قضايا المرأة

لم يكن ما أحزنني وحزّ في نفسي أن يعبر الأستاذ والصديق بسام القاضي عن رأيه في النقاب. فقدرته الخاصة على التعبير عن رأيه علنا هي محط احترام وإعجاب دائمين. لكن ما سبب ذلك هو تجاهله لبعض الحقائق التي يعرفها هو جيدا جدا بسبب عمله الطويل في مرصد نساء سورية الذي طالما اعتبرته -وماأزال- صوت كل النساء السوريات بغض النظر عن قناعاتهن الدينية وأشكال لباسهن.

النقاب: أين هو الإنسان... هنا؟وسأبدأ بالعتب. فأنت تعرف العديد من النساء السوريات المنقبات. وتعرف أنهن يلجأن دائما إلى هذا المرصد من أجل دعمه لهن. وأنهن تحدثن معه عن مشكلة قرار وزارة التربية قبل أن تنشر كلمة حول الموضوع. وأنت تعرف أيضا ما هو الواقع الذي تعيشه هؤلاء النساء. وما هو الجهد الجبار الذي يبذلنه مضاعفا عن غيرهن من النساء غير العاملات منقبات كن أو غير ذلك. فهن يخضعن لمستوى إضافي من العنف الذي تتحدثون عنه دائما لأنهن منقبات. بل هن يخضعن لمستويين إضافيين: واحد من الأزواج أو الآباء أو الأخوة الذين يهددوا ويتوعدون ويجبروننا على لبس النقاب. وواحد من الناس الذين غالبا ما ينظرون لنا شذرا في الشارع بسبب شكلنا الغريب عن عاداتنا وتقاليدنا.

وما دمت تعرف كل ذلك لماذا تجاهلته في مقالاتك المتكررة حول المنقبات؟

وما ردي الآن على ما قلته إلا لتوضيح بعض الجوانب التي أغفلت ذكرها. وكنت أتمنى لو أنك أشرت أنت إليها لكان ما قلته صائبا بلا ثغرة.

أغلب الناس انجروا وراء النقاشات الأوروبية حول النقاب، وردود الشيوخ عليها. ونسوا أن خلف هذا النقاب نساء قد تكون لهن وجهات نظر أخرى فيما لو أتيح لهن التعبير صراحة عن آرائهن. وهذا ما لا يحدث لأسباب لا تجهلونها. لعل أهمها أنهن نساء مجبرات -أو أغلبهن- على فعل ما يفعلنه. وأنتم من تقولون -بحق- دائما أن الثقافة الذكورية لا تميز بين امرأة وأخرى. فتخيلوا كيف ستكون هذه الثقافة الذكورية عند الأسر التي تجبر فيها النساء على ارتداء النقاب؟

هل تعتقدون حقا أن النساء اللواتي ينجبن الحياة، ويربين الأطفال، ويصنعن الأسر، ويعملن أيضا خارج البيت من أجل حياة أطفالهن الخ.. هل تعتقدون حقا أنهن يخفين شخصياتهن عن قناعة؟ هل تعتقدون حقا أن من تصنع كل ذلك هي امرأة متطرفة؟ فإذا كانت هكذا لماذا لا نرى الانتحاريات هن من يقمن بالأعمال الإرهابية باسم الدين؟ أليست حركتهن أسهل بألف مرة من حركة الرجال؟ وألسن قادرات على فعل ما لا يستطيع الرجال فعله في هذه الأمر؟ لكن الواقع يقول أن عقدين من الزمن الماضي لم يشهد نساء من هذا النوع في كل العالم إلا أقل مما تعده اليدان؟ 

هذا يؤكد بوضوح أن النساء أبعد الجنسين عن التطرف وأعمال العنف. وهذا يعني أن على من يهتم بمجتمعه أن يفكر مرتين قبل أن يتهمهن بالتطرف. بل عليه أن يتساءل ويسأل عما جعل النقاب يزداد في سورية. وعما إذا كانت النساء المنقبات راضيات فعلا -لا قولا- عن تنقيبهن.

لا شك أن بعض النساء تنقبن لقناعتهن أن ديننا الحنيف يأمرهن بذلك. لكنني واثقة من خلال تجربتي وتجربة عدد كبير من المنقبات أعرفهن أن من تنقبت بسبب من قناعتها الدينية قلة نادرة. لكن في الواقع "قناعة" من نوع آخر هي قناعة اجتماعية ناجمة عن المجتمع الذي تعيش هؤلاء النسوة فيه.

وحتى تتأكدوا من قولي هذا افعلوا ما فعلت تلك الأوروبية التي ارتدت النقاب ليوم كامل كي تتلمس ردود فعل الناس على نقابها. افعلن -أو افعلوا- ذلك لتتأكدوا مدى المعاناة التي تعانيها المرأة المنقبة داخل نقابها. معاناة جسدية حقيقية لأنها مضطرة دائما لارتداء المزيد من الثياب مهما كانت درجات الحرارة مثلا. ومعاناة نفسية مستمرة كل لحظة لأنها تعرف في كل لحظة، وترى ذلك في كل لحظة في عيون الآخرين، أنها في وضع غريب. ولذلك أجد نفسي موافقة -وإن على مضض- أن النقاب يشعر المرأة حقا أنها عارية لأنها تعرف أن وجهها غير مرئي للآخرين. أي أن وسيلة الإنسان الأساسية في التواصل البشري تم إلغاؤها.

ومن منكم ومنكن عاش في السعودية مثلا ووجد طريقا ليصل إلى قلوب السيدات الفاضلات هناك يعرف حجم المأساة التي تعيشها المرأة المنقبة في هذا العصر. ويعرف أن مهاجمة المنقبات يؤدي فقط إلى مزيد من العنف ضدهن. فلسن هن المسؤولات عن هذا الوضع. لكنهن ضحيات لتلك الثقافة الذكورية التي لم تستثني شيئا من مملكتها المغلقة: لا علمانية ولا دينية، لا إسلامية ولا مسيحية، لا مثقفة ولا جاهلة...

لكن من حق الأستاذ بسام أن يتساءل إن كان هذا الكلام ينفع. فالنقاب هو  تطرف بحد ذاته. وهو ينشر التطرف بمجرد وجوده. هذا صحيح أيضا. لكنه صحيح مثلما أن البيئة الملوثة تعني موت الحياة فيها. فهل نقضي على البيئة في هذا المثل؟ أم نبحث عن أسباب ومصادر التلوث ونعالجها؟ هل نرفض البيئة الملوثة؟ أم نحاول أن نغير ما فيها لكي تصير بيئة نظيفة؟

لا أشك أن هذا المرصد يختار دون تردد الحل الثاني. ولولا ثقتي هذه لما بادرت لكتابة هذه الكلمات التي تعبر عن ألمنا نحن المنقبات أكثر مما تعبر عن رغبتنا بالخوض في سجال لم يعد مفيدا.

أصل الآن إلى المسألة التي فتحت هذا النقاش في سورية. وأقصد قرار وزارة التربية بنقل المدرسات المنقبات من الوزارة إلى وزارات أخرى، خاصة إلى الإدارة المحلية. وإذا كان ما قاله السيد وزير التربية صحيحا من أن باقي الوزارات ستفعل المثل، فهذا يعني إخراجهن من العمل نهائيا.

يمكنني أن أتفهم رفض الكثير من الناس فهم ظروفنا الخاصة. ويمكنني أيضا أن أتفهم تقصير مرصد نساء سورية في فهمه للواقع الذي شرحته قبل قليل من حيث أن المنقبات هن ضحايا مستوى جديد من العنف. لكن كيف يمكنني تفهم تجاهل حكومة بالطول والعرض مثل الحكومة السورية -بكل أجهزتها المتمكنة- من معرفة الحقيقة؟ حقيقة أن مثل هذا القرار لا يقدم بل يؤخر. ولا يساعد النساء المنقبات أنفسهن على الخروج من تحت وطأة العنف الخاص الذي يمارس ضدهن إلى رحاب إنسانيتهن؟ أو "مواطنيتهن" كما يحب مرصد نساء سورية أن يقول؟
لماذا لم تفكر الحكومة السورية التي لديها وزارة للشؤون الاجتماعية لا تتوقف عن إجراء الدراسات والاستطلاعات و.. وهيئة لشؤون الأسرة بمستوى وزارة لا تتوقف أيضا عن القول أن عملها هو إجراء الدراسات وتقديم الاقتراحات... لماذا لم تفكر بأن تبحث في عمق هذه المشكلة؟ وأن تتعب نفسها وعقول من فيها قليلا لكي يصلوا إلى حلول مناسبة وجيده؟

قد يعتقد بعض من يقرأ هذه الكلمات أنني منقبة من مؤيدات النقاب. انا منقبة فعلا ولكنني من أشد معارضي النقاب. لكن لا أعتقد أن عاقلا سوف يدعوني لوضع حياتي موضع الخطر من أجل محاولة فاشلة لرفض النقاب!!

وأؤيد ما قاله مرصد نساء سورية من أن العمل مختلف عن الشارع. ورغم أنني ضد النقاب في كل مكان لكنني أؤيد بشدة أن لا يسمح بالنقاب في أي مكان عمل حتى إن لم يكن هذا المكان على تماس مع الناس. مثل العمل في المصانع مثلا.

لكن هذا أمر وأن يتخذ قرار قراقوشي (بالاذن من الأستاذ بسام لاستعارة مفردته المحبذة!) فجأة بإخراج النساء المنقبات من المدارس، وربما من العمل كله، دون سابق إنذار هو أمر آخر تماما.

فهل كان بإمكان وزارة التربية -بله الحكومة السورية- أن تجد طريقا آخر لصد هذا التطرف دون أن تمارس المزيد من العنف على هؤلاء النساء العاملات؟ أعتقد أن الإجابة واضحة: نعم.

ومن بين حلول كثيرة محتملة سأتعرض بالشرح لحل واحد كان سهلا جدا وممكنا ولم يكن ليثير كل هذه المشكلة. والأهم أنه كان سيوصل إلى نتائج ممتازة وعلى المدى الطويل أيضا.

الحل المقصود يتلخص بالإجراءات التالية:
1- أن تعلن الحكومة السورية أنها بصدد إلزام الموظفين في قطاعاتها جميعا بأنظمة لباس عامة أو موحدة. رغم نفورنا الشديد من الألبسة الموحدة. لكن الحكومة ما تزال مصرة على هذا الشكل للطالبات والطلاب في المدارس، وأيضا لفئات من العمال مثل سائقي التكسي.
2- أن تحدد موعدا نهائيا لالتزام الموظفين بهذا اللباس ولوضعه في اللوائح الداخلية لكل جهة معنية. وأن يكون الزمن بين الإعلان عن هذا القرار وبين تنفيذه كافيا ليفكر الناس بما يريدونه.
3- أن تلتزم الحكومة السورية فعلا بتطبيق هذا النظام الجديد على كل وظائفها. وتتبع الإجراءات المعتادة عند مخالفة أي موظف أو موظفة لهذه اللوائح. مثل أن تتلقى الموظفة التي تخالف القرار تنبيها ثم إنذارا ثم فصلا من العمل.

لماذا يختلف هذا الحل عن الحل الذي اتبعته وزارة التربية وربما الحكومة كلها؟
أول وأهم الاختلافات أن مثل هذا البرنامج كان سيثير نقاشات حامية داخل الأسرة حول النقاب وإن كان يجدر التضحية بالعمل من أجل النقاب داخل العمل أم لا. وأستطيع الجزم أن النسبة الساحقة من الأسر سوف تختار العمل. فنحن جميعا نعرف الحالة المعاشية للأسرة السورية. ونعرف أن قلة من الأسر التي تعمل فيها النساء يمكنها أن تستغني عن عملهن. فعملهن في الحقيقة هو جزء أساسي لا يتجزأ من دخل الأسرة.
وبينما يعتقد بعض المثقفين أننا نصرف نقودنا على ملابسنا الفاخرة أو مكياجاتنا تحت النقاب أو بدونه، يعرف مرصد نساء سورية مثلما تعرف الحكومة السورية أننا نصرف على احتياجاتنا الشخصية أقل بكثير مما يصرف الرجال على احتياجاتهم الشخصية. والقسط الأوفر من دخلنا يذهب لحياة الأسرة. وربما يجدر بمن هو مهتم أن يبحث أعمق ليعرف أن هناك اتجاهات واضحة في استثمار دخل النساء العاملات لتسديد قروض أسرية مثل قرض البيت أو قرض غسالة...
وهذا يوضح أن حاجة الأسر إلى دخل النساء العاملات هي حاجة ليس من السهل الاستغناء عنها. ولكان مثل هذا القرار أن يدعم النساء المنقبات قسرا على مواجهة هذا العنف بطريقة أقل إيلاما من الطرق التقليدية مثل رفضه.

