قضايا المرأة

وأخيراً وصلت الحكاية إلى بيت الجيران، وهاهي الشتائم تنزل على رأس فرنسا وكأنها ما تزال تحتل أرضنا، والسبب طبعاً أن ابنتهم المبرقعة لن تستطيع الالتحاق بزوجها الذي يقوم بالتحضير لشهادة الدكتوراه في تلك البلاد بعد أن صدر تشريع عندهم منعوا بموجبه غطاء وجه المرأة..

قبل أن تتفاعل قضية حجاب المرأة غطاء الوجه بالتحديد وتصبح قضية عالمية على هذا المقدار من الأهمية لا تخلو منها نشرة أخبار فضائية في مختلف دول العالم، كان البرقع بذهني لا يخرج عن مجال أغنية لمطرب صاحب صوت جميل أعتقد أنه من السويداء اسمه داوود رضوان اختفى في السنوات الأخيرة لسبب أجهله، تقول كلماتها: " جتنا تبركع.. لابسة التوب بركع.. الله عطاها عيونِ سودا وساع.." على الرغم من أن البركعة في الأغنية لا علاقة لها بغطاء الوجه الذي يطلق عليه البرقع أو الخمار أو النقاب ، بل بالثوب الذي تتداخل فيه الألوان الفاقعة وتتعدد.. أما بالنسبة للعيون السوداء الواسعة التي تكرّم البرقع وسمح لها بالظهور بينما أخفى الأشياء الأخرى من وجه المرأة وكأن الأشياء الأخرى: الأنف والفم والخدين أكثر أهمية من العينين اللتين تشكلان المدخل إلى جمال المرأة بشهادة ملايين الشعراء عبر التاريخ البشري..

قبل مدة ليست بعيدة حلفت للنساء العاملات معي يمين طلاق بالثلاثة إننا نحن الرجال لا نهتم بشعر رؤوسهن الذي بدأن يضيقن عليه الخناق في السنوات الأخيرة ولا يسمحن لشعرة منه بالظهور.. بل ما يثيرنا اللباس الضيق الذي بدأ ينتشر بينهن مؤخراً..

سألت جارنا لأهون عليه: ما هو الفرق بين الأثر الذي سيتركه ظهور امرأة بالمايوه والقميص الشّيال في أحد أزقة ضيعتنا كفرسجنة وظهور امرأة في أحد شوارع باريس متسربلة بالسواد تغطي كامل وجهها بالنقاب أو تضع عليه الخمار أو البرقع الذي يظهر العينين فقط؟

وضمن هذا السياق حكيت له: روى لنا مدير إحدى الجهات الحكومية قبل بضعة أيام في جلسة ضمت نحو ثلاثة عشر شخصاً من الجنسين من الذين على علاقة بالشأن الثقافي بأن لديه موظفة تضع البرقع على وجهها اكتشف بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات على مباشرتها الوظيفة أن ثمة واحدة من شقيقاتها تضع البرقع على وجهها هي الأخرى، كانت تداوم عن أختها الموظفة في أكثر أيام السنة دون أن يلحظ ذلك أحد من العاملين لدى هذه الجهة..

وحكيت له أيضاً: وقبل بضعة أشهر ذهبت في زيارة إلى الضيعة، وعندما نزلت من سيارة النقل العام على رأس الشارع الذي يؤدي إلى دار أهلي التقيت بمجموعة نسوة على وجوههن أغطية سوداء سميكة وتختبئ أيديهن ضمن كفوف قماشية سوداء سلّمن علي بكلام مثل: مرحبا خيي.. كيفك أبن عمي.. ولم أعرف أية واحدة منهن على الرغم من مرافقتهن لي وعدم توقفهن عن الحديث معي بالسؤال عن الصحة والأحوال إلى أن وصلنا دار أهلي بعد نحو مئة متر ودخلنا لأعرف واحدة منهن ذلك بعد أن نزعت الغطاء عن وجهها وكانت إحدى شقيقاتي أما الباقيات اللواتي أبقين الأغطية على وجوههن فكن من زوجات الأخوة وبنات الأعمام..

قبل بضع سنوات كانت بيوت أهل ضيعتنا دون أسوار وكان الناس عندما يشتد الحرّ في فصل الصيف ينامون على الأسطح مكشوفين لبعضهم بعضاً رجالاً ونساء؛ النساء اللائي لم يكنّ يعرفن شيئاً عن أي نوع من أنواع أغطية الوجه، وكان الرجال يسلمون على النساء في الأزقة وعلى البيادر والدروب حتى ولو كانوا لا يقربوهن أو يعرفوهن، والنساء أيضا كن يسلمن على الرجال، وكانت الضيعة تسير مثل الساعة السويسرية..أما بعد ظهور البرقع والخمار والنقاب، فقد تعطلت الساعة، وضاعت الطاسة..

وسألته أيضاً: إذا كان أهل ضيعتنا يرون أن من حقهم أن يغطوا أية أجنبية تظهر شبه عارية في أزقة الضيعة ويرغمونهما على ارتداء اللباس الذي يناسبهم حفاظاً على شكل حياتهم، فان من حق أهل باريس أن ينزعوا حجاب أية امرأة تظهر بشوارعهم حفاظاً أيضاً على شؤون حياتهم.. فالباريسية التي تعجبها الحياة في ضيعتنا أهلاً وسهلاً بها ولكن بلباس بنات ضيعتنا.. أما بنت ضيعتنا التي تعجبها الحياة في باريس فعليها أن تحذو حذو بنات باريس.. أو تبقى في الضيعة، فأهل ضيعتها أولا بها..

طبعا كلامي لم يعجب جارنا لأنه يعتقد أنه على صواب والبرلمان الفرنسي والأوربي معه على خطأ.. وأنا لم أصرح له بكل ما اعتقد.. ولو امتلكت الجرأة لقلت له: هذا الذي سيأخذ مبرقعة الى باريس لا يستحق شهادة دكتوراه، بل يستحق سحب كافة الشهادات التي حصل عليها في بلاده من الجامعية الى الابتدائية..


تاج الدين الموسى، (بين أزقة ضيعتنا وشوارع باريس)،
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تنشر بالتعاون مع جريدة "النور"، (6/2010)

0
0
0
s2smodern