قضايا المرأة

جرائم الاغتصاب.. اختلفت الأسباب وتعددت النتائج

تختلف جرائم اغتصاب نساء وأطفال وانتهاك محارم، في لبنان عمّا يحدث في غير بلدان، وإن تباينت الوقائع والحيثيّات. فمن جرائم اغتصاب النساء سجلت هيئة محكمة الجنايات في جبل لبنان واقعة اعتداء متهمَين على خادمة بالعنف والتهديد بقرينة الكشف الحسي.

و"بعد التدقيق والمذاكرة أوقف المتهمان (ع.ر.) و(ع.ع.) وجاهيا وأحيلا أمام المحكمة المذكورة بموجب مضبطة الاتهام لمحاكمتهما لإقدامهما على إكراه الخادمة (ر.ب) على الجماع تحت تأثير العنف".

وفي الوقائع "تبين أن المتهمين كانا يعملان ويقيمان في نفس المحلة التي تقيم وتعمل فيها الخادمة (ر.ب.)، وقد أقدما على إكراهها على ترك حديقة مخدومها وإرغامها على الدخول إلى محل إقامتهما المجاور وقاما بالاعتداء عليها بواسطة العنف والإكراه".

وعند إبلاغ السلطات المختصة "تم استجواب الخادمة المذكورة والمتهمَين حيث تعرفت عليهما، وقد أنكرا إقدامهما على مجامعتها، موضحَين بأنّهما شاهداها تركض وهي تبكي فاعتقدا بأنّها تقوم بعمليّة سرقة لا سيّما، وأنّها رمت كيس نايلون فيه أشرطة كاسيت ومفاتيح منزل مخدومها، وقد بقيا على إفادتَيهما لدى استماعهما من قبل المفرزة القضائيّة.

وتبين لاحقًا لدى قاضي التحقيق أن إجراءات الفحص الحسي من قبل الطبيب الشرعي (ج.ص.) على الخادمة المعتدى عليها وعلى المتهمَين كشفت عن آثار اعتداء، وقد أثبت التقرير الطبي أن الخادمة تعرضت لعملية مجامعة عن طريق الإكراه العنف، وأن دعوى المتهمين بأنها كانت تقوم بعملية سرقة جاءت غير صحيحة بدليل الكشف الحسي على المعتدين والمعتدى عليها، وهذا ما يؤكد للمحكمة أن دعوى الضحية مضافة إلى فرار المتهمَين صحة الفعل الإجرامي، وتم الحكم على الشخصين بسبع سنوات مع الأشغال الشاقة وتجريدهم من حقوقهم المدنية.

الضحيّة امرأة تعاني مرضًا نفسيًّا وعقليًّا

وقد أدت إحدى جرائم الاغتصاب إلى إحداث صدمة كبيرة في المجتمع اللبناني كون الضحية تعاني مرضًا نفسيا وعقليًّا يقصرها عن الدفاع عن نفسها، وهي نزيلة مستشفى الأمراض العصبيّة، وفي التفاصيل تبيّن أنّ المتّهم (أ.ط.) قصد حديقة مستشفى للأمراض العقليّة، حيث يتنزّه المرضى وأخذ يحاور إحدى النزيلات وهي (هـ. ع.) المصابة بمرض عقلي ونفسي وأقنعها بمرافقته إلى خارج الحديقة فانصاعت لإرادته ورافقته إلى حرش قريب، وأجلسها المتّهم تحت شجرة ووعدها بالزواج وشرع بمداعبتها ونزع عنها ثيابها مستغلاًّ بذلك عدم إدراكها واعتدى عليها ثلاث مرات وفض بكارتها، ونقلها بعد ذلك إلى منزل جدته ثم إلى منزل شقيقتها. وقال المتهم في التحقيق إنه أقدم على فعلته برضا تلك الفتاة مدعيا أنها لم تكن عذراء.

غير أن الطبيب الشرعيّ (أ.ص.) عاين المجنيّ عليها بعد ثلاثة أيّام من الواقعة وأكّد في تقريره على أنّها فقدت عذريّتها حديثًا أي قبل أقل من أسبوع.

وصدر قرار المحكمة وجاهيًّا بالمدّعى عليه بالحبس مع الأشغال الشاقة المؤقتة به لمدة أربع سنوات ونصف السنة وبإلزامه دفع مبلغ عشرة ملايين ليرة لبنانيّة بدل عطل وضرر.

زنا المحارم والاعتداء على القصّر وتم أيضًا تسجيل العديد من حالات زنا المحارم نورد منها قصّة والد أقدم على الاعتداء على ابنتَيه القاصرتَين ومعاشرتهما معاشرة الأزواج. ففي الوقائع "حضرت إلى أحد مخافر قوى الأمن الداخليّ المدعية (د، م) وبصحبة ابنتيها".

وادعت (د.م.) أنّ زوجها المتهم (س.م.) مولود 1961، يتحرّش بابنتَيه التوأمتين القاصرتَين ويعاشرهما جنسيًّا، وقد أفادت الابنة (ر.د.) مواليد 1983 أنّ والدها بدأ بمعاشرتها منذ عدّة سنوات وعندما كانت تمنعه كان يهدّدها إن أفشت الأمر لأحد، وأنّها بدأت تفهم ما يحصل معها منذ ثلاث سنوات، وكان أحيانًا يربط رجلَيها ويدَيها بالسرير ويعاشرها معاشرة الأزواج.

أمّا الابنة الآخرى (د.م.) مواليد 1983 فقد أفادت أنّ والدها المتّهم بدأ بممارسة الأفعال الجنسيّة معها منذ حوالي ثلاث سنوات، وعلى فترات متقطّعة مستغلاًّ غياب زوجته عن المنزل، وكان يهدّدها بضربها إن حاولت ممانعته أو إفشاء ما يفعله معها.

واعترف الوالد المتهم بأنه بدأ بالاعتداء على ابنته (ر.د.) منذ كانت في السابعة من العمر، واستمرّ فعله حتى توقيفه، موضحًا أنّه كان يجبرها على ذلك بالرغم من الرفض والبكاء الذي يصدر عنها عند كلّ فعل ممارسة، كما أفاد أنّه بدأ ممارسة أفعاله مع ابنته الثانية (د.م.) منذ ثلاث سنوات فقط وبمعدّل مرّة أو مرّتَين في الأسبوع وأنّه كان يمارس معها شذوذًا أيضًا بالرغم من معارضتها ورفضها.

وقد أكّد الطبيب الشرعيّ (ج.ص.) في تقريره أنّ القاصرتَين مفضوضتا البكارة منذ زمن لا يمكن تحديده. وبتاريخ 20/4/2000 صدر عن المحكمة حكم وجاهيّ قضى بتجريم وإنزال عقوبة الأشغال الشاقّة به لمدّة خمس سنوات وإنزالها إلى ثلاث سنوات حبس مع الأشغال الشاقّة بعد منحه الأسباب المخفّفة نظرًا لاعتراف الأب الصريح وللندم الذي أبداه وأخذ وضعه الاجتماعيّ كمعيل واحد بعين الاعتبار.

أمّا من حالات الاعتداء على القصر فنذكر الواقعة التي أصدر بشأنها قاضي التحقيق العسكريّ (ر.م.) قرارًا اتّهم فيه المجنّد (م. المولود 1981) لإقدامه بتاريخ 9/9/2004 على ارتكاب فعل منافٍ للحشمة بفتى قاصر (ز. 6 سنوات) وأحاله إلى المحكمة العسكريّة الدائمة للمحاكمة.

وجاء في التقرير "أنّه في محلّة صحراء الشويفات وحوالى الساعة 19 وبينما كان القاصر البالغ 6 سنوات متواجدًا في الشارع أمام البناية التي يسكنها مع أهله بطلب من والدته التي أرسلته لإحضار غرض من أحد الجيران، عرض عليه المدعو (م.) ويعمل في محلّ لعائلته مخصّص لبيع الفراريج في الشارع نفسه، الدخول إلى محلّه لإعطائه الحلوى لكنّه رفض الأمر، ممّا حمل المدّعى عليه على إدخاله عنوة بجرّه بيده ومن ثمّ قام بالاعتداء عليه بعد أن كمّ فمه خوفًا من صراخ القاصر.

وتبيّن أنّه بعد أن انتهى من الاعتداء على الولد قام المدّعى عليه بتهديده بواسطة سكّين محذّرًا إيّاه من إخبار أهله بالأمر، ثمّ اشترى له كيس "تشبيس" واصطحبه إلى والدته التي أعلمها أنّ ابنها كان يتعرّض لضرب من قبل فتيات قاصرات من الحيّ، وأنّه قام شخصيًّا بمساعدته، وتبيّن بعد فترة قصيرة على ذلك أنّ الولد أعلم أمه بوجود ألم في مؤخّرته فكشفت عليه فورًا واكتشفت الأمر إذ لاحظت وجود آثار الدم على المؤخّرة والثياب الداخليّة بالإضافة إلى احمرار دائريّ.

وقد أفصح الولد حينها عن كلّ ما حصل معه بالتفصيل مع العلم أنّ الطبيب الشرعيّ عاد، وأكّد على حصول هذا الأمر بمعاينة الطفل وذلك مباشرة بعد تقديم والد القاصر شكوى بالموضوع أمام مخفر الشويفات فور عودته إلى المنزل.

وبما أن هذا الفعل يشكل الجناية المنصوص عنها والمعاقب عليها بمقتضى أحكام المادّة 509 عقوبات، لذلك تقرر اتّهام المدّعى عليه المجنّد (م.) بجناية المادّة المذكورة وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحقه وإيجاب محاكمته أمام المحكمة العسكرية الناظرة في قضايا الجنايات وتدريكه النفقات كاملة".

الاغتصاب فعل عنف وظلم ومهما كانت طبيعة الاعتداء الجنسي وأيا كانت ضحاياه يبقى أنّه فعل ترفضه الأديان وتقاضيه القوانين التي تلجأ إلى الأسباب التخفيفية في بعض الحالات وتجيز للمعتدي الإسعاف النفسي. وهنا يبدأ دور علم النفس في معالجة الجاني عبر التنقيب عن الأسباب النفسية الكامنة خلف سلوكه الجرمي، وفي إسعاف الضحية لسد الطريق أمام تولد صراعات قد تجعل منها جانيًا هي الأخرى.

في هذا السياق يقول الطبيب النفسي د. محمد البنا إن علم النفس يفسر الاغتصاب انطلاقًا مما يعنيه لغويا أي "أخذ الشيء قهرًا وظلمًا"، وعليه فالاغتصاب هو فعل عنف يتصف بانقضاض الأقوى على الأضعف، وهو إكراه الضعيف على الامتثال عنوة، ويفضي إلى قهر الضحية وظلمها جسديا ومعنويا ونفسيا، نظرًا للاضطرابات التي يولدها، والتي سنوردها في سياق هذا الملف. لذلك فالاعتداء فعل مرفوض أيا تكن أسبابه الكامنة اللاواعية، وهو جرم يعاقب عليه القانون، كما سبق ذكره.

المغتصب شخصيّة مرضيّة بامتياز

ويذهب علم النفس إلى اعتبار المعتدي شخصًا مريضًا يحتاج إلى العلاج كما العقاب، يقول د. البنا الذي يشرح شخصية المعتدي من خلال انتمائها إلى ثلاثة أنماط هي: السادي الذي يتلذذ بإيلام الآخرين لأنّه يعاني عدوانيّة مكبوتة لأسباب تربويّة ونفسيّة متجذّرة فيفجّر عدوانيّته في فعل الاعتداء؛ والمكبوت جنسيًّا الذي يفجّر كبته بالإكراه؛ والسارق الذي يمتهن النهب من دون التفريق بين السطو على الممتلكات أو على الأعراض. ففي النمطيَن الأولّين يستعمل المعتدي القوّة والعنف لإضعاف مقاومة الضحيّة والسيطرة عليها.

0
0
0
s2smodern