وثاني الاختلافات أن جميع المهتمين يعرفون أن النقاب ينتشر أكثر ما ينتشر بين الأسر التي تضم في حناياها شخصا عاش خارج سورية في أماكن مثل السعودية فتأثر بما تأُثر به وجاء ليطبق ما تأثر به. وكذلك بين أتباع بعض الشيوخ السوريين الذين يسرهم أن يحملوا كل مآسي العالم اليوم على كاهل "فتنة النساء"! وبينما ذهبت السعودية والإمارات ودول أخرى إلى فتح نقاشات علنية عبر وسائل إعلامها المتعددة حول مثل هذه القضايا بهدف تغيير الرأي العام تجاهها، لجأت الحكومة السورية إلى منع أي حديث عن هذا الموضوع في الإعلام السوري! فماذا لو أن الحكومة السورية فتحت الأبواب لنقاش مستفيض وعميق تدعم فيه (أي الحكومة) الآراء التي توضح ماهية النقاب وغربته عن بلدنا وديننا؟ وآثاره الضارة على المرأة المنقبة نفسها وعلى الأسرة والمجتمع؟ ألن يكون لهذا تأثير واسع وعميق على قناعات الناس؟ ألن يكون سندا قويا أيضا للنساء المنقبات قسرا؟ ألن يساعد أيضا الرجال الذين يجبرون نساءهم على النقاب ليس قناعة وإنما درئا للقيل والقال من المجتمع الذي يحيط بهم، ألن يساعدهم على اتخاذا القرارات الصحيحة؟

وثالث الاختلافات -وهو مهم برأيي المتواضع- أن هذا البرنامج كان سيحرم الذين يتاجرون بنا هنا وهناك من استغلال القرار لمصلحتهم. فالقرار كما هو الآن أعطاهم أرضية جيدة لكي يثيروا الفتنة دون أن يتفكروا في مصلحتنا نحن النساء المنقبات. فهل لم تجد الحكومة من ينبهها إلى هذا الخطأ المهم؟

الآن، وقد أطلت عليكم، أرجو أن تقبلوا اعتذاري لأنني لا أستطيع أن اكتب باسمي الحقيقي. وأرجو أن يتجه الناس المهتمون كلهم -في الحكومة أو في الأحزاب والجمعيات- إلى التخلي عن نظراتهم المسبقة تجاه هذا الأمر أو ذاك من الأمور التي نذهب نحن النساء ضحيتها دائما. ويبدؤوا في التفكير الجدي في كيف يمكن أن نتخلص من هذا النقص أو ذاك دون المزيد من الخسائر. وأرجو أن يكون واضحا تماما أنني ضد النقاب قولا واحدا. لكن ليس بالطريقة التي جرى الأمر فيها.

نحن المنقبات -بله نحن النساء: منقبات ومحجبات وعاديات- نناشدكم أن لا تزيدوا من العنف الذي نعانيه في حياتنا بعنف مضاد لا يقل سوءا -أحيانا- عن العنف الأصلي، ونحن دائما ضحيته في كل الحالات. نحن نحتاج دعمكم بالتأكيد ولكننا نحتاج دعمكم الذكي والصحيح والثابت. وليس دعما شكليا ربما يؤدي إلى ما لا تشتهي السفن.


مقالات متعلقة:
مرة أخرى حول "النقاب": مناضلو حقوق الإنسان يستيقظون!
نعم لتوجه وزارة التربية بإخراج "العاريات" من التدريس
الحجاب حق شخصي.. والنقاب عري آخر!


امرأة منقبة، (نقاش امرأة منقبة حول النقاب وقرار وزارة التربية)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern