جرائم الشرف

تنتظر أوساط كثيرة معنيّة بالمجتمع المدني والحقوق المدنية في سوريا بفارغ الصبر نقاش مجلس الشعب حول مراجعة وتعديل القوانين الناظمة لما يسمّى زوراً وظلماً وبهتاناً بـ "جرائم الشرف",

 فهي ليست إلا جرائم قتل وحشية من المخجل وضع كلمة الشرف, هذا الكنز الثمين, بجانبها, وكذلك النظر في إمكانية منح المرأة السورية حق منح أولادها الجنسية السورية في حال ولادتهم من أب غير سوري.

بطبيعة الحال لا أحد ينتظر أن يكون النقاش في المجلس حقيقياً, (ذلك أن القرارات لا تتخذ في مجلس الشعب، كما يعرف الجميع).

إن تحريك هذه القضايا الاجتماعية الهامة هو نتيجة جهد حقوقي وإعلامي لمجموعة كبيرة من الناشطين الذين ناضلوا على مدى سنوات عديدة في سبيل هذه التطوّرات القانونية على الرغم من الصعوبات والمعوقات غير السهلة بتاتاً, وهذا الجهد يستحق التنويه والاحترام فقد فتحوا طريقاً حضارياً وشكّلوا خبرة وسابقة يمكن الاقتداء بها في جهود مستقبلية في سبيل حقوق إضافية, اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية.

قد يستغرب البعض أنني أدبغ جلد الدب قبل صيده, فلا نعلم ما سيخرج من هذا النقاش, وأوافق على هذه الملاحظة تماماً ولكن غبطتي ناتجة عن أن مجهوداً مدنياً قد أدى لوضع قضايا حقوقية في المحك, وأوصلها إلى الواجهة الإعلامية والقانونية, وأنا متفائل إزاء ما سيخرج عن هذا النقاش لأنني, كما قلت سابقاً, أعتقد أن القرار متّخذ وجاهز.

تعتبر جرائم الشرف من قبل الحقوقيين المعنيين بالحقوق المدنية أحد أكبر الآفات في مجتمعنا, فسوريا وللأسف تتصدّر ترتيب الدول التي تعاني من عدد كبير من هذه الجرائم, وتدخل هذه الجرائم في سياق ثقافة العنف الرائجة جداً للأسف في مجتمعنا لأسباب كثيرة, فتكفي جولة سريعة في مواقع الأخبار السورية لنجد أخباراً عن مشاجرات وجرائم عنيفة ولأتفه الأسباب غالباً, لكن جزئية جرائم الشرف تزداد خطورة لسببين, أولهما هو التقبّل الشعبي الواسع لهذا النوع من الجرائم نتيجة موروث اجتماعي يختلط أحياناً بشكل جاهل بما يعتبره الناس دينياً, والسبب الثاني هو التساهل القانوني تجاه هذا النوع من الجرائم, فبالإضافة إلى غياب النشاط التربوي الذي يعمل على التوعية ضد التقبّل الشعبي هناك مواد قانونية تحمي بشكل ما مرتكبي هذه الجرائم وتعطيهم الأسباب المخففة لما يرونه "قتل بدافع الشرف".

إن أي نشاط في مواجهة جرائم الشرف لا يمكن له أن ينجح دون سند قانوني واضح يساوي هذه الجرائم بأي جريمة قتل أخرى بالعقوبة, وبعد السند القانوني يجب أن تهتم السلطات بالجانب الخاص بالتوعية الاجتماعية عن طريق حملات تربوية تبدأ من المدارس ولا تنتهي عندها. والطريق طويل حتى الوصول إلى نتيجة مرضية ولكن الخطوة الأولى, وهي برأيي الإصلاح القانوني, هي الخطوة الأساسية, وهي خطوة كبيرة.

أما حق منح المرأة السورية الجنسية لأولادها, فهو مطلب طبيعي لأنه حق يجب أن يكفله الدستور الذي نصّ على المساواة التامة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات, ولذلك كان يجب أن يكون "تحصيل حاصل" ومن المؤسف ألا يكون هذا النقاش مغلقاً منذ زمن طويل.

يعطي القانون السوري للمرأة حق منح أولادها جنسيتها في حالات خاصة جداً تكاد تكون استثنائية, ويعلل بعض الحقوقيين التأخر في منح هذا الحق بأنه يمكن أن يخلق مشكلة بما يخص السوريات المتزوجات من مواطنين فلسطينيين لأن منح أبناء هذا النوع من الزواج الجنسية السورية يناقض القرار القاطع برفض التجنيس والتوطين بغية عدم التفريط بحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم المغتصبة, وصراحةً لا أتمكّن من رؤية هذا التناقض الخطير الذي يتحدّثون عنه كما أنني لا أتفق بتاتاً مع الآراء القائلة بوجوب استثناء حالة السوريات المتزوجات من فلسطينيين في حال إقرار هذا القانون. فلا أعتقد أن أي فلسطيني سيفرّط بحقه في العودة إلى وطنه لأن أولاده قد حصلوا على جنسية زوجته, وخصوصاً إذا كانوا مقيمين في دولة الزوجة.

هناك الكثير من التكهنات حول النتائج المنتظرة, وتتناقل وسائل الإعلام الالكترونية توقّعات حول حيثيات لا أعتقد أن علينا نقاشها قبل أن نعلم يقيناً ما سيحدث.

نحن أمام قضيتين اجتماعيتين لا يمكن التساهل تجاههما, ويجب وضع كل الجهد اللازم في سبيل الوصول إلى أفضل النتائج دون التفافات, فالحق يجب أن يكون واضحاً نيّراً ومحميّاً بقوّة القانون بدون أي استثناء, ولا شك أننا أمام انجاز حقوقي رائع في حال تم إقرار هذه القوانين بالصورة التي نتمنّاها, وسيكون هذا الجهد المتوّج بالنجاح نهجاً لجهود أخرى في سبيل حقوق أخرى يجب وضعها على الطاولة دون إبطاء إن كنا نريد الوصول إلى دولة المدنيّة والقانون والمؤسسات.

و لنتذكر دوماً جميع الفتيات والنساء اللواتي وقعن ضحايا الجهل والتخلّف, وخسرن الحياة بحجّة شرفٍ تنكي كاذب, ولنعمل دوماً على أن يكّن مجرد ذكرى أليمة... من الماضي الذي طوينا صفحته.

*- نقلت بتصرف..


ياسين السويحة، (حول جرائم الشرف وحق المرأة السورية بمنح الجنسية لأولادها)

تنشر بالتعاون مع موقع "أموج اسبانية في فرات الشام"، (8/3/2009)

0
0
0
s2smodern