قضايا المرأة

العنف ضد المرأة.. واقع صامت.. واقع مرّ

اثارت صورة المذيعة السعودية مهشمة بسبعة عشر كسراً في وجهها موضوع العنف ضد النساء على الساحة مجدداً.. وهو موضوع حي في الواقع ميت في ذاكرة اولئك الذين يختارون تجاهله والبعد عنه وهي مشكلة عالميه تمثل تحدياً صعباً لدعاة الدفاع عن حقوق المرأة لجذورها الضاربة في العمق ولتداخلها مع مفاهييم مجتمعية خاصه ولا تستثنى البحرين من كل هذا فهي معاناة متجدده لشريحة لا يستهان بها ولكنها مدفونة خوفاً من الصدام غير المبرر مع الآخر خاصةً مع درع قانوني حقيقي .. شواهد مؤلمة لوضع صعب.

شيخه أو »شواخ« كما تدعى إمرأة في السابعة والعشرين تعرضت للضرب المبرح على يد زوجها على مدار ثمان سنوات دخلت خلالها قسم الطوارئ لأثنى عشرة مرة.. زوجها موصوف بالعصبيه ولكنها تقول عنه بأنه فتيل قابل للإشتعال في اي لحظة .. فأي طلب أو »حنّه« أو خروج من غير إذن قد يؤدى لموجة غضب طاحنة..

وعن سبب إستمرارها معه قالت : استمريت لخوفي من ان أكون مطلقة .. ففضلت ان أكون ضحية لشخص واحد على ان أكون مطلقة واصبح ضحية مجتمع بأكمله.. كانت أمي رحمها الله تقول لي كلما اشتكيت بأن حظي اعوج من صغري وطلاقك لن يزيد وضعي إلا سوءاً وانني سأكون سيئة السمعة ..

لاحقاً تطلقت شواخ بعدما لاحقها زوجها بسكين مطبخ كبيرة فركضت صارخة في الفريج ورآها الجيران تركض »بالدشداشة« في الشارع عندها فقط منعها من العودة للمنزل وطلقها وهي الآن مؤمنه انها سيئة السمعة بعدما قالت بعض جاراتها بأن زوجها فعل ما فعل تلك الليلة لأنه اكتشف خيانتها له!!

حالة شيخة نموذج لوضع آلاف النساء اللواتي يتعرضن للضرب بشكل مستمر حتى يصبح جزءا مسلماً به من حياتهن!! فقد قالت لي سيدة إلتقيت بها ذات مرة إبان عملي كمتطوعة في منظمة ال (A-A) :

نشأت وأنا أرى أمي تضرب أمامي وأمام أخواتي البنات وعندما تزوجت زوجي مدمن الكحول كان ضربه لي أمراً صعباً ولكنه مألوف فقد تعرضت للضرب في منزل والدى ايضاً على يده تارة وعلى يد والدتي ايضاً الضرب باليد ( مو مشكله) لكنه بات يضربني بحزامه او حذائه العسكري السميك !!

** نساء العالم يتعرضن للإعتداء

مشكلة العنف ضد النساء كما اسلفنا كارثة عالمية حيث اثبتت احصائيات منظمة العفو الدولية ان امرأة واحدة على الأقل من كل ثلاث تعرضت في حياتهن للضرب أو الإكراه على ممارسة الجنس وغير ذلك من انتهاكات وعادة ما يكون مرتكب هذه الإنتهاكات احد أفراد اسرتها..

كما وذكر »مجلس اوروبا« بأن العنف في محيط الأسرة هو السبب الرئيس للوفيات والإصابة بالعجز بالنسبة للنساء من سن ??? الى ???? عاماً (تتركز هذه النسبة في البلدان الفقيرة والمهمشة ) ولأنه لا يفهم من قبل النساء ان العنف ضد المرأة هو فقط الضرب

المبرح فلنقل ان العنف يشمل الضرب واغتصاب الزوجة رغماً عن إرادتها ( وهي جريمة تنظر في المحاكم ) ويدرج تحت القائمة ايضاً الحبس والإجبار والقسوة .. فهو بإختصار كل ما يفضي للأذى الجسدي أو النفسي .

** جذور ضاربة في العمق

في الايام الماضية شُغلت بتلقي اتصالات عدة جاء السواد الاعظم منها من نساء معنفات (تعرضن للعنف الزوجي) ونسب بسيطة منها هي لنساء تعرضن للتمييز والاضطهاد في العمل ومكالمة واحدة هزت وجداني لفتاة في الثالثة والعشرين تعرضت للاغتصاب من قبل صديقها وافلت مغتصبها من العقاب وحملت هي المسئولية عما جرى !!

ولن اتعرض بشكل مباشر هنا لتجاربهن وللتجارب العديدة التي اختزلتها ذاكرتي إلا شُذراً على ان افرد عمودا خاصا للحديث بالتفصيل عن مواضيعهن بعد ان انقل لكن صورة عما يكون وعما يجب ان يكون وعن حقوقكن كافة وكيفية التصرف في حالات مشابهة علّ علمكن بها يكون خطوة على طريق الحل.

** جذور العنف ضد المرأة

كثيرة هي المجتمعات التي تعتبر العنف ضد النساء أمراً طبيعياً.. وتتنامى نسبة النساء المتعرضات للعنف وسط الفئات الفقيرة والمهمشة الامر الذي لا يعني عدم تعرض نساء متعلمات من الطبقة المتوسطة للمستوى ذاته من المعاملة.

ولا يخفى على احد ما يمثله التعدي على المرأة كشكل من اشكال الهيمنة ضد المرأة الأمر الذي يتعزز كما اسلفنا ضد النساء غير المستقلات ماديا، كما ان هناك نصوصاً دينية فُسرت في المجتمع الذكوري بشكل خاطئ فشوهوا معناها وتحولت من أداة لإنصاف النساء لأداة لقمعهن.. ودعمت ثقافة مجتمعاتنا مبدأ التبعية وحضت النساء على التحمل بصمت وهو أمر فاقم الظاهرة وسار بها قدما..

وهو موقف تبنته الحكومات بالوقوف معه أو التغاضي عنه.. وللتدليل على ما نقول نسوق ما حدث في دورة اللجنة المعنية بوضع المرأة التابعة للأمم المتحدة عندما عرقل دول الوصول لتوصيات حين وقف ممثل ايران يؤيده مندوبو مصر والسودان ودول مشاركة اخرى في نهايه الدورة ليسجلوا اعتراض حكوماتهم على الفقرة (صفر) التي تنص على »ان على الدول ان تدين العنف ضد المرأة وألا تتذرع بأي عرف او تقليد او اعتبارات دينية لتتنصل من التزامها بالقضاء عليه« .. ولرفض هذه الدول دلالات عدة لا يَصعب عليكم استشفافها.

فدول عدة تقاوم وضع حد للعنف ضد المرأة مما يجعل نضالهن ضد هذه القضية شاقا.

وكثيراً ما تلحق وصمة عار بالنساء المجاهرات بالتعرض للعنف والمقاومات له حتى من أقرب الناس بسبب انتشار الاعتقاد بأن النساء يتحملن المسئولية عن العنف المرتكب ضدهن.

** العنف دون رادع

فحتى في البلدان التي تجرم فيها القوانين العنف ضد المرأة يوجد تسامح بل وتغاض عن هذا العنف رسميا وبين افراد المجتمع كذلك، ويبدو هذا التساهل جلياً في إحجام الدول عن تمويل برامج لتثقيف النساء خاصة وأفراد المجتمع كافة بأبعاد هذه القضية وتبعاتها ..

وفي عدم توفير ملاجئ آمنة لهؤلاء المعنفات دلالة تغاضٍ عن قضاياهن وتوفير مساكن أو ملاجئ كهذه هو مقدمة لأي برنامج حماية وتصدٍ للوضع .. وكلنا سمعنا عن نساء في البحرين قضين الليل في حديقة أو في السيارة أثر خروجهن من البيت هرباً من موجة غضب أو ردة فعل عليها ..

وعلينا هنا ان نشير لوجود مركز ضخم للنساء المعنفات تموله الحكومة في المغرب وهي خطوة على لبقية الدول العربية ان تحتذو حذوها لما للمرأة من تبعية مادية في عدد من الدول - كما نعلم - تحول بينها وبين الاستقلال هربا من العنف اذا ما أرادت ذلك.ولإحجام الدول عن توفير ملاجئ كهذه تفسير واحد.. انها تضاد التوجه الرامي لتشجيع النساء على الهرب من اوضاع كهذه وتتخوف من ان تكون بذلك قد منحت النساء معولاً لهدم حياتهن.

2004
جريدة الأيام البحرينية 

0
0
0
s2smodern