جرائم الشرف

طلقتان أودتا بحياة جيما كبرائيل رشو وزوجها عبد الله سليمان سيد قدور و ابنهما الذي لم يولد بعد. ذنبهما الوحيد أنهما ولدا ضمن دينين مختلفين، فرشو تنحدر من عائلة مسيحية من أهالي القامشلي و قدور ينتمي لعائلة كردية مسلمة. اضطرا للزواج خفية العام الماضي بسبب رفض أهل رشو القاطع لزواجهما. و بعد عام من التخفي في العاصمة دمشق، صدق الزوجان وعود عائلة رشو بعدم إيذائهما و انصاعا لرجائهم الحثيث لهم بالعودة إلى كنف العائلة. إلا أنهم قوبلوا بدل الزغاريد بطلقات مدوية أطلقها شقيق راشو منتقماً لشرف العائلة ليواريا الأرض في الثاني من كانون الأول من العام الجاري.

لم يكد دم الزوجين أن يجف حتى سقطت فتاتان أخريتان في حلب ضحية ما يسمى بجريمة الشرف. قتلهما والدهما بسكين المطبخ في العاشر من كانون الأول بذريعة أنهما عملتا بالدعارة. و ما هذه الجريمتان إلا اثنتين من سلسلة طويلة من جرائم الشرف التي بلغت، وفقاً لقاعدة البيانات المتوفرة لدائرة الأمن الجنائي التابعة لوزارة الداخلية، 67 جريمة في سوريا خلال عامي 2007 و 2008 مشكلة بذلك 8% من مجموع الجرائم المرتكبة في هذين العامين. إلا أن ناشطين في حقوق الانسان يشككون في دقة هذه الاحصائيات مؤكدين أن عدد هذه الجرائم يتجاوز المئتين سنوياً. رغم أن جرائم الشرف مرتبطة في الوعي العام بالزنا، سواءاً أكان على شكل الخيانة الزوجية أو إقامة علاقة جنسية خارج إطار الزواج، فإن العديد من النساء، في الواقع، يقتلن لمجرد الشك بسلوكهن أو لزواجهن برجل من ملة أو دين مختلف أو حتى لأسباب مادية بحتة.
"إن العديد من التهم التي تلصق بالمرأة في جرائم الشرف يتبين بعد التحقيق القانوني والطبي أنها ادعاءات كاذبة،" ذكر المرجع الشيعي، السيد محمد حسين فضل الله في إحدى كلماته حول جرائم الشرف. "إن معظم جرائم الشرف ترتكب لأسباب لا علاقة لها بالشرف أو أي شيء مشرف على الإطلاق."
حيث أن المادة 192، من قانون العقوبات السوري، تسمح بتخفيف العقاب عن كل من يرتكب جريمة بدافع الشرف لتتراوح بين ستة أشهر أو سنة، فيما تنص المادة 548 على أنه يستفيد من العذر المخفّف المذكور في المادة 192 من فاجأَ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فاحشة مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد. بل ويستفيد القاتل بذريعة الشرف من العذر المخفِّف لمجرد مفاجأتهم في حالة مريبة.
لقد تظافرت جهود عديدة لإلغاء و تعديل المواد المتعلقة بجرائم الشرف، آخرها الملتقى الوطني حول جرائم الشرف الذي عقد بتاريخ 14 – 16 أكتوبر 2008 و الذي نظّمته الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالتعاون مع وزارتي العدل والأوقاف، في بادرة تعد الأولى من نوعها في سورية، إذ هذه أول مرة تسعى فيها جهة حكومية لمواجهة ظاهرة جرائم الشرف. كذلك تميّز الملتقى بعدم اقتصاره على مناهضي هذه الجرائم أو دعاة دين واحد، حيث حضر ممثلون من كافة الأديان و الملل في سوريا من مسلمين و مسيحيين و دروز و اسماعيليين و أشخاص من مختلف الخلفيات الثقافية و الفكرية، بما في ذلك المؤمن و الملحد، المؤيد و المعارض.
لقد خلص المؤتمر إلى ضرورة إلغاء المادة 548 المتعلقة بجرائم الشرف، و إعادة صياغة الفقرة الثالثة من المادة 192 من قانون العقوبات السوري، بحيث لا تقل عقوبة القاتل عن 15 عاماً شأنها شأن جرائم القتل الأخرى و التي يعاقب عليها القانون السوري، تبعاً للمادة 533 ، بالأشغال الشاقة من خمس عشرة إلى عشرين سنةً و ستقدم الاقتراحات لمجلس الشعب ليتم التصويت عليها لاحقاً.
البعد القانوني لجرائم الشرف
يؤكد الدكتور فاروق الباشا، المسؤول القانوني في الهيئة السورية لشؤون الأسرة و أستاذ في كلية الحقوق سابقاً، أن المشكلة تكمن في أن قانون العقوبات السوري صدر عام 1949، و لذلك فهو يتناسب مع عقلية مجتمع عام 1949. "لم يعد المجتمع السوري منغلقاً كالسابق لذلك فإن وجود بعض الفئات التي ما زالت تحلّل جرائم الشرف لا يبرر تعميمها و تحليلها بشكل قانوني"، قال الباشا "للأسف قليلاً ما يخضع قانون الشأن الاجتماعي السوري لتعديل بما يتآلف مع التغيير الاجتماعي الجاري." ويضيف: أن المادة 548 اشتقت من قانون العقوبات الفرنسي الذي صدر عام 1810، وكان مقبولاً حينها ولكن تم إلغاؤه في فرنسا لاحقاً، شأنه شأن الكثير من المواد في القانون السوري الذي وصفه الباشا بـ" تشكيلة من القانون الفرنسي و العثماني و الألماني إضافة للشريعة الإسلامية." مما يعني أنه بتطبيق المادة 548 اليوم في سورية، يتم تطبيق قانون يعود إلى القرن التاسع عشر!
إلا أن خطورة المادة 548 لا تكمن في مجرد كونها خارجة عن العصر، بل في أنها سمحت للمواطن العادي بأن يمارس سلطة الدولة و هو ما يتعارض كلياً مع مفهوم الدولة الذي حرّم على الفرد التجريم و العقاب و جعلهما مسؤولية القضاء. ففي حين تقوم الدولة بإلقاء القبض على المتهم، و التحقيق معه ثم إحالته إلى القضاء الذي بدوره يدرس القضية قبل أن يجرّم المتهم و أخيراً ينفّذ العقوبة، يقوم القاتل بداعي الشرف بممارسة سلطة الدولة، فيحقق ويحاكم و ينفّذ خلال ثوان عقوبة تتوصل لها الدولة في شهور.
" لو سرقت حقيبتك الآن لأنك لم تسدّدي لي ديناً لعوقبت على فعلتي، لأنه لا يسمح للفرد أن يأخذ حقه بيده بل عليه اللجوء للقضاء ليأخذ له حقه، فما بالك بجريمة قتل؟!! ممكن للزوج أن يرفع دعوى زنا على زوجته و لكن لا يجوز له أن يحاكمها بنفسه بل و يقتلها بداعي الشرف." قال لي الباشا مشيراً إلى أن الملتقى يطالب، من خلال إلغاء المادة 548 و تعديل المادة 192، بإعادة الأمور إلى مؤسسات الدولة لفرض العقوبات وممارسة سلطاتها.
كما أن سوريا باتت ملزمة بإجراء هذه التعديلات منذ توقيعها على إتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) عام 2003. حيث تنص هذه الاتفاقية التي عقدت عام 1979 على ضرورة إلغاء الدول الموقعة لكافة القوانين التي تبعث على التمييز بين الرجل و المرأة و أي قانون يميّز بين الجنسين أكثر من قانون جرائم الشرف؟
البعد الديني
لدى الحديث عن عقوبة جرائم الشرف في قانون العقوبات السوري، التي يتمسك بها الكثيرون تحت ستار الدين و عدم إباحة الزنا، نقع على مفارقة كبيرة. فإذا قتل الرجل ابنته بدافع الشرف فإنه يستفيد من العذر المخفّف و يقضي سنة أو ستة أشهر في السجن، في حين أنه إذا قتل ابنه لنفس السبب، يعدّ القانون ذلك جريمة قتل عقوبتها قد تتجاوز الخمسة عشر عاماً. "إن القانون ليس متوازي في التصدي للجريمة نفسها و هي القتل بسبب الزنا." يقول الباشا مستنكراً. "فما مفهوم الشرف إذاً؟ إنه ليس مرتبطاً بالموقف الديني أو الأخلاقي من الزنا الذي يساوي بين الطرفين ذكراً كان أم انثى، بل إنه مرتبط بالمرأة فحسب."
كما أن جريمة الشرف مخالفة للشريعة الإسلامية، التي تقضي بجلد الزاني و الزانية على حد السواء مائة جلدة و ذلك في الآية الثانية من سورة النور " الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة...". و لا ينفّذ حكم الإسلام لمجرد اتهام أو حتى رؤية الزنا فلا بد من توفّر أربعة شهود عدول كما تنص الآية الخامسة عشر من سورة النساء " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم... " و هو ما يصعب توافره كما أكد د. محمد حبش، عضو مجلس الشعب و رئيس جمعية علماء الشريعة بدمشق خلال الملتقى أنه لم يطبّق حدّ الزنا على الإطلاق خلال التاريخ الإسلامي عن طريق البيّنة، وإن كان قد طبق أحياناً عن طريق الإقرار بالزنا. و في حال اتهم أحد امرأة متزوجة بالزنا و لم يستطع اثبات ذلك، حكم بثمانين جلدة كما تذكر الآية الرابعة من سورة النور " و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبداً و أولئك هم الفاسقون". لذلك يؤكد حبش أن جريمة القتل بدافع الشرف تخالف الشريعة في ثلاثة أمور كلها من الكبائر، وهي إقامة فرد لحد من حدود الله بمفرده دون رأي الإمام، والذي تمثله اليوم البرلمانات التشريعية، إضافة إلى إقامة الحد دون بيّنة، إذ كثيراً ما ترتكب جرائم الشرف لمجرد الريبة. و أخيراً، الحكم بالقتل لجريمة لا تستحق هذا العقاب. "إن فكرة تبرير جريمة القتل تحت عنوان الدفاع عن الشرف مسألة مرفوضة تماماً في الإسلام، فلابد من التمييز بين ما هو من تقاليد القبائل وبين ما هو من مطالب الشريعة " قال حبش.
أما فيما يتعلق بالدين المسيحي فقال الأرشمندريت مصلح أنه يحقّ للمتزوج الانفصال عن زوجه الزاني مع حرمانه من كافة حقوقه، إضافة إلى حرمانه، سواء أكان متزوجاً أم لا، من التناول الأسراري. "كلنا ضد القتل، سواء من الناحية الإنسانية أو من الناحية الدينية، تطبيقاً لوصية الله تعالى "لا تقتل". فالله هو وحدَه واهب الحياة وهو وحدَه الذي يملِك سلطان أخذها." قال مصلح.

إلا أنه و رغم تعالي أصوات رجال الدين السوريين بإدانة جرائم الشرف و تصريح مفتي الجمهورية الشيخ أحمد حسون في لقاء مع جريدة الثورة السورية بضرورة إلغاء المادة /548/ من قانون العقوبات السوري على أساس مخالفتها للشريعة الإسلامية، إلا أن فتوى شرعية واحدة لم تصدر رسمياً لتحرم هذه الجريمة!.

البعد الاجتماعي

إن جريمة الشرف في المفهوم الاجتماعي أشبه بقربان لفداء العائلة من غضب المجتمع. فعندما ترتكب المرأة عملاً مرفوض اجتماعياً كالزنا أو الزواج من دين أو طائفة أخرى، تُنبذ العائلة بأكملها. لذلك تقوم العائلة تحت ضغط المجتمع بتقديم المرأة قرباناً لغسل شرفها و استعادة مكانتها السابقة.
" إن المثل الشعبي السوري (اصبعي عابت، فقطعتها!) يعكس بوضوح خلفية جريمة الشرف"، قال بسام القاضي، مدير مرصد نساء سوريا و هو مرصد يعنى بقضايا المجتمع السوري. "منطقياً، إن الأصبع لا يمكن لها أن تعيب، و هي مهمة جداً لصاحبها، لكنه يضطر لخسارتها حتى لا يخسر الآخرين."
بالتالي فإن الإشهار بالقتل جزء بديهي بل و أساسي من جريمة الشرف، يحصل بعدها الشخص الذي تكفّل بعملية القتل من أفراد العائلة على الدعم المادي، من الأسرة و الأقارب، طيلة فترة سجنه.
لذلك أكد المحامي ناصر محمد الماغوط، في كلمته التي ألقاها في الملتقى، على أن التعديل القانوني غير كاف لوضع حد لجرائم الشرف، بل لا بد من العمل وتضافر الجهود من مختلف الجهات الرسمية والشعبية والمدنية لتعديل الوعي الشعبي في هذه القضية على التوازي مع التعديل القانوني و ذلك من خلال إرساء المساواة بين الرجل والمرأة.
لقد بدأت في الواقع حملة دعائية مكثّفة ضد جرائم الشرف في الآونة الأخيرة، فإن احصاءاً قام به مرصد نساء سوريا حول التغطية الإعلامية لهذه الجرائم يؤكد أنه قد تم ذكرها مرتين على الأقل شهرياً خلال السنتين السابقتين. "إن هذا إنجاز كبير،" قال القاضي. " عندما أسست مرصد نساء سوريا عام 2005 لم يكن قد ذكر موضوع جرائم الشرف في الإعلام السوري أكثر من مرتين خلال الثلاثين سنة السابقة."
قام المرصد وحده بتنظيم 14 ندوة و عرضين تلفزيونيين خاصين بجرائم الشرف كما أطلق عام 2005 حملة للتوقيع على الوثيقة الوطنية لمناهضة جرائم الشرف و التي تطالب بإلغاء المادة 548 و تعديل المادة 192 و غيرها من المواد الثانوية المتعلقة بجرائم الشرف، جمع خلالها حوالي 10,800 توقيعاً من مختلف المحافظات السورية، و هي ما تزال مفتوحة للتوقيع وستقدم لاحقاً إلى رئيس الجمهورية و مجلس الشعب و وزارة العدل و غيرها من الجهات الرسمية و الإعلامية.
"لقد أعددنا الوثيقة بهدف تسجيل موقف ضد جرائم الشرف و إبقاءها حديث الساعة و ليس مجرد موجة إعلامية تنتهي خلال بضعة شهور." قال القاضي.
هذا و قد أقامت الهيئة العامة لشؤون الأسرة ملتقيات منتظمة بلغ عددها 6 ملتقيات خلال عامي 2007 و 2008 لمناقشة هذه الجرائم. كما ستقوم دار شبابلك السورية للطباعة و النشر باصدار كتاب مسرحي خاص بجرائم الشرف، هي نتاج ورشة عمل للمسرحيين الشباب برعاية المركز الثقافي البريطاني و التي تناولت جرائم الشرف كواحد من مواضيعها.
"إن هذا الضغط الإعلامي الكبير هو ما دفع الحكومة السورية للاعتراف بخطورة ظاهرة جرائم الشرف و إقامة الملتقى الأخير بخصوصها، ونحن كإعلاميين لن نتوقف عن العمل حتى يتم إلغاء جرائم الشرف قانونياً و القضاء عليها اجتماعياً." قال القاضي.

إحصائيات دائرة الأمن الجنائي التابعة لوزارة الداخلية
العام 2007 2008 لغاية 3- 8- 2008 مجموع جرائم القتل المرتكبة لعامي نسبة جرائم الشرف إلى مجموع جرائم القتل
المحافظة
2007 2008 2007 2008
دمشق 1 - 35 33 3% -
ريف دمشق 1 2 51 48 2% 4%
حمص 1 - 51 24 2% -
حماة 1 4 31 23 3% 17%
حلب 15 13 155 87 10% 15%
ادلب 10 8 75 36 13% 22%
اللاذقية - - 13 10 - -
دير الزور 1 - 28 34 4% -
الرقة 3 1 26 16 11% 6%
الحسكة 5 1 41 15 12% 7%
السويداء - - 7 5 - -
درعا - - 11 16 - -
القنيطرة - - 1 3 - -
طرطوس - - 8 8 - -
المجموع 38 29 533 358 7% 8%


ناديا مهنا، (جريمة بلا شرف: جهات رسمية و شعبية بدأت باتخاذ خطوات جدّية لتعديل قانون جرائم الشرف في سوريا)

نقلا عن مجلة الثرى، (12/2008)

0
0
0
s2smodern