جرائم الشرف

أثناء شهر رمضان الماضي اتخمنا بالمسلسلات السورية لاسيما ذات البيئة الدمشقية القديمة والتي ترسخ لقيم وتتغنى بعادات لم تعد موجودة أصلا في حياتنا وبعضا منها نحمد الله ع اختفاءها كتلك التي تتعلق بالمرأة ومعاملتها كأساس في المنزل أو هي مجرد أداة لصنع الأولاد ثم الاعتناء بهم؟!

لا اعرف لماذا لازلنا نمجد أبطال هذه المسلسلات ونحاول تقليدهم في حياتنا اليومية كيف كان أبو عصام رجال بحق عندما طلق زوجته سعاد في باب الحارة لأسباب تافهة وغيرها كثير وكيف يحق للرجل الزواج بأكثر من واحدة ووو.... وهنا أحب لفت النظر إلى المسلسلات التي تمثل البيئة البدوية لتعيدنا إلى الوراء عقود في الوقت الذي سبقنا به الغرب بأشواط ونحن لازلنا معجبين برجولة الفتى الشرقي وفحولته ففي احد المسلسلات رأينا كيف أصبح ابن عجلان على كل لسان في القبيلة وموضع سخرية واستهزاء لأنه قبل زوجته المريضة ع وجهها ولأنه كان يجلسها معه ع مائدة الطعام ليأكلا سوية بينما كانت العادة أن تنتظر المرأة حتى ينهي الزوج طعامه ثم تأكل بعده...
بعد رمضان عدنا لحمى كانت اجتاحت الوطن العربي قبله وهي المسلسلات التركية المدبلجة متمثلة بمسلسلي نور وسنوات الضياع.... وكيف انتقل هذا الشاب العربي من الإعجاب بأبطال البيئة الدمشقية إلى درجة تقليد طريقتهم بالكلام الآن أصبح كل فتى يشبه نفسه بمهند حتى ينال إعجاب الفتيات وأصبح الجميع بقصة الشعر نفسها ونمط الملابس نفسه وبدأنا نسمع بحوادث الطلاق والخلافات بين الأزواج بسبب مهند ونور وكل امرأة تريد من زوجها أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مهند ويعاملها كما يعامل مهند نور غير مدركين أن لا وجود لمهند هذا إلا في المسلسل وربما يكون في حياته العادية كأي رجل عادي أو ربما أسوأ.
و الآن عود على بدء وبقوة أكثر ولكن وللمرة الأولى يلفت نظري أن احد هذه المسلسلات وقد انتهى عرضه مؤخرا "لا مكان لا وطن" يقدم موضوعا على قدر كبير من الأهمية وهو جرائم الشرف والملاحظ تعلق مشاهدينا بالمسلسل والتعاطف الكبير مع بطلته التي أحبت ومارست الحب مع حبيبها ومطالبة القرية بكاملها بقتلها لدفن عارها معها بينما شهدنا حاله مماثلة في المسلسل المحلي " أهل الراية " الذي يمثل البيئة الدمشقية القديمة أيضا وكيف أقدم زعيم الحارة وكبيرها على قتل ابنته البكر بسبب وشاية من زوجته الثانية على أساس أن هذه الفتاة قد مارست الرذيلة ولم تشفع لها عنده بكاؤها ولا طفولتها وبعد مقتلها كبر في عيون أهل الحارة أكثر على اعتبار انه تخلص من عاره.
وجدت التعاطف الكبير من قبل شارعنا لكن هل كان هذا التعاطف مع الفتاة التركية المذنبة" بنظرهم " ولم المح التعاطف مع الفتاه الشامية البريئة؟
ولكن هذا التعاطف هل كان مع الفتاة كبطلة مسلسل أو مع الممثلة أو مع الشخصية التي تؤديها أم مع الموقف بشكل عام الذي فعلا يدعو ليس إلى التعاطف فحسب بل إلى الاحتقار والاشمئزاز من موضوع جرائم الشرف!!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا... لما تعاطف مشاهدنا مع بطلة المسلسل بينما لو كانت هذه الفتاة واحدة من مجتمعنا لقامت الدنيا ولم تقعد ولنفذ فيها حكم الموت بدون أي رادع أو ضمير وهذا ما حصل ويحصل دائما على الرغم من كل الأصوات التي تنادي في الآونة الأخيرة لإعادة النظر في قانون جرائم الشرف ولكن لا نلحظ آذاناً صاغية لها.
أليس من المعيب أن تصنف دولة تتجه نحو العلمانية كسوريا في المرتبة الخامسة عالمياً والرابعة عربياً في انتشار جرائم الشرف، حيث إن عدد الجرائم المرتكبة بداعي الشرف في الأعوام الخيرة وصل إلى 200 -300 جريمة؟
مع ذلك فحال البلاد العربية جميعا ليس أفضل حالا من سوريا فالأردن على سبيل المثال تشهد نسب جرائم الشرف تزايد كبير ويصل المعدل السنوي للجرائم الواقعة بدعوى الدفاع عن الشرف حوالي 25 جريمة قتل.
فهناك إذا أكثر من 5000 امرأة وفتاة تقتل كل عام باسم الشــرف.. والأسباب تختلف بين إقامة علاقة جنسية، التحدث مع شاب، الفرار من المنزل، الزواج بشاب من غير ملة ودين، رفض الانصياع لأوامر الأهل، وحتى إن بعض الضحايا قتلن بسبب "تعرضهن للاغتصاب" كعقوبة لهن....!
والمضحك المبكي أيضا هنا أن الأردن في مقدمة البلدان العربية تأثرا بالمسلسلات التركية فقد اخبرني صديق لي يعمل في السجلات المدنية الأردنية انه بالرجوع إلى هذه السجلات تبين
أن ما بين 50 إلى 70 مولودا من بين 288 من المواليد الجدد في الأردن، سجلوا بأسماء "يحيى، ولميس، ومهند، ونور، وأنور ودانا".
وليس مبالغة إذا تحدثنا عن حجم الأثر الذي تحدثه المسلسلات التركية المدبلجة على الشارع الأردني، حتى أن الشباب أصبحوا يرغبون في الزواج بفتيات تشبهن "لميس" و"نور" يصفقون ويهللون للميس ومطالبين الفتيات الأردنيات بالتشبه بها متناسين بالوقت نفسه أن هذه الفتاة "لميس" قد أنجبت بلا زواج وقد هلل الشارع الأردني بهذه المناسبة وأطلقت العيارات النارية
 بالرغم من التقدم العلمي والحضاري الذي شهدته المملكة منذ تأسيسها عام 1921، إلا أن هناك تقليد لازال منتشرا في الريف والمدينة رغم تحريمه شرعا لأنه يلحق "الاثم بجميع الأطراف المشتركة بإجرائه" وهم (الزوج والزوجة والطبيب الذي يجري الفحص ويلحقه عقوبة تعزيرية)، وهو مراجعة المركز الوطني للطب الشرعي في عمان وشمال وجنوب المملكة من اجل تقديم طلب لفحص العذرية لمجرد عدم ظهور علامة العذرية (النزف الدموي نتيجة تمزق غشاء البكارة) عند أول اتصال جنسي.
وذلك انصياعاً لمواريث مجتمعية بالرغم من مخالفتها للشرائع السماوية والحقائق الطبية,إلا أن القانون لا يعاقب أيا من أطرافه وكذلك لم تتقدم أي جهة تشريعية للمطالبة بوقف إجرائه. بعض الحالات جرى إجراء فحص العذرية لها بالمركز لإثبات عدم تعرضها لاستغلال جنسي لتغيب الفتاة عن منزل ذويها أو لتعرضها لاغتصاب أو أي نوع من الاستغلال الجنسي تحت ما يعرف باسم "جرائم الشرف".... تكفي مجرد شبهة للحكم على الفتاة بالموت "بالرصاص، بالذبح، بالطعن، بتقطيع الأوصال، بالخنق، بالسم، بالرجم وبدفنها حية!" لغسل عار العائلة. جريمة الشرف هي جريمة بلا شرف. جريمة الشرف هي جريمة ضد الإنسانية وليس لها أي مبرر أخلاقي أو ديني أو أي مبرر آخر... لن نستطيع أبدا أن ننسى هدى أبو عسلي.. إلا أنها ليست الوحيدة التي حزت سكينُ التخلف عنقها، أو اخترقت رصاصاتُ الذكورة قلبها..ففي كل يوم نسمع عن هدى ابو عسلي جديدة كما أن (سوريا) او (الأردن) ليستا المناطق الوحيدة التي (اعتادت) قتل النساء.. وبما أن الحالة متفشية في الوطن العربي ككل لذا آن الأوان الآن لنقول: لا لجرائم قتل النساء! لا لتخفيف العقوبة على القاتل أيا كانت أعذاره!
ولن نكون الأوائل في هذا. تونس سبقتنا وألغت المادة المتعلقة بجرائم الشرف .بل وضعت نصا يفيد بتشديد العقوبة إذا كان الزوج هو الفاعل، لرابطة الزوجية!
وفي سوريا مفتي سوريا الشيخ احمد بدر حسون طالب بإجراء تعديلات في الأسباب التي تمنح حكما مخففا في "جرائم الشرف" وسط تحذيرات من فتح "باب الفاحشة" بعدما سجلت الملفات القضائية في البلاد ارتفاعا في الجرائم المأساوية القائمة على أساس غسل العار.
ويأتي الملتقى الوطني الأول حول جرائم الشرف بسوريا الذي أقامته الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون مع وزارتي العدل والأوقاف، بهدف تطويق ظاهرة مرعبة هي القتل تحت ذرائع تمس الشرف بالدعوة إلى إلغاء مادة في القانون السوري تبرئ مرتكبي جرائم الشرف، وتوسيع مجالات الزنا التي يعاقب عليها القانون.
إذ يذكر أن المادة 548 من قانون العقوبات السوري تعطي الرجل الذي يقتل زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته بداعي "الشرف"، حق الاستفادة من العذر الذي يجعله في حكم البريء، أو الاستفادة من الحكم المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر، تشترط التلبس للعمل بها". كما أن المادة 192 تنص على تخفيف الحكم بناء على اعتبارات الشرف.
جميعنا نشعر بالأسى والحزن كلما نسمع عن فتاة قتلت من قبل أب أو أخ صغير لا يعرف ماذا يفعل أو عم أو خال والعذر الذي هو دائما أقبح من الذنب "جرائم الشرف"؟
عن أي شرف يتحدثون؟! ولما يلصق الرجل شرفه بالمرأة أمه كانت أم أخته أم ابنته أو زوجته أم أم أم؟!
من أعطاه هذا الحق الإلهي بسلب حياة؟.
هل هو الله؟ أم القانون؟ أم المجتمع؟ أم أم أم؟
لماذا لا يهتم الرجل بشرفه الخاص ويدع للمرأة شرفها كلاً يحافظ عليه كما يريد
لما يعتبر الرجل انه بحجره على الأنثى التي تخصه كجارية انه يحافظ على شرفه؟! لما حصر مفهوم الشرف بهذا المجال الضيق اللعين...
أليس الكذب السرقة الخيانة........ من الشرف؟
أم أن الرجل يستطيع أن يكون سارقا قاتلا خائنا الخ الخ إلا انه يحافظ على عرضه كما يقولون من أن يمسه أحد حتى لو بالكلام أو النظر وبذلك يكون إنسانا شريفا؟ دون ذكر أن يكون قد انتهك أعراض الكثير من الأشخاص الآخرين...
فأي مجتمع هذا الذي نحيا فيه؟ لما يفاخر الرجل عندنا بعدد العلاقات التي أقامها مع الجنس الآخر بغض النظر عن نوع هذه العلاقات ولا يتردد بذكر كم مرة كان الأول وقام بفض بكارة الكثير من الفتيات الصغيرات ولا ينتابه أي شعور بالخجل وهو يذكر بطولاته في الاستحواذ على امرأة صديقه أو مديره أو أو.... و بالمقابل إذا وقعت أخته الصغيرة بحب ابن الجيران فانه لن يتردد بذبحها لمجرد مشاهدتها تقف معه بعيدا عن أعين الناس دون أن يسألها ويكون ذلك على مرأى ومسمع أهالي القرية الذين سيصفقون له لغسله العار الذي كان سيلحق بالأسرة وسيكون البطل الشريف متناسين كل ما فعله هذا الرجل الشريف من أمور أخرى؟
فأي مجتمع هذا يصفق لوحش بشري سفك دماء بريئة بحجة الشرف... وأي قانون هذا الذي يحمي هذا الوحش من جدران السجن الذي لن يفيه حقه حتى لو مات بين جدرانه
يتحايلون على القانون ونقف متفرجين كأن يدفعوا طفلا في العاشرة من عمره لقتل أخته وهو لا يدري ماذا يفعل ولماذا وإنما تنفيذا لأوامر أبيه أو أخيه الأكبر حتى ينجو من العقاب أليست هذه جريمة عن سبق الإصرار والتصميم؟
إلى متى سنبقى ساكتين واضعين أيدينا على أعيننا وآذاننا وأفواهنا كي لا نرى ولا نسمع ولا نتحدث عن ما يحدث... عن أي شرف تتحدثون؟ عن أي تطور تتحدثون؟
ما الغاية والهدف من كل ما الندوات والمحاضرات والمؤتمرات التي تدعون فيها لتحرر المرأة وتمكينها إذا كان المحاضر الذي يلقي محاضرة عن تحرر المرأة يتحول إلى رجل العصر الحجري عندما يعود إلى بيته.
قبل أن تصبح المرأة عاملة وطبيبة وعضوا بمجلس الشعب ونائب رئيس جمهورية ما يهم المرأة قبل هذا كله أن تعامل كإنسانة أولاً ثم كأنثى.
ليس التحرر بارتداء المرأة ما تريد وارتيادها الجامعة والمصنع وأن تقف جنبا إلى جنب مع الرجل إذا لم نتحرر من الداخل فلا فائدة ترجى من تحررنا الخارجي؟
وهنا نجد أن قوانين السماء ارحم بكثير من قوانين البشر لكننا وللأسف نأخذ ما نريد من قوانين السماء ونهمل ما لا يعجبنا وحتى ما نأخذه لا نطبقه كما هو وإنما نعطي له تفسيراً يتوافق مع ميولنا وأهوائنا وغرائزنا ومصالحنا ونتصرف على هذا الأساس؟
أخذنا القتل ولم نأخذ الرحمة والتسامح والعفو...
ندعي التمسك بالدين والأخلاق الحميدة بالعلن ونفعل ما نريد خفية... أي دين هذا من الأديان الذي يدعو إلى قتل النفس؟
جاء في القران الكريم "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"؟! وكيف نستطيع أن نتناسى ما قاله السيد المسيح "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها"؟! فالحياة حق قدسته جميع الأديان والشرائع السماوية والأرضية.. وجميع مواثيق حقوق الإنسان والدساتير..
و كما جاء في الوثيقة الوطنية "أوقفوا قتل النساء.. أوقفوا "جرائم الشرف" لا للمواد 548-239-240-241-242 من قانون العقوبات السوري! لا لتبرئة المجرمين القتلة! نعم للقصاص العادل دون أي تخفيف أو عذر!



حنان عارف، (من كان بلا خطيئة فليرجمني بحجر...)

خاص، نساء سورية

0
0
0
s2smodern