قضايا المرأة

شكلت رسالة "امرأة منقبة" التي نشرت في المرصد قبل أيام إحدى الحالات النادرة التي يقوم فيها أحد بالرد على ما نكتبه، دون أن يكون الرد سلسلة الشتائم أو التكفير، أو المواعظ السخيفة، أو حشد الآيات والأحاديث! ويدل ذلك بوضوح على عجز الفكر الظلامي عموما عن المحاججة العقلية والإنسانية، ولجوئه الدائم إلى المنقول والمقارنات الوهمية والخاطئة، وبالتالي اختبائه دائما بعيدا عن أي حوار. هذا يؤكده أيضا هرب جميع هؤلاء من أي مناظرة علنية تقوم على أسس مهنية صحيحة (مثل أن يكون الوقت متساوي بين الطرفين، السؤال نفسه يوجه للطرفين..).

في رد "امرأة منقبة" العديد من النقاط المثيرة فعلا. لن نخوض فيها كلها. بل سنؤكد الآن أن مطالبتها بأن لا يمارس عنف إضافي عليها (بصفتها منقبة) هو مطلب حق. إلا أن ما يعنيه ذلك هو مثار الاختلاف.

من المعروف أن كل التوعية، والعمل المدني المجتمعي، والقوانين.. لا تستطيع أن تواجه العنف الواقع ضد الضحية (امرأة كانت أو رجلا)، ما لم ينعكس ذلك مباشرة تغيرا في سلوك الضحية نفسها لتتحول من "ضحية آمنة" تقبل ما هي فيه، وما تتعرض له، إلى مقاومة للعنف الواقع عليها. وبالتالي فإن صمت النساء على العنف الذي يواجهنه في كافة مجالات الحياة يعد الحلقة الأساسية في استمرار هذا العنف. ممارس العنف لا يمارسه فقط لأنه مقتنع به، بل أيضا، وأساسا، لأنه لا يتوقع ردا مناسبا على عنفه. ممارس العنف نفسه الذي يعنف زوجته أو أخته أو أمه.. لا يتجرأ على تعنيف أحد في الشارع حين يتوقع أنه سيتلقى ردا مناسبا على عنفه قد يجعله هو نفسه متلقيا للعنف. لكنه يمارسه بكل اطمئنان في منزله لأنه يعرف أنه "آمن" من أي رد مناسب.

ويستند ممارس العنف هذا، إضافة إلى القوانين والآليات المؤسساتية الداعمة للعنف ضد المرأة، إلى شبكة متقنة الصنع محاكة ضد المرأة التي تفكر بمواجهة هذا العنف، من خيوطها: القناعة السائدة أن مواجهة العنف تكلف أكثر من الصمت وقبوله. وأن الناس كلهم ضدها إذا فكرت بمواجهة العنف. وأنها ستخسر كل شيء...


هذه الخيوط خادعة ووهمية. فلا يوجد نمط حياة بلا ضريبة. كل تصرف له ضريبته. الخيار هو بين ضريبة وأخرى. بين ضريبة تحرمني من إنسانيتي وتحولني إلى سلاح فتاك ضد الآخرين، وبين ضريبة تعيد لي إنسانيتي وتجعلني امرأة تستحق وجودها.

وأي رد على العنف ستكون ضريبته أقل من ضريبة العنف المستمر نفسه. بل إن ضريبة مواجهة العنف تكون (غالبا) مؤقتة. بينما ضريبة قبول العنف تكون دائمة وتصاعدية. ضريبة مواجهة العنف تؤسس لحياة جديدة خالية من العنف، أما ضريبة قبول العنف فتؤسس لمزيد من العنف. ضريبة مواجهة العنف تعني أملا بحياة خالية من العنف لأبنائنا وبناتنا، ضريبة قبول العنف تعني مشاركة فعالة في انتقال العنف إلى بناتنا وأبنائنا... والاحتجاج بالخطر على الحياة هو احتجاج نافل. هو حقيقي؟ نعم. لكنه حقيقي بالقدر الذي هو حقيقي أن عبورك الشارع على إشارة مرور خضراء للمشاة لا يمنع عن احتمال موتك تحت عجلات سائق متهور لا يريد انتظار تغير الإشارة. فهل تمتنعين عن عبور الشارع بسبب هذا الاحتمال؟

لذلك فإن الرسالة الصحيحة ليست الاحتجاج على محاولة جهة ما وقف هذا العنف والتطرف على المستوى العام لأنه يؤثر على المستوى الشخصي، بل هي أن تقومي أنت، وجميع النساء اللواتي يمارس ضدهن عنف وتمييز من أي شكل، لتقفي بوجهه بكل قوة. لن يكون العنف الناجم عن موقفك هذا بأشد من العنف الناجم عن وجودك الخانع كل يوم. بل سيعرف الرجال ممارسو العنف أولئك، وقتها، أن ضريبة عنفهم ضدك ستكون شديدة. وحين يرون بأم أعينهم أنك قوية، وأنك ترفضين التنازل عن إنسانيتك لصالح غريزتهم المطلقة من كل عنان، سوف ترين أنهم سيتوقفون عن هذا العنف خوفا من نتائج عنفهم نفسه. هذا حدث على مر التاريخ، ويحدث كل يوم. ويشكل أحد أهم روافع التقدم في الحياة، وإن كانت تقدما بطيئا في هذا المجال.

إذا، لجوء ضحايا العنف والتمييز إلى الصمت وقبول ما هن فيه، ومطالبة الآخرين بتفهم ما هن فيه عبر قبوله وعدم العمل على مواجهته فعليا، هو، في الواقع، قبولا للعنف ودعوة للاستمرار فيه، بغض النظر عن النوايا.

بالتأكيد هذا لا يكفي. فوجود القانون الذي يحمي الضحية ويعاقب الجلاد هو أمر ضروري. هذا جزء من مسؤولية أي دولة على وجه الأرض. القانون يجب أن لا يكتفي برد العنف، بل يجب أن يعاقب ممارسه. في هذه الحالة: المنقبة تمارس عنفا عاما بترويج التطرف. وبالطبع لسنا هنا مع عقاب للمرأة المنقبة. ولكن مع سد السبل أمام ترويج تطرفها. هذا لا يتعلق بقبولها النقاب، أو قناعتها به، أو رفضها الداخلي له.
ويجب فعلا أن يكون هناك قانون يجرّم كل من يفرض النقاب أو الحجاب أو أي نوع آخر من اللباس على النساء أو الأطفال. والفرض هنا، كما نعرف، ليس فقط بالقوة العضلية، بل أولا بالتهديد، وثم بكافة الوسائل الأخرى التي قد تصل إلى القوة العضلية، وحتى إلى القتل.

الرسالة التي نقولها الآن أن موقف "امرأة منقبة" هو موقف نموذجي لاستسلام النساء لواقعهن. إذا كان ما قلتيه عن فرض النقاب صحيح، ونعتقد أنه صحيح 100 % لأننا نعرف ذلك ميدانيا، سواء في النقاب أو الحجاب، فإن الدعوة إلى التساهل معه بحجة أن مرتدياته هن ضحايا.. هو مشاركة صريحة في هذا العنف.


ورفض النقاب في أماكن العمل بكافة أنواعها ليس ردا على النساء المنقبات. وأيضا ليس تثبيتا للعنف الواقع عليهن. بل هو مواجهة للعنف المتمثل في النقاب نفسه، والذي أنت ضحيته الأولى. ولكنك أيضا ممارسة له حين تمضين منقبة إلى المجتمع. فكما قلت أنت، وكما هو واضح: النقاب ليس قطعة قماش، وليس أمرا دينيا (مهما تشدق المنافقون بذلك)، بل هو حطّ بغيض من قدر المرأة عبر تصويرها على أنها فقط جسد مغر يجب إخفاءه كليا. إعلان بأنها ليست إنسان. فالإنسان قادر على التعامل مع نفسه (روحا وجسدا)، ومع غيره. أما ما دون الإنسان (كما يراد للمرأة أن تكون) فلا قدرة لها على التعامل مع نفسها ومع غيرها إلا غريزيا. ونفاق البعض حول "السترة والعفة" بات ممجوجا وسخيفا إلى حد لا يقنع طفلا صغيرا ذا عقل. فلم يمنع النقاب امرأة من أن تفعل ما تشاء من "موبقات وآثام"! كما لم تمنع لحية ولا لباس أفغاني رجلا من أن يرتكب "السبعة وذمتها"!

ومن جهة أخرى: مكان العمل (كل مكان عمل، وليس فقط وزارة التربية، أو العمل في القطاع العام، بل أيضا في القطاع الخاص وغيره..) هو ليس مساحة للحرية الشخصية. الحرية الشخصية مكانها البيت فقط. العمل هو مكان للجميع. ومثلما لا يحق لك أن تطلبي استثناءك من ذلك لأنك تتعرضين للعنف أصلا بإجبارك على ارتداء النقاب، وعدم وجود قوانين ومؤسسات تحميك من هذا العنف، كذلك لا يحق لغيرك أن يطالب غدا بأن يذهب إلى العمل بلا ثياب، أو بما قل ودل (مرة أخرى: هذا يختلف جذريا عن التصورات المريضة للبعض باعتبار "البلوزة نصف كم"، أو التنورة، أو الشعر.. هو "عري"). العمل مكان يخضع كليا لشروط التواصل الإنساني الصحيح. لذلك كل الشركات في العالم تضع قواعد خاصة للباس فيها تحظر فيه "إبراز المفاتن". فكيف إذا لعري آخر يمحو الوجه كله ولا يبقي سوى الجسد أن يكون "استثناء"؟! لأن أحدا ما لا يستطيع ضبط "فحولته" بما أنه غادر مساحة الإنسان يريدك أنت أن تحبسي في نقاب؟ لعله غدا سيصنع أيضا سراويل بأقفال حديدية مزودة بأرقام الكترونية؟ هذا أضمن لغريزته المنفلتة من كل عقال..


والنقاب، كما أوضحتِ أنتِ، هو تركيز على أنك عورة بالمطلق. هو رسالة علنية أيضا للآخرين أن ينتبهوا جيدا: هنا يمر جسد هو موئل متعة جنسية. فالنقاب يحولك من إنسان بوجه إلى كتلة هي جسد وحسب لا تمايز فيه. وبما أن هذه الكتلة هي أنثوية بالضرورة، فهذا يعني أن هذه الكتلة هي مصدر جنس. هو، في الواقع، رسالة مباشرة أن انتبهوا، الجنس (الخطيئة!) بقربكم! على تماس معكم! فاحذروها!

والنقاب، كما تعرفين جيدا، هو  أيضا ممارسة علنية صريحة ضد الآخرين. فهو يقول للآخرين: أنتم لستم مني ولا أنا منكم! إلى درجة أنه لا يمكن لكم أن ترو وجهي نفسه!
وبما أنك إحدى هؤلاء، فلا بد أنك تعرفين جيدا أن هذه الممارسة لن تمر مرور الكرام عند الأطفال والمراهقين. ويعرف الظلاميون ذلك جيدا! لذلك هم يمورون من رفض هذا التطرف. لأن الأطفال والمراهقين هم غايتهم الأساسية: غسل الدماغ عبر تحويل الذكور إلى حيوانات جنسية مفترسة (بكسر الراء)، والإناث إلى حيوانات جنسية مفترسة (بفتح الراء)، شرط أن يكون هذا الافتراس تحت سلطتهم. فغاياتهم القصوى تتلخص بتمتعهم بالسلطة المطلقة على رقاب الناس وتفاصيل حياتهم، وليس على جدول همومهم إطلاقا لا دين ولا أخلاق ولا قيم إنسانية. وإلا لما استعبدوا الناس في أسرهم أولا، قبل أن يمتدوا ليستعبدوهم في الدنيا.

وأنت، وغيرك من المنقبات، خير من يعرف (وقد عبرتِ عن ذلك في ردك على ما قلته) أنه لا يمكن أبدا فصل النقاب عن إطاره واعتباره مجرد لباس.


إذا، إن مواجهة النقاب الذي يعرف الجميع أنه ليس إلا وسيلة ظلامية متطرفة تغزو بلدنا تحت مسميات وادعاءات دينية مزرية، وتراثية مستمدة من استعمار حطنا لخمسمئة سنة، وتهدف إلى تحويل سورية إلى سعودية أخرى (أو إيران أخرى، إذ لا فرق يذكر بينهما في العنف "الديني" ضد المرأة -هذا استطراد للمرضى الموتورين الذين يعرفون أنفسهم جيدا-). رغم أن السعودية، لحسن الحظ، تمشي (وإن بخطوات بطيئة جدا) بعيدا عن هذه الظلامية التي لا ترى في النساء إلا عورات! هذه المواجهة هي واجب على كل من يرى في سورية بلدا لكل السوريين والسوريات.. بلدا يحق له أن يعمل من أجل مجتمع خال من العنف والتمييز بأي من مسمياتهما.

وسبيلك، وسبيل النساء السوريات، بل وسبيلنا جميعا أن نواجه العنف على المستوى الشخصي، أن لا نتخلى عن حقوقنا لأن فلان وعلتان يهدد، أو لأن هذا القريب أو ذاك سوف يعطر فمه بالثرثرة التي تعبر عنه فقط! كذلك يجب أن لا ننتظر دائما من يحمل عنا عبئ هذه المواجهات. فلا أحد يستطيع أن يحمل عنك عبئك. الآخرون قد يستطيعون أن يقدموا يد المساعدة في مواجهتك أنت. ولكن ليس أن يخوضوها عنك. هذا لا يشمل النقاب فقط، بل كافة أشكال العنف والتمييز الأخرى، بدءا من قبول تعدد الزوجات، ومرورا بالحرمان من الإرث أو الإجبار على التخلي عنه، وانتهاء بسيطرة ذكور القبيلة على خياراتك في الزواج.

*- من القواعد الأساسية المعروفة في معالجة العنف أنه لا يعتد بموافقة الضحية. وفيما يخص الثقافة الذكورية فقد أكدنا مرارا أنها ثقافة مجتمعية، وهذا يعني أن نساء ورجالا يتبنونها ويدافعون عنها. وهذا يعني أن وجود نساء يقلن أنهن يرتدين النقاب طوعا لا يغير من الأمر شيئا.


- (ومتى إذا سوف تواجهن العنف؟ رد على "امرأة منقبة")

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern