قضايا المرأة

اختفت النساء في البصرة. بعد ثلاث سنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق. انتزعت حرية النساء المدنية - والتي كانت موقع غيرة جميع نساء الشرق الأوسط -  بسبب تصاعد العنف الديني في أنحاء هذا البلد.

ينتشر في أرجاء العراق اضطهاد دموي و عنيف للمرأة، فكثيرات هن النساء اللواتي حـُلقت شعورهنّ بسبب رفضهنّ ارتداء الحجاب، و أخريات ضُربن بالحجارة في الشوارع بسبب استخدامهنّ مساحيق التجميل. بعض النساء خـُطفن و قتلن بسبب جرائم سميت ببساطة "سلوكاً غير ملائم". لقد ترك العصيان المسلح هذا البلد الضعيف فريسة للمتطرفين الذين لا يعتبرون أن مفهوم الحرية يشمل النساء أيضاً.

في الجنوب الذي تحتله بريطانيا، وحيث السيطرة للمهدي جيش مقتدى الصدر، تصر النساء على أن الوضع في أسوء أحواله. فهن مجبرات على العيش خلف الأبواب المغلقة، لا تظهرن للناس إلا مستترات بالحجاب أو مخبآت وراء أزواجهنّ و آبائهنّ. حتى أن ارتداء البنطال يعتبر تحدياً وعصياناً يعاقب عليه بالموت.

إحدى النساء في البصرة والتي تعرف فقط باسم "الدكتورة كفاية"، تعمل في مشفى الأطفال والنساء التابع لجامعة المدينة، عندما بدأت بتلقي التهديدات من المتطرفين. ورغم مقاومتها هذه التهديدات إلا أن رجلاً دخل إلى المبنى و قتلها.

تقول إيمان عزيز، إحدى أوائل النساء اللواتي تحدثن عن الأخطار بشكل علني: "كان هناك خمس نساء على لائحة الموت مع الدكتورة كفاية ، وقد تم تهديدهن: إذا استمريتنّ بالعمل فالموت مصيركم".

بعض النساء أجبـَن من أن تتذمرن ، و لكن خوفهنّ من ضياع حقوقهنّ للأبد جعل بعضهنّ يتخذ الخطوة الشجاعة للتحدث بصراحة.

الدكتورة كفاية ليست إلا واحدة  من عدة نساء متعلمات قتلن في الأشهر الأخيرة. وقد ذكرت السيدة إيمان عزيز أثناء حديثها لـ "الاندبندنت" قرب قصر صدام القديم وسط البصرة أسماء قتيلات أخريات، فثلاثة من صديقاتها في الجامعة قتلن منذ الاحتلال. " تعرضت صديقتي شذا وأختها للتهديد، و في أحد الأيام بعد عودتهما إلى المنزل بصحبة امرأتين أخريين تعرضن جميعهنّ لإطلاق النار". كانت لهجتها خائفة خالية من كل حماس.

أكملت: "وصديقتي لبنى ، كانت مع خطيبها عندما أطلقوا الرصاص على ساعده و قتلوها أمام ناظريه، وهو ما حدث للأختين اللتين كانتا تعملان في المصبغة في قاعدة قصر البصرة". وتهز كتفيها باستهزاء مكملة الحديث باختصار عن تفاصيل كل حادثة.

لعبت المرأة في عهد صدام دوراً ثانوياً في الحياة السياسة، غير أن المدرّسات و نساء الأعمال تنقلن داخل البلد وخارجه من دون أي مصاعب، في الوقت الذي كانت فيه بناتهنّ يختلطن بكل حرية مع زملائهن الذكور في الجامعات.

الآن حتى أكثر النساء تحرراً يشعرن بالتهديد.

المنتجة التلفزيونية أريج السلطان "27 عاما ً" و المنفية حالياً تقول: "الأحوال أسوء بكثير في الجنوب بالنسبة للنساء، و أنا ألوم البريطانيين لعدم اتخاذهم أي موقف قوي".

وتقول ساجدة حانون العبادي "37 عاما ً" والتي اضطرت لارتداء الحجاب كما السيدة عزيز: "النساء يقتلن، و نحن نعلم أن مـَن خلف هذا يدعي أن لديه فتوى جاهزة: هؤلاء لسن نساء صالحات لذا يجب قتلهن".

أمام أمواج الهجمات المسلحة، يزداد العنف ضد النساء اللواتي يجرؤن على تحدي الأصولية الإسلامية. وتتزايد الفتاوى التي تمنع المرأة من قيادة السيارة أو الخروج وحدها.

