جرائم الشرف

بالرغم من وصول المرأة في بلادنا إلى وضع يميزها عن كثير من مماثلاتها في مجتمعات مجاورة أومتقاربة الظروف إلا أنها مازالت مستباحة حتى في حقها بالحياة ليصبح من أقل الأعمال عقوبة قتل المرأة

وبعدها يمكن أن تلبس هكذا جريمة ملايين الشعارات لتصنع من مرتكبيها أبطالا في نظر العشيرة يعيشون عمرهم بعد ذلك في حالة تأنيب الضمير لقتل نفس بشرية إذا كان لديهم أدنى نسبة من الضمير...
كلمة الشرف هذه الكلمة ذات المعايير النسبية قادرة على تنصيل المحتمين بها من كامل العقاب أومن الجزء الأكبر منه بل تجعل من المحاسبة وساما يستعد لحمله مرتكب هكذا عمل عدواني بكل فخر... حتى لا يكون الكلام إنشائيا ويرمينا بعد ذلك ذوي المفاهيم الخشبية بكل المتاح من الاتهامات لمجرد الجرأة على النقاش في حق المرأة بالحياة والإيمان الكامل أن العدالة في السماء وأن ما هو على الأرض خارج الكتب السماوية محض اجتهاد ولا أحد يقرر قرارا مطلقا من الذي سيسامحه رب العالمين ومن المعاقب ورحمته أوسع من خيالات البشر.. وعليه أيها المؤمنون وجهوا الناس الذين ينصبون أنفسهم خلفاء للعدالة الإلهية ويرفعون سيوفهم الصدئة ليقتلوا بكل همجية.. وهذا رأي سأورده للمفكر المتدين السيد د.محمد حبش عن كتابه الشهير ألف يوم في مجلس الشعب حيث تحدث عن جرائم الشرف إثر عقد مؤتمر استكهلم بعد ذبح الفتاة العراقية فاطمة من قبل والدها وفتح الغرب نيرانه علينا بملايين الاتهامات ووصفنا بما شاؤوا من الألقاب.. يبدأ السيد حبش كلامه بالآية القرآنية التالية: بسم الله الرحمن الرحيم "ومن يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"- صدق الله العظيم.
ويذكر السيد محمد حبش أن هناك خلافا على حد الرجم خاصة وأنه لم يرد به نص قرآني وإنما وردت في التوراة في سفر التثنية 22-23 ومع تأكيده على تحريم الزنا وورود تحريمه في القرآن الكريم.. لكنه يتابع أن الحدود وجدت للردع والترهيب ولجم الناس ويؤكد أن التاريخ لم يشهد قيام الحد على أحد بالبينة والشرط لإقامة الحد يتضمن شرطين متناوبين بحيث لا يتحقق أحدهما إلا بوجود الآخر وهما العدالة التي يشترط فيها عدم رؤية فاحشة والرؤية التي تلزم من دوامها زوال العدالة وهذا وفقا لحديث السيد حبش يدل على صعوبة تنفيذ الحد ويحدد غايته الردعية ومعروف أنه يلزم أن يشهد على الحادثة أربعة شهود عدول قد شاهدوا الحادثة دون التباس
المهم أكثر في الأمر أن تتولى الجهة الشرعية المحاسبة فيه بحال ثبوته لا أن يتولاه أحد الجهلة ليحاكم ويحكم وينفذ الحكم ولا نغفل في هكذا أمور القاعدة التي تقول "ادرؤوا الحدود بالشبهات"..
لماذا نعزز ثقافة الموت ورخص النفس البشرية وأين العقوبات الرادعة لمداواة الخطأ بجريمة لا إنسانية ولا نريد أن نورد أمثلة على حدوثها فهي كثيرة ومؤلمة وكثير منا يعرف أمثلة عديدة ناهيك عن بعض الطوائف التي تبيح اجتماعيا وتعتب لدرجة الازدراء على من يتهاون في ذبح ابنته ولو تزوجت شرعيا من طائفة أخرى.. لماذا نسمح لمعايير قبلية أن تجهز على أغلى الكائنات في الطبيعة وعلى قلوبنا لأن القاتل غالبا أب أو أخ.. وكيف نعترف بكل التطور في الزمن ولا نحاول توسيع مداركنا الحديدية لتجنب السقوط في الهاوية أو استخدام العقل لحل المصائب الكبيرة ولست أختلف مع أحد أن هكذا نوع من الخطأ هو ما يسمى أكبر المصائب.
ولكن لنستطلع الواقع ولو بعمومه.. حالة من الضياع وسط الكبت المترافق بعولمة الإعلام المنحرف عبر كثير من الفضائيات التي لا تميز بين الطفل والمراهق والراشد وتقدم ثقافة الجنس بأبشع حالات شذوذه وبأرخص السبل وأكثرها ابتذالا لتجعل من جيلنا كتلا من الغرائز الكامنة التائهة بين موروثها الاجتماعي والديني وبين الفجور المقدم إليهم ملفوفا بورق الفضة.. يحاولون ستر جوعهم الأبدي جاهدين فتنفلت منهم كقوة غاشمة عند أبسط فرصة.. لذلك بدل أن نكتب بدم بناتنا مآسينا فلنعمد إلى إعادة تربية المجتمع كاملا ومن منا بلا خطيئة...
ولنجرم حالة الفجور التي لم نستورد سواها من العالم التقني حولنا فكيف نطرح على أجيالنا كل تلك السموم الموجهة خصيصا له ونحاكم في حين لم نقم بإرساء أبسط مفاهيم العدالة بل سوقنا العنف وإنكار الآخر وقتلنا ثقافة الصدق والرحمة وقدمنا لأطفالنا فلسفة الموت والدم عبر ألعاب الكومبيوتر وحتى بعض برامج الأطفال.. كيف نطالب بالنهوض بواقع المرأة في ظل نظام تربيتنا المتعصب والتي لم نعد حتى نقوم بها وتولت الوسائل الخطرة معظم المهمة.. ليصبح من الجرأة التي نحاسب عليها مجرد التطرق لهكذا موروث عشائري بل إنه قد يعتبر جريمة أو شروعا بالجريمة.فنلجأ للاستتار خلف الجدران وفي الزوايا الميتة للكشف عن وحوش الغرائز التي لا رادع لها إلا الخوف من إطلاع الآخرين عليها ولنكون قادرين عند اللزوم وبعد ارتكاب معاصينا الخفية من التسلح بخناجر الشرف والطعن بها لنثبت للآخرين أن لدينا مالا نمتلك وفي الظلام نعود للتوحش بلا رادع في مجتمع تنبع قيمه من الرقيب المتلصص على هفواته ورعب انكشاف المستور.. دعونا نتعلم فلسفة احترام الذات والوعي لانحراف السلوك الإنساني وأوجدوا القدوة الحقيقية.. وليكن النداء الأخير: لا تحاكموا النساء لأنهن تحت وصايتكم..... لا تحاكموهن لأن المجتمع والقانون يتهاون في حياة امرأة.. تذكروا أن أركان الخطأ ثلاثة:امرأة ورجل وتربية مجتمع بلا رحمة..


ميس نايف الكريدي، ("جرائم الشرف" بين رأي الشريعة ومنطق العشيرة!)

تنشر بالتعاون مع كلنا شركاء، (1/2009)

0
0
0
s2smodern