قضايا المرأة

ما تزال قضية العاملة المنزلية التي تعرضت لتعذيب وحشي من قبل زوجة الممثل سامر المصري، تتفاعل على أوجه عدة، مؤكدة أن المجتمع السوري هو مجتمع يرفض العنصرية والهمجية ضد العاملات المنزليات الأجنبيات، والتي صارت رائحتها تزكم الأنوف، رغم أن ما ظهر لا يمثل إلا جزءا من قمة جبل الجليد.

Imageفي البداية نود الإشارة إلى أن البعض يتكلم عن اختفاء "ضبط الشرطة" الخاص بهذه القضية؟ فإذا كان هذا صحيحا وجبت محاسبة قسم الشرطة المعني بهذا الأمر. فمن يخفي أو يتلاعب بضبط شرطة يتلاعب بأمن بلد كامل. وإذا صحت هذه الأخبار فإن هذا مخيف لكل إنسان في سورية؟! فهل هذا يعني أن من يملك النقود والشهرة يمكنه أن يتلاعب بالدولة كما يشاء؟ إن وزارة الداخلية مسؤولية اليوم عن توضيح ملابسات هذا الأمر برمته، ومسؤولة عن تقديم تأكيد علني أنها ستتابع القضية وستحاسب كل من يثبت تورطه في هذه القضية، وأن ذلك سيكون علنيا وليس سريا، حتى لا يتمكن من روج قيم الانحطاط بأموال خليجية من أن يلتف على هذه القضية بتلك الأموال.

وفيما يحاول الممثل سامر المصري تلميع صورته عبر وسائل إعلام معينة، يزيد من فضح حقيقة أن ذلك العنف لم يحدث في منزله فحسب، بل بمعرفته ومشاركته. فهو يقع في التناقض تلو الآخر وهو يستميت في تبرئة نفسه بإلقاء اللوم على العاملة نفسها! فمرة تكون زوجته حاملا في الشهر السادس، ومرة في الشهر السابع! ومرة يستغل البعض العاملة ليبتز سامر المصري؟ ومرة سرقت هي مجوهرات ثمينة وأرادت أن تغطي سرقتها؟ ومرة ألقت بنفسها من النافذة (من ارتفاع 15 متر!!!)؟.. إلخ

في دفاعه هذا يكشف المصري أنه اعتقل العاملة المنزلية "اضطررنا في السنة الأخيرة لقفل باب المنزل الخارجي بعد أن ضبطناها عدة مرات تتردد إلى شخص بعينه"؟! منزل المصري صار سجنا لهذه المرأة لأنها ترى "شخصا بعينه"! إذا لم تكن هذه هي العبودية التي يمتلك فيها السيد حياة العبد، فما هي إذن؟

وطبعا لا ينسى الممثل المصري أن يحدثنا عن مشروعه "الإنساني" الذي بدت ماهيته واضحة تماما في خمس سنوات من ترويج انحطاط العنف والتمييز ضد النساء السوريات عبر المسلسل العار "باب الحارة" الذي حفل بإهانات للنساء السوريات لم يسبق لها مثيل على الشاشة ولا في اي من وسائل الإعلام! وقد بدا اليوم مشروعه الإنساني، ومشروع مموليه "MBC" عاريا. فهذه الفضيحة ليست إلا بنت تلك الأفكار! وهذه العبودية ليست إلا بنت تلك "الإنسانية"؟ ولعلنا سنرى الكثير الكثير فيما لو تمكن أحد من كشف المستور في بيوت من دفع كل تلك الأموال لخمس سنوات من أجل ترويج ذلك الفكر الأسود!

إلا أن الحكومة السورية لم تتخذ حتى اليوم، على ما يبدو، أي إجراء لتوضيح ما ستفعله أمام هذه العنصرية التي سبق أن تحدث الإعلام السوري عنها مرارا، مبينا أن العاملات المنزليات الأجنبيات يتعرضن في سورية إلى عنف واغتصابات واعتداءات جنسية وحرمان من الحقوق.. إلى حد بات وصفهن بالـ"عبيد"، ليس مجانبا للحقيقة. فقد سبق أن كشفت حالات تعذيب عديدة، وكشف عنف مستمر على مدار 24 ساعة، وكشف دور مكاتب الإتجار بالبشر (مكاتب توريد العمالة المنزلية) في إيقاع التعذيب والحرمان من الحقوق.. إلا أن كل ما فعلته الحكومة أنها أغلقت بعض المكاتب، دون أن تلتفت إلى عمق المشكلة المتمثل في الوضع القانوني لهؤلاء النساء، وغياب أية آلية قانونية أو  مؤسساتية لحمايتهن.

بل إن سيدة في إحدى سفارات الدول التي تأتي منها العاملات المنزليات سبق أن أجابت على تساؤل لمدير مرصد نساء سورية حول لماذا لا تخصص السفارة رقما أحمر مفتوحا دائما يمكن للعاملات من هذه الجنسية أن تتصلن به في حالات العنف؟ أجابت بأن: هذا ليس عملنا! مما يظهر فعلا أن العمالة المنزلية في سورية باتت تدخل حقا في باب "الإتجار بالبشر"! وهو الإتجار الذي سن له قانون في العام الماضي، حمل وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية والعمل المسؤولية التامة عن معالجة هذا الموضوع. إلا أن تصرفا عمليا لم يظهر حتى الآن، بعد مرور عام كامل على سن القانون!

إن هذا الفيديو يشكل جرس إنذار حقيقي أمام الحكومة السورية، فالحديث يدور عن ما ينوف على ربع مليون امرأة تعمل في هذا المجال من بلدان من مختلفة. جميعهن لا يتمتعن بأية حماية قانونية. جميعهن منبوذات خارج قانون العمل السوري. جميعهن يخضعن لظروف عبودية حقيقية (باستثناء قلة نادرة من الحالات). والشارع والمقهى والمطعم يشهدون على هذه العبودية بكافة مظاهرها، من ملابس العاملات وحتى مشيهن مطأطئات خلف "السادة والسيدات"!

وتجاهل حقيقة أن هذا القطاع من العمل بات قطاعا هاما في سورية، من كافة النواحي، وبالتالي بات المخرج الوحيد من العنصرية التي تمارس اليوم هو ضم هذا العمل إلى قانون العمل، وإجبار المشغلين على الالتزام به، ومنح العاملات كافة الحقوق التي ينصل عليها. وتجاهل الحكومة السورية هذا الأمر (وهو مطابق لتجاهل الحكومات العربية الأخرى مثل الأردن والسعودية وغيرها..)، يشكل سلوكا عنصريا حقيقيا، إضافة إلى أنه يضعها في مجال الشراكة في "الإتجار بالبشر". ويمكن أن ينطبق القانون الذي أقرته الحكومة السورية نفسها بخصوص محاربة الإتجار بالأشخاص، على هذه الحكومة بصفتها المسؤولة عن حماية حقوق الناس في البلد الذي تديره.

ماذا فعلت الحكومة السورية في قضية تعذيب هذه العاملة المنزلية؟
لا شيء واضح حتى الآن. فالحكومة السورية، على عادتها، تفضل دفن رأسها في الرمال بدل أن تتمتع بجرأة (تعادل جرأة ابتساماتها على شاشات التلفاز!) الخروج إلى العلن ووضع الناس في صورة ما تفعله بهذا الخصوص!
ولكننا نخشى أن هذه الحكومة ستقوم، بالتواطئ مع المنظمة الدولية للهجرة، والجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة المسؤولة عن الملجأ الخاص بضحايا الإتجار بالبشر في دمشق، ستفعل ما فعلته دائما: سجن العاملات غير السوريات في هذا "الملجأ" ريثما يتم ترتيب أوراق "ترحيلهن" إلى بلدانهن الأصلية! وواقع هذا الملجأ الذي تحول إلى سجن مؤقت، يفضح حقيقة ما يجري من تواطئ بين الجهات الثلاثة التي لا ترى في هؤلاء النساء إلى مصدرا للمال، "الشرعي منه وغير الشرعي"؟ فيما تتمكن المنظمة الدولية للهجرة من أن تثبت في ملفاتها أنها "ساهمت" في العمل في سورية!!

وماذا فعلت نقابة الفنانين التي تضم الممثل المصري بين صفوفها؟
لم تنبس ببنت شفة حول هذا العمل الذي يشوه صورة الفنانين/ات في سورية، وكان الأجدر بها أن تدين هذا العنف على الأقل، فالفنان/ة يحمل رسالة خير وإنسانية دائما حسبما يفترض، وليس رسالة عنف وحشي وعنصري.

وماذا فعلت المنظمات التي تدعي العمل في قضايا المرأة، أو أي من نشاطاتها الأنيقات؟ (رابطة النساء السوريات، لجنة دعم قضايا المرأة، المبادرة النسائية، الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة...)؟! ولا كلمة واحدة بخصوص هذا العنف! كما لو أن شهرة الممثل الذي روج للعنف ضد النساء بأقذر صوره في المسلسل الذي كان بطله، وبنقود الـ"MBC" (باب الحارة)، هي أهم عندهن من حياة امرأة!

يضاف إلى ذلك أن أيا من منظمات حقوق الإنسان لم تقل كلمة واحدة بخصوص هذه الحالة!  كما لم تقل (إلا نادرا) أي شيء بخصوص جميع حالات العنف ضد النساء في سورية، سواء كن سوريات أم لا!

وماذا عن مواقف الفنانين/ات اللواتي رأيناهن خلال الأعوام القليلة الماضية يتحدثن عن مناهضة العنف ضد النساء في الدراما، وبرامج الإعلام؟ ماذا عن كتاب وكاتبات السيناريو؟ ماذا عن المخرجين والمنتجين؟ لماذا صمت الجميع عن هذا السلوك الهمجي؟ لماذا لا يبرهنون اليوم أنهم فعلا ضد العنف ضد النساء حتى إن أتى من "زميل" له ما له من "شهرة"؟! هل يخافون من تكشف ما في بيوتهم أيضا؟!


قضية هذه العاملة ليس قضية منفردة. بل قضية كل إنسان في سورية. وتندي جبين كل إنسان. ويجب أن يقف الجميع وقفة واحدة ضد جميع الشركاء في هذه العنصرية، ليس فقط بمعاقبة كل الأطراف الشريكة فيها، بل أيضا، وأولا: بإنهاء آليات "الإتجار بالبشر" الممارسة في استقدام وتشغيل هذه العمالة. وهذا لا يكون، مرة أخرى، إلا بضم قطاع العمل المنزلي إلى قانون العمل الخاص. وبالتالي بتمتع النساء العاملات في هذا القطاع، سوريات وغير سوريات، بكافة الحقوق المنصوص عليها في القانون المذكور.

نظرا لصعوبة الوصول إلى الفيدو على اليوتيوب، يمكن تحميله من هنا مباشرة عبر النقر بزر الماوس اليمين، ثم اختيار: حفظ المصدر ك... أو (Save target as..)، ثم اختيار مكان الحفظ على كمبيوتركم/ن.
حجم الملف: 19.3 ميغابايت


بسام القاضي، (هل ستبقى الحكومة صامتة أمام فضيحة التعذيب؟ وأين فنانو/ات مناهضة العنف ضد المرأة؟!)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern