قضايا المرأة

لا تقتصر تداعيات العنف على ما نراه بالعين المجردة فقط. خاصة حينما يأخذ منحى الصراع العسكري واسع النطاق كما يحدث اليوم في سورية من صراع بين الشعب السوري، ومجموعات من الإرهابيين الخونة الذين قرروا تدمير سورية المدنية لصالح دولة دينية فاشية منسجمة تماما مع المشروع الأمريكي-الأروبي لإعادة ترتيب المنطقة.

بل تتوسع آثاره لتطال كافة فئات المجتمع، ولتأخذ أشكالا مختلفة بعضها لا يكون واضحا.

 

واحد من هذه الأشكال هي تحميل أسرة الإرهابي، خاصة والدته، إثم ومسؤولية ما يقوم به هو من إجرام! رغم أن إجرامه غالبا ما يبدأ بأسرته نفسها، قبل أن ينتقل إلى المحيط والمجتمع والوطن بشكل عام.

ويتجلى عنف الإرهابيين ضد أمهاتهم أولا، وأسرهم ثانيا، بإجبارهم على الخضوع لتصورات الإرهابي نفسه. سواء كان ذلك في اللباس أو السلوك، أو (وهو الأهم) في موالاته على ما يقوم به من إرهاب، تحت التهديد المباشر والصريح أحيانا كثيرة، والتهديد الناجم عن كونه إرهابي مسلح في أحيان أخرى.

ففي الكثير من الحالات التي توثق منها مرصد نساء سورية قام الإرهابيون بتهديد أعضاء أسرهم أنفسهم بأنهم سيكونون أول من يذبحون إن لم يفعلوا ما يريده الإرهابي! وإن لم يمدوا يد العون والمساعدة له!

في إحدى هذه الحالات، على سبيل المثال، قام الإرهابي بجلب مجموعة من شركائه إلى البيت بسلاحهم الكامل، وأجبر كل من فيه على خدمتهم، مؤكدا أن خدمة هؤلاء هي "ثواب عن الله"!

في حالة أخرى قام إرهابي بجلب ثلاثة من شركائه إلى بيت الزوجية، وحاول إجبار زوجته على أن تمارس الجنس معهم، مدعيا أن ذلك "لخدمة الثورة"! لولا أن تمكنت من الفرار من البيت في غفلة لتلتجأ إلى بيت أحد أقربائها الذي تمكن من التصرف بطريقة حمتها من هذا الاعتداء الوحشي.

وفي حالات كثيرة أخرى كانت الأمهات تحديدا مضطرات لإظهار الولاء الكامل للإرهابيين وتصوراتهم بسبب من معرفتهن العملية والواقعية أن الإرهابيين لا يتمتعون بأي أخلاق أو قيم تستثني الأمهات من إجرامهم.

وغالبا ما تتعرض هؤلاء النساء إلى اضطهاد مجتمعي عام بسبب من انخراط أبنائهن (أو أزواجهن) في الإرهاب. حتى حين يهربن من المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون مؤقتا (ريثما يتمكن الجيش من تنظيفها منهم)، فكثيرا ما يبقين تحت دائرة الاتهام والشك. رغم أن هروبهن بحد ذاته هو دليل على رفضهن الإرهاب ومن يمارسه. إلا أن الناس يجدون صعوبة في فهم مدى التناقض والصعوبة البالغة في التعبير عن مواقفهن المناهضة لإرهابيين هم، في النهاية، أبناؤهن أو أزاجهن!

لا ينفي هذا طبعا أن الأمهات هن إنسانات قبل أن يكن إمهات. وأن بعضهن انخرطن فعليا في الإرهاب بكامل إرادتهن. وهن بالتالي إرهابيات ينطبق عليهن كل ما ينطبق على الإرهابيين سواء كانوا أمهات أم لا.

من هنا، لا بد أن نترفع عن ردود أفعالنا العاطفية المباشرة، إلى الفهم الأعمق لحقيقة هذه المشكلة. فهؤلاء النساء لسن إرهابيات، ولسن مواليات للإرهاب. بل إن أغلبيتهن الساحقة هي رافضة للإرهاب، وبعضهن مناهضة له بطريقتها.

وتحميلهن مسؤولية ما يرتكبه الذكور في أسرهن، سواء كان الذكور أبناء أو أزواجا، هو خطأ فادح نرتكبه كل يوم، يرتب على هؤلاء النسوة الضحايا المزيد من العنف والاضطهاد في الوقت الذي يحتجن فيه، حاجة ماسة، إلى من يفهم ويتفهم ظروفهن القاسية والصعبة والمتناقضة.


- نساء سورية، 5/12/2012، (نساء أسر الإرهابيين.. ضحايا منبوذات يتجرعن العلقم مرارا وتكرارا)

خاص: مرصد نساء سورية


0
0
0
s2smodern