قضايا المرأة

عزيزتي المنقبة،
لا أعرف بداية بماذا أخاطبك، فأنت رفضت نشر اسمك الحقيقي، ربما كونه عورة أخرى كالوجه، أو خوفاً من مجتمع "لا يرحم" كما تصفينه. كان بامكانك اختيار اسم مستعار كغادة أو ليلى أو هناء، لكنك لم تعرفي عن نفسك سوى بـ"امرأة منقبة"، ولعل في هذا دلالة على ما فعله النقاب بك من إلغاء لشخصيتك حتى أصبحت محصورة به، وأصبح بديلا ليس فقط لوجهك بل لاسمك وكيانك نفسه.

ليس من عادتي أن أقسو على النساء، إذ تكفيهن قسوة غيري، ولكني لا أجد في نفسي أي ميل للتعاطف معك فيما يخص موضوع إقصاء المنقبات عن التدريس وطلباتك أو اقتراحاتك المتعلقة به.
أود أن أوضح لك بداية أنه ليس لدي دافع شخصي لكرهك أو مهاجمتك، فربما تكونين إحدى معارفي الجميلات، والتي أجبرها زوجها على الانتقاب لأنه "يغار عليها"، مع أنه لا يصلي ولا يقوم بواجباته الدينية، وليس لديه مانع من متابعة نساء غيرها بنظراته.
ولكن هذا لا يمنعني من عدم التعاطف مع قضيتك، وعدم إلزام نفسي بما طلبته أو الموافقة على الاقتراحات التي قدمتها.
ما ذنبي أنا إن كنتِ أنت قد اخترت راحة البال ورفضتِ خوض معركتك لكسب إنسانيتك وحريتك، تلك المعركة التي وصفتها سلفاً بأنها "فاشلة"؟ ما ذنبي كي أذهب إلى عملي كل يوم بلباس لم أختره وأنا لست طالبة في مدرسة أو جامعة، ولا ممرضة أو مضيفة أو غيرها من المهم التي يلتزم أصحابها برداء موحد؟
وهل فكرت لحظة أن في بلدنا مئات آلاف العاملين والعاملات ممن قد لا يسعهم شراء الألبسة الموحدة، وهذه مشكلة كنا نعاني منها أيام الجامعة، فيضطرون إلى شراء طقم واحد يقضون أيام العمل فيه ثم يغسلونه أيام العطلة الأسبوعية؟ ألا يكفي ما يمر به العامل والعاملة من ظروف صعبة في العمل والمواصلات والبيت كي يزيد همهم بهذا الطلب الغريب، والذي ليس له مبرر سوى عدم رغبة قلة قليلة في الدفاع عن حقوقها؟ وإذا كنت أنت تخاذلت في نصرة إنسانيتك، فلماذا يتوجب عليّ أنا أن أخوض معركتك باسم الإنسانية؟
بسببك، يا عزيزتي، وبسب من هن مثلك، يشعر بعض الرجال، وبعض النساء أيضاً، أن من حقهم التعامل مع هي مثلي، غير محجبة وبالتأكيد غير منقبة، وكأنها بضاعة قذرة. يعتقد أن حقه أن ينصحني ويقول لي في الشارع: "تستري يا اختي"، مثلاً، أو يلقي ملاحظة سوقية عن الأفخاذ والصدور.
أنا وغيري دفعنا ثمن حريتنا وإنجازاتنا ولم تقدم لنا كوجبة ساخنة على طبق من فضة، ولا أطلب منك سوى دفع ثمن اختياراتك في الحياة عوضاً عن مطالبة غيرك بتسديدها.
ارفضي هذا الأسود الذي يطمس ملامحك وإنسانيتك. حاربي وضحي، وبعدها اطلبي من غيرك احترام قراراتك، عندما تصبحين صاحبة قرار.

*- ملاحظة من نساء سورية: اختيار لقب "امرأة منقبة" كان من قبل "مرصد نساء سورية" الذي فضل هذا اللقب للمقالة بدلا من اسم آخر مستعار. فاقتضى التنويه.


دينا أبو الحسن، (إلى امرأة منقبة)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern