قضايا المرأة

لطالما كنت واثقة من نفسي.. لقد علمني والدي منذ الصغر أن أكون مسؤولة مسؤولية تامة عن حياتي بكل تفاصيلها بما فيها قراراتي وتجاربي الخاصة أيا كانت النتائج التي ستحملها لي، وعندما أصبحت أما ارتفع هذا الشعور بالمسؤولية درجات ودرجات، فأنا لم أعد مسؤولة عن نفسي فقط، بل عن روح صغيرة روح إنسان سيكبر يوما ويضيف إلى هذا العالم الجميل شيئا ما.

وهذا لا يجوز أن يكون حالي وحدي بل حال كل النساء في سوريا، فالمرأة لم تعد قعيدة المنزل لا قبل الزواج ولا بعده، بل خرجت إلى ميادين العلم والعمل واستطاعت أن تثبت وبجدارة أنها أهل لكل مسؤولية تحملها..
و هكذا انطلاقا من إحساسي بمسؤوليتي الكاملة عن إنجاب ولدي ومن ثم عن ألا أوفر جهدا في تأمين الحياة الأفضل له، ومن هنا فكرت أن أدخر له شيئا للمستقبل وكان خياري أن أفتح له حساب توفير، وبالفعل انطلقت إلى فرع مصرف التوفير في محافظتي، وكانت المفاجأة التي حملتها لي موظفة الإيداع غريبة جدا..
سيدتي أريد أن أفتح حساب توفير باسم ولدي
وما عمر ولدك؟
أربعة أعوام
حسنا سيدتي ولكن من واجبي أن أنبهك إلى نقطة وهي أنك إذا أودعت هذا المال لولدك فلن تتمكني من استعادته أيا كانت الظروف
ومن يستطيع إذا؟
والده سيدتي
ولكن المال مالي وأنا أودعته
نعم ولكن هذه هي القوانين الناظمة لحسابات التوفير الخاصة بالقاصر وهي نابعة من قانون الأحوال الشخصية السوري، الذي لا يعتبرك أهلا للولاية أو الوصاية على ولدك.
دارت الأرض بي.. هذا الذي تقول أني لست وصية عليه هو ابن قلبي الذي تحملت مسؤولية إنجابه وتربيته وتنشئته، وتحويله إلى مواطن "رجل" كامل الأهلية..!
ووقع نظري عليها.. أمينة الصندوق..هذه المواطنة المؤتمنة على أموال آلاف الناس ولكن يا للسخرية فهي ليست مؤتمنة على أموال ابنها..!
والمفارقة فعلا أن الغالبية العظمى من موظفي مصرف التوفير في طرطوس هن نساء...!
وعادت إلى ذاكرتي نشرة أخبار الأمس.. كانت تقف بقوة وثقة مدافعة عن قضايا بلدها..مؤتمنة على مصالحه.. مستشارة ونائبة لرئيسه..
هل ستقف يا ترى في المصرف بنفس الثقة لتسمع الموظفة وهي تقول لها أو بمعنى أصح لتسمع قانون الأحوال الشخصية السوري يقول لها أنت ناقصة الأهلية
وهل سيمنعونها من السفر بصحبة ولدها.. إذا لم تحمل موافقة وليه..
على اعتبارها ليست ولي أمره.. ولا شيء يؤهلها لتكون.. أيا كانت مكانتها الاجتماعية ودرجتها العلمية والثقافية.
بماذا تحتفل القائمات على الاتحاد النسائي في سوريا اليوم.. وبماذا تفخر كل امرأة سورية وصلت إلى موقع قيادي... إذا كانت أبسط حقوقها الإنسانية مهدورة.. حقها في أن تكون أهلا للوصاية على أبنائها بموجب قانون الأحوال الشخصية السوري الذي يقول:
المادة 170
 1- للأب ثم للجد العصبي ولاية على نفس القاصر وماله وهما ملتزمان القيام بها
2- لغيرهما من الأقارب بحسب الترتيب المبين في المادة 21 ولاية على نفسه دون ماله
 3- يدخل في الولاية النفسية سلطة التأديب والتطبيب والتعليم والتوجيه إلى حرفة إكتسابية والموافقة على التزويج وسائر أمور العناية بشخص القاصر
4- يعتبر امتناع الولي عن إتمام تعليم الصغير حتى نهاية المرحلة الإلزامية سبباً لإسقاط ولايته وتعتبر معارضة الحاضنة أو تقصيرها في تنفيذ ذلك سبباً مسقطاً لحضانتها
والمضحك في هذا فعلا أن بعض النساء تعتبرنه تكريما لهن.. فقد عبرت إحدى الصحفيات عن إعجابها بهذا الإنصاف وهذه المكانة العالية التي منحها الشّرع للمرأة فقد أراحها والحمد لله من المسؤولية المادية والمعنوية عن أبنائها، كما أراحها من الحضور إلى المحاكم وتحمل مسؤولية أخطائهم.
ما هذا الكلام.. الذي لا يقتنع به أي عاقل..!
من يتحمل مسؤولية تربية وتأديب وتعليم الأبناء على أرض الواقع، وإذا لم تكن الأم وحدها من تتحملها فهل يتحمل الأب وحده هذه المسؤوليات اليوم...!! وهذا كله ألا يدخل شرعيا ضمن الوصاية التي ليست أهلا لها..
والمرأة المطلقة من يتحمل مسؤولية الوصاية المادية والمعنوية على ولدها فعليا..!
 أما بخصوص ما يراه البعض جانبا ايجابيا في الموضوع وهو أن المرأة ليست مسؤولة أمام القانون عن أخطاء أبنائها بصفتها ليست ولية أمرهم، فهذا أيضا تشريع لا منطقي فالمنطق يقول:أنك حين تنشئ بناء فأنت مسؤول عن ضعفه ومتانته، وأنت مسؤول أمام القانون والمجتمع عن أضرار سقوطه إذا سقط.. لذلك فالمرأة حين تمنح قانونيا حق الوصاية على هؤلاء الأبناء الذين ربتهم وأنشأتهم، حين يعترف لها بهذا الحق، فستتحمل أمام القانون الجانب الآخر من المسؤولية وهو حصتها في المسؤولية عن أخطائهم إن أخطؤوا... وهذا هو الوضع الطبيعي.
متى سنعترف (كمجتمع وكقانون) للمرأة السورية بإنسانيتها ومواطنتها الكاملة التي هي أهل لها.. ونعدل تلك المواد المسيئة لها في قانون الأحوال الشخصية.
 إن هذا الأمر هو مسؤولية المرأة نفسها بالدرجة الأولى، وكل امرأة تصل إلى موقع يؤهلها لترفع صوتها وتصحح وضعها ولا تفعل فهذا اعتراف صريح منها بعدم جدارتها ونقص أهليتها هي شخصيا.
لقد بات هذا التعديل ضرورة ماسة تقتضيها معطيات العصر التي تجاهلها المشرعون، ولا أدري أ يغفلون أم يتغافلون عن حقيقة أن القوانين الناظمة لمجتمع يجب أن تنبع من معطيات هذا المجتمع في الوقت الراهن.
قوانين الأجداد كانت مفيدة في زمن الأجداد، الذي يفصله عن زمننا أكثر من ألف سنة، تغير فيها وجه العالم أكثر من مرة.. ونحن مازلنا هناك..
ولا يكفي أن ندعي التطور وأن نوهم الآخرين به فالتطور يجب أن يكون فعليا وحقيقيا.. فلا يكفي أن تدعي السلحفاة أن لديها أجنحة لتتمكن من الطيران..


نسرين حسن، (ناقصة الأهلية)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern