قضايا المرأة

موقفنا من النقاب بات واضحا أنه شكل صريح وواضح من العنف ضد المرأة بجعلنا كتلة من العار والخطيئة يجب إخفاؤها عن الأعين حتى لا تتسبب للذكور الطاهرين بالذهاب إلى الجحيم إن هم رؤوا وجهها! وقلنا أن الحرية الشخصية لا تكون مطلقة أبدا، كما أن ممارستها في المكان العام محدودة باعتبارات المكان العام. وأن وجود النقاب في العمل والمدرسة والجامعة هو ترويج مباشر للتطرف والعنف ضد المرأة، سواء كان ذلك بإرادة المراة أم لا، فالعنف ضد النساء هو ثقافة تتبناها نساء مثلما يتبناها رجال.

ولذلك فنحن بالتأكيد مع القرار الجديد بمنع المنقبات من دخول الجامعات. إلا أن لهذا القرار، نظرا لتعلقه بمجال حساس جدا هو التعليم العالي، مخاطر كثيرة أن لم يرفق، مباشرة وعلى وجه السرعة، بقرارات أخرى تحمي النساء المنقبات الراغبات بتفضيل التعلم على كذب الذكور بأن النقاب فضيلة أو معيار ديني أو أخلاقي. فالمنقبات ضحايا العنف الذكوري. وقولهن أنهن مقتنعات بذلك لا يعتد به مثلما لا يعتد بقول امرأة تعنف من زوجها أنها تقبل ذلك العنف.

وهؤلاء النساء الراغبات بتفضيل التعلم في الجامعات السورية على قبولهن العنف الذكوري باسم الدين يقعن اليوم بين فكي كماشة قاسية لا ترحم. فمن جهة لم يعد بإمكانهن الاستمرار بالتعليم مع قبول العنف الواقع عليهن بالتنقب. ومن جهة أخرى ليس خلع النقاب بالأمر السهل بالنسبة لهن نظرا للمخاطر العديدة والجدية التي قد يتعرضن لها من ذكور عائلتها الذين يحمي القانون السوري أصلا عنفهم ضد نساءهم (أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم وزوجاتهم).

والعديد من النساء السوريات عبرن (سرا) عن فرحهن بهذا التوجه الجديد، إلا أنهن عبرن في الوقت نفسه عن خوفهن الشديد من نتائجه عليهن. ففي ظل غياب أي قانون يحميهن من العنف الذي سيقع عليهن إن هن اخترن الحياة والتعلم بدلا من الظلامية والعنف الواقع عليهن، فإن القوانين السورية، خاصة قانوني العقوبات والأحوال الشخصية، سيتركهن عاريات وحيدات في مواجهة عنف قد يصل حد القتل. وكالعادة يستطيع أن رجل أن يستل السكين ليذبج اخته أو ابنته التي خلعت النقاب، محميا من المادة 192 من قانون العقوبات، بمجرد ادعائه أنها قتلها بدافع الشرف لأن "العرف والعادة" في مجتمع تعتبر خلع النقاب "مساسا بالشرف"!

كما أن العديد من المواد في قانون العقوبات سوف تجعل المرأة المنقبة المتزوجة المتابعة لتعليمها في الجامعات السورية على حافة الطلاق باعتبارها ناشزا! والعديد من المطلقات اللواتي لهن حق الحضانة سيكن تحت رحمة نزع الحضانة منهن بسبب قابلية تفسير خلع النقاب على أنه "ممارسة سيئة".

ولا يخفى أن الكثير من القضاة في سورية يؤيدون هذا التطرف والعنف ضد المرأة بذريعة العادات والتقاليد، كما أن أقسام الشرطة لن تكون متعاطفة ومتعاونة مع المرأة في أغلب الحالات.

لذلك يشكل هذا القرار الجديد (الشفهي، كعادة هذه الحكومة) إطباقا كاملا على المرأة المعنفة المجبرة على النقاب، ويسمح للدولة أن تتنصل من مسؤولياتها في حماية هؤلاء النساء، وفي تحمل مسؤوليات قرارها.

وحتى يكون هذا القرار في سياقه الصحيح، ويحقق أغراضه المتمثلة بالحد من هذا السلوك المتطرف، ويخفف من الآثار السلبية له إلى أقصى حد، فإننا نرى أنه يجب أن يعدل هذا القرار ليقتصر المنع بخصوص المنقبات الموجودات اليوم في الجامعات السورية (الموجودات اليوم، وليس اللواتي سيسجلن لاحقا) على القاعات داخل العملية التعليمية في الجامعات، وداخل الأبنية السكنية في المدن الجامعية، مع إلزام المنقبات بكشف الوجه لحظة الدخول من الأبواب إلى الحرم الجامعي أو حرم المدينة الجامعية (بهدف التأكد من شخصيتها)، ومن ثم يمكنها ارتداءه في القسم المفتوح من الجامعة أو المدينة الجامعية. فيما لا يمكنها ارتداءه داخل الأبنية الجامعية في الجامعة أو المدينة الجامعية.

ونرى أن هذا التعديل يجب أن يكون مؤقتا فقط، ربما لسنة أو سنتين، بعدها تقر الصيغة الأساسية بمنع النقاب في كل مكان من الجامعة والمدينة الجامعية.

إلا اننا نريد أن نؤكد أيضا أن وجود بعض المتضررات من هذا القرار ممن لا تريد أن تختار التعليم أو مواجهة العنف الواقع عليها، هو أمر مؤسف. فلا يوجد قرار على وجه الأرض ليس هناك متضررون منه. وتضخيم هذه القضية مثلما فعل البعض عبر رمي أرقام خيالية يراها في منامه حول عدد المنقبات في الجامعات السورية، هو سلوك مكشوف.

من جهة أخرى، مما لا شك فيه أن الحكومة السورية لجأت لطريقتها المفضلة في التهرب من مواجهة مسؤولياتها. فبدلا من أن تؤجل القرار حتى نهاية الصيف، حيث لا مدرسات ولا تعليم عالي، وتفتح أبواب الإعلام السوري بكافة مناحيه أمام المختصين/ات في مناهضة العنف ضد المرأة، وأمام رجل الدين المتنورين الكثير، لإظهار حقيقة النقاب كعنف وتطرف صريحين، وحقيقة أنه ليس من الدين في شيء، وحقيقة أنه يجب على المرأة نفسها أن تعي أي انحطاط يريد الذكور هؤلاء أن يضعوها فيه باسم الدين.. فضلت أن تطلق القرار الآن، شفهيا، ثم تغلق أبواب مسؤوليها ووزاراتها والإعلام السوري لمناقشة هذه القضية الهامة.

لكن الوقت لم يفت، ما زلنا في الصيف. وما زال بالإمكان تدارك هذا الأمر. فلتبادر الحكومة السورية لتحمل مسؤولياتها الحساسة في هذا الموضوع. ولتفتح أبواب الإعلام السوري، بل لتفتح المجال لندوات في كل جامعة وكل مدينة، ففي هذا البلد ما يكفي من الناس المناهضين للعنف، مدنيون ورجال/نساء دين، ومختصون ممن يستطيعون أن يفعلوا الكثير من أجل حماية هؤلاء النساء من العنف المتمثل بالنقاب، بل وبكافة أشكال التطرف الأصولي الأخرى.

اتخاذ هذا الإجراء بات ضرورة قصوى في ظل التلاعب الكبير الذي تقوم به جهات مختلفة في تشويه حقيقة النقاب وتصويره على أنه "حرية معتقد وحرية شخصية"! وبالتالي فيه تصب الحب في طاحونة التطرف والظلامية التي ستقضي عليها نفسها قبل أن تقضي على أحد آخر، مثلما حدث في كل مكان جرى فيه مثل هذا التواطئ! وبشكل خاص، فإن لعب بعض رجال الدين بهذا الموضوع بات مكشوفا وصريحا. فعدا عن أنهم لا يستطيعون إطلاقا إنكار أن النقاب هو تأكيد مطلق على أن المرأة هي "كلها عورة" في انتقاص فادح وصريح من إنسانية النساء، فإنهم يلجؤون اليوم إلى تضخيم الموضوع واعتباره أزمة مصيرية في محاولة لتأكيد دورهم الذي، للأسف، لم يصب إلى اليوم إلى في طاحونة تأييد العنف والتمييز.


بسام القاضي، (النقاب في التعليم العالي: صوابية القرار، ونقص الآلية)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern