قضايا المرأة

يبدأ العنف القانوني في سورية من الدستور الجديد الذي تضمن بندين يعزلان المرأة عن حقوق مواطنة أساسية، مكرسا التمييز التاريخي ضد النساء. فبصفته "دستورا"، أي مرجعية لكل القوانين وما تحت القوانين (التعليمات التنفيذية للقوانين، والأوامر والتوجيهات والتعميمات..)، يشكل الدستور أساس لكل انتقاص من حقوق المواطنة في سورية.

 

لا لدستور ضد النساءففي المادة الثالثة ينص الدستور على كون دين رئيس الجمورية هو الإسلام، والإسلام لا يقر للمرأة بالولاية العامة، فهذا يضمن حرمان النساء من حق تولي منصب رئيس الجمهورية، لكن الأخطر في المادة هو البند الرابع الذي يمنع رجال الدين في الطوائف المختلفة حق السيطرة المطلقة على حياة النساء في ما يسمى "قوانين الأحوال الشخصية"، فالخلاف الجوهري بين الطوائف المختلفة في الأحوال الشخصية هو حول حقوق المرأة والطفل، والخلاف لا يتعلق بأن إحدى هذه التصورات الطائفية تعطي المرأة حقوقا متساوية، بل في شكل العنف والتمييز المكرس ضدها، فيبنما هو مرتبط عند المسيحيين مثلا بسلطة الكنيسة، يرتبط عن المسلمين بسلطة الله، وعند الدروز بسلطة مشايخ العقل، وهكذا..

وفي المادة الرابعة والثمانون من الدستور نص واضح وصريح على حرمان المرأة من حق تولي منصب رئاسة الجمهورية. ففي اشتراطات الترشيح أن يكون المرشح "متزوجا من سورية". الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بالنسبة للنساء السوريات إلا بعد أن يتم تشريع زواج المثليات، فيمكن للمضللين أن يتكلموا عن اللغة العربية حينها بأن المصطلحات الذكورية تشمل الإناث أيضا، ويصير ممكن تفسير "سورية" بالتاء المربوطة على أنها تشمل أيضا امرأة سورية متزوجة من امرأة سورية.

وقوانين الأحوال الشخصية السورية، بكل طوائفها، هي عنف صريح ضد النساء يقيم أسرة ذكورية على حساب وضع النساء في مرتبة الخادمات في البيت، والمنجبات في الولادة. كذلك هي قوانين الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية (والكاثوليكية منها التي روج البعض نفاقا أنها "تراعي المساواة")، والإسلامية، والدرزية، واليهودية.

وما سيأتي من تعديلات وإضافات على هذه القوانين، وقوانين أخرى طائفية مرشحة لتسود على حياة السوريين بظل البند الرابع من المادة الثالثة من الدستور الجديد، سيكون أشد وطأة وأمر عنفا ضد النساء. فمرة أخرى، قانون الأحوال الشخصية هو بالضبط قانون إدارة العلاقة بين النساء والرجال ونتيجة زواجهما (الأطفال)، وهو المحور الرئيسي في تصورات جميع رجال الدين كوسيلة أساسية للسيطرة على حياة الناس من خلالها. وجميعهم، مع استناد كل إلى مرجعه، يقولون بالسلطة للرجل كـ"رب البيت".

وكذلك يشكل قانون العقوبات أحد القوانين التي تكرس العنف ضد النساء السوريات صراحة، لا مواربة. فمن المادة 192 حامية القتلة بذريعة الشرف، التي تسمح لكل ذكر بهيمي أن يتقل زوجته أو اخته أو ابنته أو حتى أمه ثم يدعي أنه ارتكب جريمته بداعي "الشرف"، حتى يصير بإمكانه الحصول على وسام بطولة بتخفيض عقوبته إلى حد قد يصل إلى 6 أشهر.
وما تعديل المادة 548 من القانون نفسه، سوى ذر للرماد في العيون. فأولا كل تعديل على هذه المادة هو نفاق، لان التعدي الوحيد الذي يلغي تنازل الدولة عن حق القصاص للمجرمين هو إلغاؤها كليا.
وثانيا: لم يمس أحد المادة 192 التي تشكل المستند الاساس في ارتكاب جرائم القتل البهيمي المسماة "جرائم الشرف"، وهي المادة التي يستفيد منها القتلة على الدوام.

كذلك، يتضمن القانون نفسه (قانون العقوبات) موادا عدة تكرس العنف ضد النساء، سواء التمييز في العقوبات ضد الجنس خارج إطار الزوجية، أو في السماح للمغتصب بالزواج من ضحيته، أو غيرهما..

وقانون الجنسية، الشهير، ما زال يعاقب النساء اللواتي يفكرن بالزواج من رجل غير سوري بعقوبة قبلية بحتة. فمن تتجرأ على فعل ذلك يحرم أطفالها من جنسية امهاتهم! رغم أن الجميع في سورية لا يكف عن الكلام النفاقي حول الأم التي تربي، وتصنع  الأخلاق والقيم والولاءات الوطنية للأطفال..

رغم ذلك، من الإنصاف القول أن أغلب القوانين السورية لا تمييز بين الرجال والنساء، وبعضها ذو قيمة كبيرة فعلا كقانون العمل العام الذي يلزم بأجر متساو للعمل نفسه بغض النظر عن جنس من يقوم به.

وكذلك، وإن كان يحتاج إلى جهد كبير وعمل مثابر، فإن البند الثالث من الدستور: "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ."، يسمح بالأمل بإلغاء هذا الاضطهاد الذكوري للمرأة السورية الذي مضت عليه عشرات آلاف السنين، والأهم أنه قد مضى عليه نصف قرن من تطور سورية السريع في كافة المجالات، فيما لا تزال حقوق النساء تعاني من سيطرة ذكورية مطلقة سواء في الثقافة المجتمعية، أو السلطة الدينية، أو السلطات السياسية والفكرية في الدولة وخارجها.


خاص: مرصد نساء سورية، بسام القاضي، العنف القانوني ضد النساء في سورية20/4/2012


0
0
0
s2smodern