قضايا المرأة

منذ مدّة طالت، ونحن نشهد تهافتاً وانتشاراً لما يوصف بالمسلسلات ذات الطابع الشامي (باب الحارة, أهل الراية,... إلخ), حتى باتت كالمرض المستشري في جميع المحطات من mbc، إلى
 lbc، إلى المنار، والدنيا، وإلى ... ما لانهاية له من المحطات التلفزيونية (ذات الإعلام الهادف!).
ويصعب القول إلى متى سيبقى هذا المرض مستشرياً ليس فقط في المحطات, بل وفي العقول أيضاً. فهذه المسلسلات أكثر بكثير من مجرد ساعة بثٍّ مسلية, إنها تسعى (وبنجاح!) لتنشئ جيلاً كاملاً على شاكلتها، كما تشاء وتهوى, فتغرس وتكرِّس فيه من القيم كلَّ ما هو سلبي، ورخيص ومتخلف دونما أي رادع أو رقيب يسأل ويحاسب هذه القيم ليتضح صالحها من طالحها، وما هو عاقل قابل للحياة.
سأطرح، على سبيل المثال، أسئلة حول بعض ما شاهدته، وأترك الحكم لكم بصحة ما يزرع في عقول شبابنا أو بخطئه:
أول ما يلفت الانتباه في هذه المسلسلات هو خضوع المرأة المطلق للرجل, فهي لا تقدم على عمل دون استشارة (البيك)، بل هي لا تجرؤ على أن تخطو خطوة خارج عتبة منزلها دون الحصول على أمرٍ موقَّع من (جناب الوالي) سيِّدها وبعلها (= ربِّها), فهي ليست سوى أداة للطهي والتنظيف وترتيب المنزل و... إلى ما لانهاية له من الأعمال (التنفيذية!) لا أكثر ولا أقل, تسمع وتلبِّي: (أمرك ابن عمي). فالمرأة ناقصة عقل، ليس باستطاعتها أن تحكم على الأمور التي تعترضها، ولا أن تتولَّى إدارة ما هو شخصي في حياتها، ولا حتى إبداء رأيها في شؤون عيشها مع زوجها الذي هو الآمر الناهي. فأين الحياة المشتركة بين الزوجين في هذا؟ وأين الحوار الذي هو أهم عنصر من عناصر الحياة الزوجية؟ فيا لهذا الخنوع والإذلال، يا لهذه الطاعة العمياء، والإقرار بمحو الشخصية حتى الصفر، يا لذلك كله من قيمة عظيمة باتت محور اهتمام الدراما التلفزيونية السورية (بعد كل ما بلغته من تطور وأصابته من نجاح!)، يا لها من (قيمة) باتت تسكن عقول الشباب (رجال البيت)!
أما ثاني الأشياء التي تستدعي الوقوف عندها فهو حصر وظيفة المرأة بأعمالها المنزلية والثرثرة مع الجارات (سمعتي شو صار؟!), وتدبير المكائد والتصارع مع بقية (نسوان) الحارة لإثبات من هي الأدهى والأقوى والأمهر في حبك الدسائس (ما أعظمها وأنبلها من مهمة!). فكأننا نقول لفتاتنا اليوم: أنت مخلوقة للثرثرة، والسخافة, وأكل القشور! هذه هي مهمتك وحريتك: أن تقضي عمرك في وظيفة هامة بمنصب (ثرثارة). أما التعليم، وبناء مجتمع لا يكتمل إلا بك, وتثقيف الذات، وفتح العقل على آفاق المعرفة والحياة، على ما لا ينضج الإنسان إلا به, فهذا فائض عن حاجتك، وليس من مهامك (كثرثارة). فوا عجبي من أمٍّ ننتظر منها أن تربِّي جيلاً يبني مجتمعاً عصرياً، قادراً على مواجهة التحديات (وما أكثرها وأقساها!)، بينما نحن نعمل على شلِّ كل ما هو عاقل فيها، قابل للحياة والنمو، نعمل على جعلها من جديد (بعد أزيد من قرن من الانفتاح والتقدم...) بحاجة إلى تربية، وإعادة تأهيل، وتأسيس، كأننا ندور في حلقة شيطانية لا خروج منها إلا للعودة إليها من جديد!.
واللافت أيضا تصوير علاقة الأب ببناته خصوصاً (و بأبنائه عموماً) على أنها علاقة سيطرة وتحكم وكبت, إذ تقتصر واجبات الأب تُجاه بناته على الحفاظ على شرفهن الرفيع (مشان عريس الهنا). كأن الشرف يصان بالتجهيل والتعمية وسحق الشخصية والانصياع لعُقد ذكورة الشرقي (كما تقدمه لنا هذه المسلسلات). فالشرف عندهم ينحصر في الجانب البدائي، الجسدي، بمعناه البدوي العتيق المتفَّه، وليس العقل، والعلم، والأدب، وقوة الشخصية، والقدرة على صون الكرامة الشخصية... ممنوع النقاش مع الأب, ممنوع تبادل الآراء مع الأب, ممنوع ممنوع, وكأن الأب هو الفرعون الأعظم (ممنوع الاقتراب واللمس والتصوير)!. وبعد كل هذا الخناق والحصار والتشديد يواجهنا انعدام ثقة الأب ببناته, على الرغم من أنه هو المربي المانع لكل التصرفات التي (برأيه) من شأنها المساس بالشرف, ونجده لا يتردد ولا يتوانى عن قتل ابنته بمجرد سماعه لإشاعة عن قيام ابنته (بالعيبة) مع أحد (زعران) الحارة, دون أن يستمع لابنته أو حتى يسألها! (فلنتذكّر ازدياد جرائم الشرف عندنا كل يوم!). فأين ذهبت تربيتك لها يا (كبير الحارة)؟ ونعم المربي، العاقل، العادل، القدوة، الحكيم، المُطاع...
ونرى أيضاً في هذه المسلسلات إشراف (الحَماة) على جميع شؤون ابنها (المتزوج) هو وزوجته, في تغييب كامل لحق الزوجين بالخصوصية. فلا يحق للزوجة، مثلاً، المساس بأي شيء في البيت إلا بعد استشارة مديرة المنزل (حماتها), ولا يحق لها بالتأكيد أن تخفي أياً من أسرارها الزوجية عن (حماتها) ذات الحق المطلق والطبيعي بمعرفة كل شاردة وواردة! أما الزوج (الابن المطيع) فلا يُقدم على فعل أي شيء ضمن إطار العلاقات الزوجية دون استشارة (وزارة الداخلية) والدته, و(ياويل، وياسواد ليل) زوجته إذا قامت بما يمكن أن يُغضبها قولاً أو عملاً (لا يهم إن كانت الحَماة على صواب أو خطأ، فهي الخصم والحكم!). وإذا ما حصل هذا يسارع الزوج (هو ابن أوّلاً وأخيراً!) دون نقاش ودون أي احترام للرابطة الزوجية (التي توجب عليه الإصغاء لزوجته والاستماع لوجهة نظرها) إلى تأنيب زوجته وتوبيخها، وربما إلى ضربها وتهديدها بالطلاق. فما أروع وأنبل هذه الأفكار (القيم) التي تنقلها مسلسلاتنا الدرامية التلفزيونية إلى شبابنا (ليستنيروا بها!) في طريقة اختيار زوجة المستقبل (القطة المغمضة)، والتعامل معها في إطار الحياة الزوجية!
ومن المستحيل، إضافة إلى ما سبق، تجاهل الصورة التي تسعى هذه المسلسلات لترسيخها عن المرأة, وهي صورة (كوني جميلة لتكوني صالحة للزواج)!. فنحن نرى كيف تأتي والدة (عريس الهنا)، بعد أن تكون قد سمعت عن جمال فتاة ما (والمعايير هي في العادة: شعر طويل، وبشرة بيضاء، وجسد جميل، وعيون عسلية ...إلخ، وهذه مواصفات إذا لم تتمتعي بها فاعلمي بأنها (راحت عليكِ), تأتي الأم لتتفحصها وتتأكد من توفّرها، من صحة ما سمعت من كلام, فإن وجدتها (بعد الفحص والمعاينة) عدّتها جميلة الجميلات, رائعة الحسن والبهاء, واختارتها زوجة لابنها وهي على يقين بأنها ستسعده وترضيه! (لا تهم شخصيتها، ثقافتها، حضورها...)، كيف لا وقد توافرت فيها كل معايير الجمال المطلوبة! فهي أهم شروط نجاح العلاقة الزوجية. ومهمة زوجة المستقبل إرضاء (ابن عمها) بجمالها لا بأشياء أخرى (كعقلها) مثلاً (أعوذ بالله). (بهذه المناسبة أرسل تهنئة لكل الجميلات من هذا النمط، لأن (سوقهن ماشٍ بهالأيام).
وفي الختام أود التذكير بأن كل ما سبق كان على سبيل المثال لا الحصر, فلو أردت تعداد كل ما شاهدته من جرائم (أفضل ما يطلق على محتوى هذه المسلسلات) بحق مجتمعنا الذي يعاني أصلاً من جرائم تكفيه, لَما انتهى الحديث قبل أن يأتي فجر جديد (طال انتظاره) حاملاً معه الوعي والتفتح لعقول هذه الأمة.
سؤال أخير، أساسي، مؤرِّق، وكبير لا يزال يدور في البال: هل هذا النوع من المسلسلات الذي يصوِّر لنا الماضي بحلوه ومُرِّه، يذكِّرنا به لنعتبر وعيوننا ناظرة إلى الأمام، أم هو يضع هذا الماضي بسلبياته التي تجسدها المسلسلات خريطةً لمستقبل يريدونه لنا؟
أخشى أن تكون هذه المسلسلات باباً إلى الحارة (إلى الغيتو) فعلاً، وليست باباً إلى العالم، والحرية، والعصر، إلى الغد.


بتول نيّوف، ("باب الحارة": باب إلى الحرِّية، أم باب عودة إلى الظلام؟)

عن جريدة "النور"، (24/3/2010)

0
0
0
s2smodern