قضايا المرأة

كثر الحديث عن القررارت الحكومية الأخيرة الخاصة بمنع "النقاب"، وما يزال النقاش متركزاً حول السؤالين: "هل النقاب هو حرية شخصية؟!"، و"هل إجراءات المنع صحيحة أم لا؟ وإن كانت صحيحة فهل هي كافية؟!" والأمر اللافت، إضافة إلى ما سبق، هو ردود "المدافعين" عن النقاب، وأستخدم "الياء والنون" للجمع قاصدة الرجال وحدهم لأنني لم أقرأ أي تعليق لأمرأة تدافع فيه عن النقاب(1) .

في محاولة الإجابة على سؤال "هل النقاب هو حرية شخصية؟!" يمكن أن نبدأ بالتعرف إلى الإيحاءات التي يقدمها النقاب والرموز التي يعبر عنها.
لقد اتفق العديد، من الذين وقفوا ضد النقاب، بغض النظر عن موقفهم من القرارات الحكومية، على أن "النقاب" لا يرمز للإسلام بل يرمز للتطرف الإسلامي، كما أشار البعض إلى أنه يرمز إلى اختصار صورة المرأة بالجسد "العورة" التي يجب أن تخبّأ، وتحدث البعض الآخر عن أنه يشبه الغطاء الذي كانت النساء يرتدينه في حقبة التخلف التي مرت بها مجتمعاتنا، والتي تصدت لها حركة النهضة وطالبت، من بين مطاليبها، بتعليم المرأة والسماح لها بالعمل و"خلع حجابها" ... أما المدافعون، الذكور، عن النقاب فلقد أكدوا على أنه: رمز "الحشمة والأخلاق الإسلامية الفاضلة"، كما أنه نقيض التعري، وهو جزء من العادات والتقاليد. كما انتقدوا الموقف المضاد للنقاب، واعتبروا أن أصحابه يشنون "حربا طائفية بأدوات أوروبية" في شكل من أشكال التقليد الأعمى للغرب!
وعلى ما يبدو فإن موقف المدافعين عن النقاب يؤكد صحة استنتاجات الرافضين له! فالمدافعون هم "ذكور" يدافعون عن عاداتهم وتقاليدهم التي عاشها أجدادهم، والتي تتحمل المرأة، وحدها، عبء الحفاظ عليها، خاصة إذا كان النقيض هو "التعري"! إذا لا وجود لحالة وسط، كما هي حال عموم النساء في سورية، فإما نساء منقبات وإما "عاريات كاسيات .."(2) أفليس هذا هو التطرف بعينه؟! لم يتحدث أحد منهم عن حق النساء بالتنقب، فالحق، خاصة للنساء، كلمة غير واردة في قاموسهم، بل هم فقط من يمتلكون الحق ب"تنقيب" نسائهم "شرفهم" المتنقل بين "الذئاب"!
وبعد هذا كله هل يمكن تبسيط أمر النقاب إلى مجرد مسألة "حرية شخصية"، وهل حقيقة تملك أولئك النساء "حرياتهن" بينما يخضعن إلى أحكام قانون الأحوال الشخصية المعمول به والذي يغتال حرية المرأة منذ ولادتها وحتى مماتها، وهل هن حرات في ظل أحكام قانون العقوبات، وخاصة المادة "548"، "حامية قتلة النساء"(3) حتى بعد تزويقها"؟!
المسألة إذا ليست معركة الدفاع عن "الحرية الشخصية للمنقبات" بل هي معركة، كما أحب البعض أن يسميها، معركة اجتماعية كبيرة بين من يريد اقتحام بوابات المستقبل بجهود الرجال والنساء معا، وبين من يريد التقهقر إلى الوراء راميا بإنجازات المجتمع السوري إلى الجحيم!
لذلك لا تقف المسألة عند النقاب فقط، رغم أنه جزء "مثير" فيها، بل تتعدى هذا الجزء لتشمل مجمل الظروف، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي سمحت بوجود مظاهر التطرف هذه في المجتمع السوري.
لقد كتب الأستاذ حسين غرير في مدونته مقالا جميلا "النقاب والمرأة والإنسان .." ونقلته نشرة "كلنا شركاء" الالكترونية، أشار فيه إلى عملية ممنهجة لنشر النقاب وتعميمه لأن "هذا الإقبال بالعشرات لا يأتي بين ليلة وضحاها .. دون تدخل من أحد"! ويمكن أن نضيف أن هذا "الأحد" وسواه، ومن سكت عنه، أو خاف منه، كلهم مجتمعين، هم من هيّؤوا الأجواء لطرح مشروع قانون الأحوال الشخصية المتخلف (في أيار 2009)، وهم من ساهموا في اغتيال توصيات "الملتقى الوطني حول جرائم الشرف"، وربما يكونون هم، أنفسهم، الذين لم يسمحوا لأهداف الخطة الخمسية العاشرة، جميعها دون استثناء، في فصل تمكين المرأة، بأن تتحول إلى واقع.
لذلك كله أتساءل: هل يمكن لقرارات ردعية أن تتصدى لظاهرة خطيرة كالتي نواجهها، والتي لا يشكل النقاب فيها إلا جزءًا؟! رغم خطورته وبشاعة ما يمثله من اختزال كامل لإنسانية المرأة، والذي يتساوى تماما، كما يعتقد الكثيرون والذين تعلمت منهم، يتساوى مع تعريتها والاتجار بجسدها! فالاثنان لا يريان في المرأة إلا جسدا، إمّا يمتلكه رجل واحد ب"مهر" يدفعه و"نفقة" يؤديها، أو لا يمتلكه أحد، ولا حتى صاحبته، إلا بمقدار ما يدفع لاستئجاره.
وأريد أن أختم مستعينة بما كتبه الأستاذ حسين غرير الذي قال إن "مثل هذه القرارات تعمل بشكل معاكس تماماً لهدفها. .. ويزداد الانغلاق على الذات مما ينعكس على شكل ازدياد حدة التشدد. بالإضافة إلى جذب العديد من ذوي الميول الوسطية إلى التيارات المتشددة."
ولا أرى الحل إلا في انفتاح المجتمع وفي نشر وتعميم الثقافة المدنية النهضوية، والتي تشكل القوانين غير التمييزية حجر الزاوية فيها، بما تعطيه للمرأة من مكانة مرموقة تستحقها، وتحميها من أن تصبح ضحية أشكال التطرف كافة. كما أن نشر الثقافة المدنية النهضوية وترويجها لا تتاح سبله دون وجود وفاعلية حقيقيين للمجتمع المدني وهيئاته المتنوعة. الأمر الذي يرتّب على الحكومة مهمّات تأمين البيئة القانونية المؤاتية والداعمة والمسهّلة لعمل الجمعيات المدنية، وليس عدم الترخيص لها والتضييق على الناشطين والناشطات فيها، كما يجري حاليا.
هي معركة كبيرة، لكن النجاح في تخطيها لا يحتاج إلا إلى قرارمسؤول بإطلاق الطاقات الكامنة عند قوى النهضة والتقدم، وما أكثرهم في بلادنا، فمتى سيصدر هذا القرار؟!

(1) - أرسلت "سيدة منقبة" رسالة إلى موقع نساء سورية الذي نشرها باسم "نقاش امرأة منقبة"، انتقدت فيها القرارات الحكومية لكنها لم تدافع عن النقاب، بل أشارت إلى إجبار النساء على ارتدائه.
(2) - ترددت هذه العبارة كثيرا في التعليقات التي وردت على المقالات التي ناقشت موضوع النقاب
(3) - كما يعرفها موقع "نساء سورية" الالكتروني


سوسن زكزك، (ناشطة نسائية تكتب عن النقاب!)

عن "كلنا شركاء"، (25/7/2010)

0
0
0
s2smodern