ويبدو أن الشرطة والتي يتم اختيار أفرادها من المليشيات المسلحة، لا ترغب أو ربما لا تستطيع أن تتخذ أية إجراءات صارمة تجاه المتعصبين.

تقول الآنسة العبادي: " بعد سقوط الحكم، خرجت الأحزاب المتطرفة دينياً إلى الشوارع، وهددت النساء، وبرغم كونهم الأقلية إلا أنهم يتحكمون بالمناصب الفعـّالة و هم بذلك يسيطرون على البصرة".

أما المغامرة بالخروج إلى الشوارع اليوم من دون أحد الأقرباء الرجال، فهو خَطر يعرضك للإهانة أو الخطف أو الهجوم.

تقول الصحفية شتـّا كريم: " في أحد الأيام كنت أقود سيارتي عندما اصطدم بي شخص و أخرجني عن الطريق. فإذا شوهـِدت المرأة تقود سيارة في هذه الأيام فإن هذا يعتبر تعدٍ على حقوق الرجال".

ويتزايد التخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية في القوانين الجديدة. تقول السيدة عزيز: "إذا توفي الرجل فإن أمواله تذهب إلى رجل آخر من أفراد أسرته حسب التشريع الإسلامي ، ولكن الحرب بين العراق وإيران والتي خلـّفت الكثير من النساء الأرامل دفعت صدام إلى تغيير القانون، فأصبح النساء و الأطفال يرثون. و لكن ذلك ألغي الآن وتمت العودة إلى تطبيق القانون القديم". 

وتقدر السيدة العبادي عدد الأرامل في البصرة بسبعين بالمائة من النساء بسبب الصراعات الدائرة حالياً. "يمكنك أن ترى الأرامل يتسولن في الشوارع وعلى التقاطعات".

ويقول بعض المتفائلين أن وجود 25 بالمائة من أعضاء المجلس المحلي للبصرة من النساء يثبت أن دور النساء قد تم دعمه منذ بداية الغزو. ولكن أهل المدينة يقولون أن الأمر شكلي فقط. إن أي امرأة تعمل في الحكومة غير قادرة على إحداث أي تغيير. إن كل الملصقات الموزعة في أرجاء المدينة والتي تحث على إقرار الدستور تدعم هذه الرؤية. فقد تم طمس وجوه المرشحات من النساء مع عبارة تقول: "لا نساء في السياسة"، في إشارة إلى المعارضة التي يلقونها.

تقول السيدة عزيز: "كل النساء الأعضاء في المجلس المحلي لديهن الكثير من الآمال ولكن الإجابة تكون دوما: مع كل الاحترام، فأنتن لا تعلمن شيئا. فهذا عالم الرجال، إن آراءكن جيدة ولكنها ليست الأفضل. وتتزايد شيئا فشيئا السلبية بحيث توافق النساء على التوقيع مباشرة على ما يعرض عليهن. لدينا نساء في السلطة ولكن بدون أية سلطة عمليا."

يعبر الكثير من الضباط البريطانيين عن قلقهم إزاء هذا الوضع ولكن متحدثا باسم وزارة الخارجية يقول: "إن من أهم أولويات برنامج الحكومة الجديدة أن المرأة تشكل نصف المجتمع وأنها تقدم الرعاية للنصف الآخر وبالتالي فإنها يجب أن تأخذ دورها في بناء الدولة والمجتمع، يجب أن يتم احترام حقوقهن في كافة المجالات."

في القرى المحيطة بالبصرة لا تجرؤ النساء الخجولات على الشكوى. وتعتبر مها جعفر أن حصولها على التعليم اللازم لمساعدة ابنها ذي السنوات العشر على أداء واجباته المنزلية  هو أكثر من كاف. تقول: "الحياة جميلة، لدينا النهر وأنا لست بحاجة لأي شيء."

هناك خوف كبير في أوساط النساء المتعلمات من أن الأحداث المؤلمة يوميا سوف تبقي مسألة ظلم المرأة تراوح في مكانها. تقول السيدة كريم: "لقد حصل الرجال على أصواتهم ولكن المرأة لن تحصل على دورها في بناء هذا البلد." 


عن "الاندبندت"، (8/6/2006)


بقلم تيري جود، ترجمة يوسف مزاحم/غالية مردم بك، (بالنسبة للمرأة في العراق،الحرب قد بدأت للتو...)

 خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern