قضايا المرأة

منذ أن عرفت بقرار نقل العاملات المنقبات من وزارة التربية إلى وزارات أخرى والذي ربما سيتبع بقرارات مشابهة تمنعهن من وضع النقاب أثناء العمل في أي دائرة حكومية، وتلاه فيما بعد توجيهات وزارية  بمنع المنقبات من الدخول إلى الجامعات..

وأنا أصغي إلى الكم الهائل من النقاشات وأحاول رصد الآراء وفهمها، لكن الشيء الوحيد الذي لم أستطع تلمسه إلى الآن هو وجهة نظري، ما هو موقفي من هكذا قرار؟!

والحقيقة الآن فقط أدركت مشاعري تجاه مثل هذا القرار الذي رأيته متشحاً بالسواد أكثر من مظاهر النقاب التي أراها  باعتياد وباختلاف الأماكن وبدون أن تؤلمني.. هذا القرار آلمني..قرار من وزير التربية بنقل المنقبات قرار قوي لم تستطع حتى الآن فرنسا وتركيا والدول الضليعة بحقوق الإنسان أن تتخلص من عبئه في دوائرها الحكومية، وهنا كان قرارا باردا بين ليلة وضحاها تبعه التوجيه الذي ذكرني بماري أنطوانيت عندما طلبت من شعبها أن يأكل البسكويت بدلا من الخبز، فها هم أهالي الطلبة من التعليم المفتوح والخاص (الأغنياء نوعا ما) يطالبون بمنع المنقبات من الدخول إلى الجامعات لأنهن بخدشن  مشاعر أبنائهم /هن!

في حكومة تستطيع أن تصدر قرارات مثل تلك القرارات تجابه بها المتطرفين والأصوليين والمتأسلمين، تقف وقفة المرتجف أمام قوانين تميّز بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات بحجة مخالفتها للشريعة الإسلامية أو للدين الإسلامي أو للقرآن أو الفقه، أسباب كبيرة وكثيرة توردها في مذكراتها ومواقفها، تبدع في خنق تلك المرأة داخل بيتها وتطالب بالوقت نفسه وبقرار بأن تخلع النقاب خارجه لأنه يضيق عليها الخناق ويزعج المارين بقربها في الجامعة أو المتعاملين معها في الدوائر الحكومية، متجاهلين أن هذا النقاب هو الصورة الحقيقية للمرأة في مجتمعنا! بل هو صورة مجتمعنا!

ولا توجد مبالغة في وضع النقاب في بلاد ترحب بالتمييز بين المرأة والرجل وتتجاهل الكثير من مظاهر التلوث البصري والسمعي والتنفسي! احترمت فرنسا عندما أصدرت مثل تلك القوانين، لكني تألمت عندما صدرت قرارات هنا تطالب بمنع النقاب! أليس من الأجدر أن نطالب أولا بقرارات صارمة تجاه من يرمي القمامة في الشارع؟! تجاه من يبصق ويعطس بوجه المارة ؟! تجاه من يعبر الطريق من بين الأسلاك والحواجز؟!، أليس من الأجدر لو أنها أصدرت قرارات تسهّل تنفيذ الأحكام وتخفف العراقيل أمام النساء والرجال في قضاياهم/ن الأسرية أمام المحاكم والتي أكثر ضحاياها الأطفال؟! أليس من الأجدر لو أصدرت قرارات تساعد فيها أولاد المرأة السورية المتزوجة من غير سوري والمقيمة مع أبنائها في سورية بتسهيل إجراءات العمل الخاص والعام؟!

كنت احترمت هذا القرار كثيراً لو أنه أتى بعد تغيير قانون الأحوال الشخصية التمييزي ليصبح قانوناً أسرياً يحترم حقوق أطرافه، كنت احترمت هذا القرار لو أنه أتى بعد تغيير في قوانين العقوبات والجنسية تعطي المرأة و الطفل حقوقهم، لو أنه أتى بعد سلسلة قوانين وقرارات طالما طالبنا بها لتساند الطفل المشرد والمحروم من حقوقه وتنظم له أسرة بديلة ومكان آمن يعيش فيه.

كنت احترمت هذا القرار كثيراً لو أنه جاء صورةً حقيقيةً معبرةً عن مجتمعٍ يسعى نحو الأفضل، لو أنه جاء بعد جهود في محاولات فعليّة لبناء هذا المجتمع من خلال التغيير في قوانينه وعاداته لكن أن يأتي هكذا في الهواء فلا معنى له إلا أنه قرار اعتباطي أو ليقول مقابل هذا القرار الذي يمنع النقاب سنعطيكم (أيها القائمين على حراسة القوانين التمييزية) قراراً بعدم مس قوانينكم وعاداتكم، فهذا مقابل ذاك، وهذا وذاك ما هما سوى مزيد من سواد نتوشح به، منا من يظهره على شكل نقاب ومنا من يخفيه في قلبه وهو صورة واحدة لتلك المرأة وذلك المجتمع لن يزول بالمظاهر.

إني على يقين أن المرأة التي أعطيت حقها واستطاعت أن تعبر عن ذاتها بملئ حريتها،  وبمساندة الدولة و المجتمع، هي نفسها ستسطيع أن تعلن عن صورتها ومظهرها بقوة وشجاعة دون انتظار لقوانين أو قرارات أو وصاية ذكورية من أي نوع..


رهادة عبدوش، (ذلك القرار المتشج بالسواد)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern