قضايا المرأة

لابد أن نعلم أن عنف المرأة يدخل ضمن مفهوم العنف كظاهرة كبرى، ومفهوم العنف الأسري كظاهرة أصغر، وفي هذا المفهوم لا تزال المرأة هي الضحية الأولى. ومنذ صدور القرار الدولي الأول عام 1990 لمكافحة العنف ضد المرأة، وإقامة الفترة من 25 نوفمبر إلى 10 ديسمبر من كل عام لتنظيم حملات للقضاء على هذا العنف، إلا أن تلك الجهود لم تحد أو توقف العنف الأسري ضد المرأة، بل أشارت التقارير إلى أن الظاهرة في ازدياد سواء في الكم أو في شكل العنف، أي ظهرت أشكال مختلفة من العنف لم تكن معهودة في السابق. وذكرت منظمة الصحة العالمية أن ثلثي نساء العالم يتعرضن للإساءة والعنف، ففي فرنسا نسبة العنف ضد المرأة 10%، و في أمريكا أربعة ملايين امرأة يتعرضن للعنف من أزواجهن، و25% من النساء في بريطانيا يتعرضن للضرب، وفي العالم العربي أرقام قريبة، حيث أشار المركز القومي للبحوث بمصر أن نسبة المعنّفات من أزواجهن تصل إلى 35%.


هناك ضرورة أخرى لتعريف العنف وأسبابه بشكل عام، قبل أن نحلل عنف المرأة، فالعنف كظاهرة اجتماعية يعرّف على أنه «استخدام الضغط أو القوة استخداماً غير مشروع أو غير مطابق للقانون من شأنه التأثير على إرادة فرد أو جماعة ما». ولكن هذا لا يعني أن العنف والعدوان لا يظهر بالعكس، أي من المرأة تجاه الرجل (الزوج)، في صورة ضرب أو أي صورة من صور الاعتداء الجسدي، أو صور أخرى مختلفة تصل إلى القتل.

أهم أسباب العنف لدى المرأة
أولاً: العدوان المدمر كاستجابة للإحباط والحرمان من الحقوق (العدوان الاستجابي).. ما الذي يجعل كائنا يتصف بالرقة والأنوثة يتحول إلى كائن مدمر؟
نقول في البداية إن علم النفس لا يفرق بين رجل وامرأة في بعض السلوكيات المرتبطة بالسلوك الغريزي البدائي مثل العدوان، وهناك قانون نفسي يتفق عليه معظم علماء النفس، أن الإحباط يولِّد العدوان، وهنا يفسر سلوك المرأة العنيف عندما تواجه إحباطات، بمعنى أنه تمنع من أن تصل لحقوقها المشروعة، وتتقطع بها السبل، ولا تجد من ينصفها تتحول إلى كائن عدواني، وشاهدنا هذا في أحداث مؤسفة تتسبب فيها المرأة في القتل أو الحريق أو الانتقام.
ثانياً: العدوان السلبي، فعدوان المرأة أو الزوجة ليس بالضرورة أن يكون في شكل ضرب أو قتل أو فعل إيجابي، هناك ما يسمى بالعدوان السلبي، وهذا أيضاً ينتج بسبب الإحباط، لكن هنا تنعكس العدوانية على الذات، إما بالانسحاب للمرض النفسي، أو الانتقام من الذات، أو من أشخاص لهم علاقة بالزوج، مثل أبناء الزوج أو ممارسة أعمال تخريبية، أو بالأعمال الكيدية. وهذه الأعمال الكيدية التي وصفت بها المرأة تاريخياً، ليس لأنه طبع مترسخ لدى المرأة وأخلاقها، لكنه أحياناً يكون الوسيلة الوحيدة للوصول إلى حقوقها، أو التنفيس عن غيظها في مجتمع يشجع الظلم على المرأة، ويتعامل مع المرأة على أنها كائن هامشي، حتى تصبح في مخيلة الرجل الصفات الوضيعة للمرأة صفات متوارثة، وحقيقية تعكس تعامله بقسوة وتعالٍ.
ثالثاً: الثقافة الذكورية.. وقد يسأل سائل كيف تكون ذكورية لدى المرأة؟ الذكورية هنا لا تعني الرجولة فالذكورية هي أدوار قد تظهر عند المرأة كما هي عند الرجل، والتحليل النفسي يرى أنها أدوار قد تنشأ عن عقد نفسية من الطفولة، وقد تكون هذه الحالة تتجاوز دور الشخصية الذكورية، إلى اضطراب الهوية أو بسبب اضطراب الهوية الجنسية.
رابعاً: تبادل الأدوار.. وتتغير الأدوار عندما تأخذ المرأة دور الرجل المتمثل في السلطة، وتتحول هذه السلطة تدريجياً إلى تسلط، يصحبه تراجع لدور سلطة الرجل. وهناك ظروف تنشأ بشكل تفاعلي أثناء الحياة، تتراجع فيها سلطة الرجل وتتعالى سلطة المرأة، وتكون هذه بسبب ضعف شخصية الرجل أو اتكاليته، أو ظروف قاهرة للرجل تجعله يتكيف مع حياة المرأة المتسلطة، بسبب الخوف من التفكك الأسري والخوف على الأطفال.

أسباب موضوعية أخرى
قد تكون هناك أسباب مباشرة لاعتداء المرأة على الرجل، منها الغيرة، والخيانة الزوجية، والزواج بأخرى، والوظيفة والدخل المادي، وتعاطي المخدرات.
وهناك أسباب تتعلق بطبيعة المرأة الجسدية، مثل فترة التغيرات المزاجية المصاحبة للدورة الشهرية، واكتئاب ما بعد الولادة. وأيضاً هناك سبب يتعلق بالحرمان المادي، وحرمان الحقوق الذي يولد العدوان المضاد. وقد أعدت هذا السبب لأهميته، وقد شاهدنا الكثير من الحالات سواء في مراكز إرشاد أو استشارات أسرية، أن الكثير من الأسر بينهم عقد زواج رسمي، لكن الواقع معاناة متنوعة، مادية في شح النفقة، وامتهان الحقوق، وسوء المعاملة والتقصير، خصوصاً عند الزواج من أخرى.


د. جبران يحيى، (أسباب موضوعية تصنع عنف النساء على الأزواج!)


عن صحيفة "الشرق" السعودية، 26/4/2012)


0
0
0
s2smodern