جرائم الشرف

أخيرا.. قتلها! ما كان عليه الانتظار كل هذه المدة! لقد انتهى ذلك الاحتفال على مذبح الشرف! وكالنعجة ذبحها.. أخته العزيزة، صغيرتهم المدللة!

ذبحها في تلك الساحة القريبة، حيث تذبح النعاج أضحيات للعيد، وها هي أضحية جديدة يقدمونها للرب.
أضحيات العيد، يغسلون بها ذنوبهم.. وأضحيتهم البشرية سيغسلون بها شرفهم، شرفهم الرجولي المقدس.
لقد قتلها بيديه هاتين، اللتين مازالتا مخضبتين بدمها الأحمر القاني.
مازالت نظرتها الأخيرة تحاصره وتعاتبه.. لكنه لم يكن يبالي بما كانت تقوله عيناها، لم يكن يقرؤها، لم يكن ينظر إليها.. كان غائبا.. مشدوها.. مجنونا.. كان يسمع صوتا واحدا فقط.. اقتلها، واغسل شرفك.
كالنعجة ذبحها، بيد باردة قتلها.. بذات اليد التي كان يطعمها فيها عندما كانت تلك الصغيرة المدللة، التي كان يخبئ لها قطع السكر التي كانت تحبها.
تذكر طفولتها المرحة، وكيف كانت تختبئ خلفه وتقول له.. أحزر من أنا؟ أنت عصفورتي الصغيرة.. آه كم كان يحبها.
انتهت حفلتهم.. وسارع أشقاؤه ليحملوها بعيدا وليدفنوها مع إثمها.. وليدفنوا معها ما ضاع من شرفهم الذي غسلوه بدمها.
وقف محنيًّ الظهر، كئيبا، يتأمل يديه المدماتين.
مثقلا بالحزن والجراح، قادته خطواته الحزينة إلى منزلهم.. منعزلا عن الجمع المحتفل ما بين مغرّدٍ وغاضب، أو غير مصدق.. لكنهم جميعا كانوا متفقين على قتلها.
فكر.. ألا يوجد معان للشرف غير هذا المعنى في حيّهم، وهل اكتملت كل معاني الأخلاق عندهم، ولم يتبق لهم إلا فتياتهم ليكونوا عليهم نواطيرا لأغشية بكارتهم المقدسة.. أهذا ما يريده إلههم حقا!!
ترك الجمع وانسلّ عائداً، علّه يجد في وحدته ما يخفف شعوره ببشاعة جريمته.
كانت أنفاسه متسارعة ووجهه يتصبب عرقا، ورأسه تكاد تنفجر كبركان ناري ينتظر إشارة البدء.. كم تمنى الموت في تلك اللحظة.
قادته قدماه إلى غرفتها، مازالت أشياؤها تنتظرها، تأمل الغرفة.. والجدران، صور لأفراد عائلتها كانت تزينها.. وجد صورة له على يمين سريرها.. آه كم كانت تحبه.
كانت قد أتمت الخامسة عشر من عمرها منذ أيام.. مازالت طفلة.. كيف قتلها!! كان عليه قتلها.. نعم هي لم يكن لها ذنب فقد تعرضت صغيرتهم لاعتداء جنسي متوحش من قبل مجرم ينقصه أن يكون إنسانا.. لكنها دفعت الثمن..
حدث ذلك منذ أشهر عندما كانت أخته عائدة من زيارة لها لبيت أقرباء لهم، كان الجو ماطرا، والطرق خالية إلا من القطط الشاردة، فاستغل المجرم وحدتها، واغتصبها في مدخل أحد الأبنية المهجورة.
اختلط صوت المسكينة حينها بصوت الرعد والمطر والرياح.. فلم يسمعها أحد.
هرب المجرم.. وعادت الضحية الصغيرة إلى البيت باكية.. مضطربة.. مدماة بالخزي والعار.. وشعر باضطرابها بعض سكان الحي.. فكانت الفضيحة.
لم يتصلوا بالشرطة، فلم يكن ينقصهم مزيدا من الفضائح.
وهرب المجرم بفعلته باحثا عن ضحية جديدة ليغتصبها.
(قتلت أخته المسكينة مرتين، عندما اغتصبت بوحشية، وعندما قتلها هو بوحشية)
منذ ذلك الحين، لم يكن يجرؤ على النظر في وجوه الناس.. خنقه شعوره بالذل والعار.. يعرف أن صغيرتهم لا ذنب لها.. لكنه الشرف.
تحمل نظرات الناس في حيهم، حتى هذا المساء عندما كان عائدا من عمله، وقد صادف وجود ابن جار لهم ذلك المراهق المتسكع دائما.. كيف حال أختك؟.. قال له.. ألا تريد صديقا لها؟! ثم ضحك تلك الضحكة المقززة.
لم يعد يتذكر شيئا بعد ذلك.. لا يتذكر إلا نظراتها البائسة المعاتبة.. كانت تريد أن تقول له شيئا، لكنه لم يسمع.. أصابه الصمم.. سحبها كالنعجة إلى تلك الساحة.. ساحة النعاج.. وانتهى كل شيئ بسرعة، حتى أنها لم تعِ ماذا يحدث.. كانت المسكينة تصرخ.. أخي.. أرحمني.. أنا لا ذنب لي.. لم يسمعها.. كانت تناديه يوسف.. أرجوك يوسف.. يو.. ثم سكتت.
ذبحها بسرعة.. ذلك أرحم لها، فهو لا يريدها أن تتعذب كثيرا.. فهو يحبها.. ضحكة كئيبة خبيثة أطلقتها روحه.. يحبها ؟! نعم يحبها.. أهذه هي عنوايين الحب لديهم.. القتل ؟ !! ما هو عنوان الكراهية.. إذا ؟!!
جلس على كرسي في غرفتها.. هذه طاولتها، كان يحلو لها كتابة خواطرها عليها.. كانت تحب الكتابة، وكانوا يسمونها الراوية الصغيرة. فنجان الشاي الذي كانت تشرب منه.. مازال دافئا كدمها.. لم يبرد بعد..
اقترب من سريرها، تخيلها غافية فوقه.. رفع الغطاء.. قربه من أنفه.. أنعشته رائحتها الذكية التي تعبق برائحة الصابون.. كيف يمكن لمن بنظافتها أن تدنسهم؟!
تلمس وسادتها الزهرية الطرية.. وجد ورقة مطوية بعناية.. ما هذا؟! تسارعت دقات قلبه.. هذا خطها.. بدأ يقرأ:
" يا رب ساعدني.. كوابيس تنتابني كل ليلة منذ ذلك المساء.. ولا أستطيع النوم أتخيل أشباحا يعتدون علي ويغتصبوني مرارا كل مساء.. وأصحو باكية خائفة يا رب.. أنا بحاجة لمن يساعدني، لكن أحدا من أهلي لا يطيق رؤيتي، حتى أمي الحبيبة الحنونة.. لماذا يقسو قلبها عليّ؟! وأخي يوسف الذي كثيرا ما لجأت إليه لحل مشاكلي.. يتهرب مني.. لا ينظر حتى إليّ.. كان ما حدث فظيعا، لقد تألمت كثيرا.. ذلك الحيوان.. أشعرني أني خلقت حيوانا منتهكا ولست إنسانة.. لكني أحتاج إلى أهلي لأتخلص من هذه الكوابيس.. أحتاج إلى أمي.. أنا أتألم كثيرا.. كم أتمنى الموت.. "
بقيت عينا يوسف جامدتين.. محدقتين في ما بين السطور.. وجه جامد بلا تعبير وكأن الزمن قد توقف.. صورة ثابتة لوجه رجل محنط.. لا حياة فيه..
مرت الدقائق بطيئة جدا.. وشعر يوسف أخيرا بالاختناق.. أراد أن يتنفس.. فتح النافذة.. نسمة عليلة داعبت وجهه المتيبس..
 شعر بروحه تعود من جديد..
 من عينه انهمرت دمعة حسرة.. وألم..
 مسح دمعته بيده الملطخة بالدماء..
 انهمرت دمعة أخرى.. تبعتها دمعات
 خطوط حمراء تتعرج على خديه..
 ها هو الآن يبكي أخته الحبيبة.. الطفلة البريئة..
 ها هو يبكي.. ندما
 ودموعه تجري.. دما


 ابتسام سردست، (حب على مذبح الشرف!)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern