طريق التبني أو نظام الكفالة الإسلامي أو التطوع لخدمة الأطفال قليلي الحظ وفاقدي الرعاية الأسرية، أما الذين لا يجدون في أنفسهم مشاعر الأمومة، فالأفضل لهم وللمجتمع وللأطفال بالدرجة الأولى أن لا يقدموا على هذا الخيار، وهذه الشريحة هي من تحتاج لمساعدة، فالنسب المخيفة لحوادث العنف الأسري سواء بمعناه النفسي أو الجسدي أو الجنسي تطلق رسالة تحذير هامة لجميع الشباب والشابات: لا تقدموا على خيار الأمومة إلا إذا كنتم تريدون ذلك، فلا الفرائض المقدسة ولا الوظائف الاجتماعية ستنفعكم عندما تتعرى الحقيقة وتجدون أنفسكم أمام طفل لم تختاروا قدومه لهذه الحياة!

الهوامش:
1- عن عروة عن عائشة، رواه الحاكم، عن الحنفي، موسوعة عائشة بنت أبي البكر، مطبعة مدبولي، القاهرة، 2003، ص1103.
2- حسن ابراهيم أحمد، المرأة في دوائر العنف، ط1، دار بترا ورابطة العقلانيين العرب، 2010، ص ص157-159 بتصرف.
3- لمزيد من المعلومات يمكن قراءة مقال بعنوان : "الأمومة ومن الذي يحتاجها" لبيتي رولان: كتاب "النوع "الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف" مقالات مختارة، تر:محمد قدري عمارة، ط1، المشروع القومي للترجمة، العدد:731، 2005،ص ص379-393.


كاتي الحايك، (الأمومة اختيار لا فطرة ولا إلزام)

عن "شباب الأوان"، (24/3/2010)

0
0
0
s2smodern