قضايا المرأة

غزتْنا هذه الثقافة الاستثنائية منذ وقتٍ ليس بالقريب حكماً.. انطلقت من داخل بيوتنا الصغيرة (المبنية عالخير ومطوية عالألفة) وعذراً فيروز.. حيث يكاد يكون في كل بيتٍ سارق.. ويتجذّر الفساد في أعمق العمق.. فلا يمكن أن تحدّه
حدود.. ولا عصا سحرية تغيّره.. أو غير سحرية.
منطلقاً من قصة امرأة تعمل في بيتها ليل نهار.. مثلَه تماماً.. رجُلها.. وفي لحظة ترى نفسها خارج ذلك البيت الذي بنتْه حجراً بحجرٍ.. وحضن شقاءها يوماً بيومٍ.. لمجرّد أن شريك العمر قد غرق في نزوة.. أجمل.. أصغر.. أكثر دلعاً..
ودون أن يكفل لها حقّاً فيما قدّمتْه، لأنها بحقوقها.. مسؤولية الوطن وقوانينه.. - أن تكفل لها ما يلزم -.. وليست مسؤولية ضمير الزوج. حيث كفانا مثالية ومطالبة بالملائكية الوهمية هذه..
وفي صورة أخرى.. رجل.. يصرف ماء العيون وعرق الجبين، على عائلة وأخوة.. يكونون أول من يتنكّر له، في أول فرصة للنكران والخذلان.. هو الذي استغلّ أول فرصة.. ليأخذ على عاتقه واجباته وواجبات والدَين جاحدَين.. أو ربما غير جاحدَين.
أما هناك على ضفّة من ضفاف الوطن.. نرى فتاة تدفع من قوت يومها.. ومستقبلها.. وعمر يمر بلا حساب.. إلى أن تزف ساعة تقاسم الغنائم.. تكون ضلع قاصر.. وتعتبر مستهلكة لا تقدّم شيئاً.. تكون مجرّد أنثى لا حق لها.. وحيث السائق ينهب الموظّف.. والموظّف ينهب المُراجع.. والأخ يتربى أن يقنص حقّ أخته في الميراث.. ويتعلّم ويتعوّد أن كل مال الأبوين له.. وأن الأخت ستكون من حصّة ذاك الغريب الطامع أبداً فيما هو ملْكٌ لحاملي اسم العائلة..
وطن يربّي أبناءه على السرقة منذ نعومة أظفارهم..
وطن يستثني نساءه من ميراثهن.. ومن حقوقهن وكراماتهن وحرياتهن..
وطن يدين بما تدين به الأوطان.. ولكن للسارقين..
وطن يدين لنا بدمائنا.. بعرقنا.. بقهرنا.. بظلمنا.. بشرفنا الذي نتمسّك به مهما حاصرنا غيلانه..
وطن يتعامل معك كما يتعامل المرابي..
وطن يستنفذ شرفك حتى آخر قطرة..
وطن يذبحك بقوانين عمرها مائة عام..
وطن متطفّل على الحضارة..
وطن نقدّم أرواحنا.. على مذبح سرقاته.. بكل بلاهة..
ونقول (انتماؤنا له.. يحل محلّ كل شيء..)
انتماؤنا للوطن..
أي وطن!! لم أعد أدري..
فليس لدينا أية فكرة عن الوطن الذي نعبد..
نرانا نتعلّق به كمفهوم مجرّد.. وغير واضح..، لا لشيء.. إلا لكي لا نموت حزناً من فقدان الحلم بذلك الانتماء لِ(أي شيء)..
فكيف نزرع الولاء والانتماء في نفوس أبنائه اليائسين حتى النّخاع؟
أجدها التربية.. الانطلاقة الأولى.. حيث علينا أن ننشئ طفلاً بنّاءً.. وغير اتكاليّ والظهور بمظهر القدوة أمامه.. قدوة غير كاذبة ولا متصنّعة..
وريثما يكبر هذا الطفل ويصبح جيلاً..، هل من فسحة لمخدّرٍ حدّثنا عنه ونوس يوماً.. في ظل هذا السواد الذي نغرق فيه !
هل من فسحة لتحكيم الضمير في العمل.. حتى يشملنا الوطن بعفوه.. بقوانينه الصالحة لعصرنا لا للعصور السالفة؟
فنؤمن بهذا الضمير السوري (المعتّر).. أن يحلّ محلّ أي فراغ نعانيه في قوانيننا.. حيث نرى الوطن.. يحلّ محلّ الانتماء للدين.. الانتماء للطائفة.. ونتحاور بكل مسؤولية.. وعلى اختلاف أجناسنا وفئاتنا..
 من هنا.. فإن الدولة هي.. من تنظّم الشعور تجاه الوطن.. بحيث تستغل حماس الشباب هذا وعواطفه المتأجّجة فتطوّره وتساهم في إذكائه.. بدل أن تذهب هذه الطاقات هدراً.. إنّك حينما تحب وطناً.. منظّماً.. نظيفاً.. قوياً.. تتوفر فيه كل عناصر استمرار هذا الحب.. ومن ثمّ الانتماء.. غير أن تتكلّم بمزاودة.. أو حتى بنقدٍ.. أو بانتقاد.. مضطراً لأن تردف كل كلمة بشيء يشبه (وطبعاً أنا أتكلّم من حرصي وحبي للوطن)
فما مهمة الدول ههنا.. إن لم تكن الدرع الحامي للأوطان.. إن لم تكن أسوارها العالية.. ! بعلاقاتها النفعية مع مواطنيها.. وما عليها أن تقدّمه من واجبات تجاه المواطنين، وبهذا تبقى فكرة الوطن مقدّسة قداسة السماء.. مثالية كما أحبّها الفلاسفة القدامى.. وكما ضحّى لأجلها الشهداء.. لا تحدّها المادّية أو الحسّيّة.. وما هو الإنسان بلا أهواء تتنازعه..
أهواء وُجدَت القوانين لا لإلغائها بل لتنظيمها.. وضبط شذوذها وُجدَت القوانين لتقوية مناعة الوطن.. في وجه الخلاف الذي يسبّبه الاختلاف.. ومن المعروف أن.. من هذا الاختلاف المنظّم.. والطبيعي.. تنشأ الشعوب الحيّة.. القادرة على الحياة في كل الظروف.. والخروج من كل الأزمات.. بهذا يبقى الوطن.. الأم التي تجمع.. ولأجل قداستها.. يصمت الجميع.. وبها ينتهي كل نقاش..
فتصمت مناجاتي الحزينة
وطني.. يا أيها الرب الذي خذلني.. وبقيتُ أعبده.


مرح ماشي، (ثقافة الفساد في تربيتنا..)

عن "شام برس"، (6/5/2010)

0
0
0
s2smodern