مرصد العنف والإعلام

لم يكن غريبا أن تثور ثائرة بعض رجال الدين على مسلسل لامس جراحا عديدة أهمها التطرف! فهم يعرفون حق المعرفة أن التطرف لا يولد من العدم. فإضافة إلى سلسلة من الظروف الموضوعية التي تلعب دورها، يلعب رجال الدين أنفسهم الدور الأكبر في نشر العنف والتطرف عبر مطالباتهم الدائمة بإلغاء العقل والخضوع الأعمى لما تصوره لهم أهواءهم وعقولهم (وليس نادرا: أمراضهم)، وكذلك عبر تصوير العالم كله بصفته عالما "خارجيا" يهدد باستمرار هؤلاء المؤمنين الذين تم سلب إرادتهم بعد أن سلبت حريتهم وجيوبهم باسم الدين.

د. محمد سعيد رمضان البوطي، الذي أكد على تأييده العنف ضد المرأة بادعاء أن "النقاب" هو الأفضل عند الله (وكان قد سبق له تأييده في مواضيع مختلفة). وهو يعرف معرفة حقيقية وتامة أن النقاب ليس إلا إعلانا أن المرأة هي أحط من البهائم لأنه مصدر فتنة يجب الحرص منه وإبعاده وإخفاؤه، وهو ما يتناقض تماما مع دينه نفسه الذي يؤكد أن الإنسان بعمله، وليس بشكله ولا بلباسه ولا بأية معطيات أخرى، ثارت ثائرته للمرة الأولى (على هذا النحو) منذ زمن طويل، ما لم تكن للمرة الأولى بإطلاق!

ففي بيان له سارع إلى سحبه بذريعة أن "الرسالة وصلت"! وهي ذريعة لا تمر إلا على بعض مسلوبي العقول، أطلق د. البوطي تهديدا لم نر له مثيل في سورية حتى من أشد الأصوات تطرفا! فقد قال حرفيا كما نقلت سيريانيوز: "إنني لست متنبئاً بغيب، ولست من المتكهنين بأحداث المستقبل، ولكني أحمل إليكم النذير الذي رأته عيني، إنها غضبة إلهية عارمة، تسدّ بسوادها الأفق، هابطة من السماء وليست من تصرفات الخلائق، إنها زمجرة ربانية عاتية تكمن وراء مسلسل السخرية بالله وبدين الله، الفياض بالهزء من المتدينين من عباد الله".

ويصعب أن يختلف اثنان على أن هذا ليس إلا تهديدا صريحا وفجا يطرح آلاف الآسئلة، بعضها بات حيويا وأساسيا لسورية ومستقبل مجتمعها. فتهديده هذا رسالة واضحة تذكر فورا بما فعله وآخرون حين دفعوا بعض أتباعهم، ممن سلبوهم عقولهم باسم الدين، مستغلين إيمانهم وعاطفتهم، إلى شوارع دمشق ليحرقوا السفارات! لكن هذه المرة يبدو أن هدف الحرق والتدمير سيكون "شيئا" آخر!

لا يحتاج المرء إلى وقفة طويلة ليعرف لم أثار هذا المسلسل كل هذا التهديد! فالمسلسل جريء وريادي في وضع الأصابع على جراح عدة منها التطرف، وأولها وأهمها تطرف بعض الشباب المتدين، بل التطرف الأعمى والأحمق والذي لا غايه له ولا هدف (ولا يعني هذا أن وجود غاية أو هدف يغير من الأمر شيئا). ويعرف د البوطي، مثل الآخرين ممن يروجون التطرف في خطابهم الديني، أن هؤلاء ليسوا إلا تلامذة نجباء لهم. فهذا التطرف الذي نرى اليوم بعض مظاهره خرج من عباءاتهم (رجال الدين) نفسها. ويوم واحد لمتابعة المواقع الالكترونية لهؤلاء، ضمنهم د. البوطي، كافية لإظهار أي تطرف يبث في كل حرف وكلمة. فهذه المواقع وفتاويها تتلخص بعبارة واحدة: نحن شعب الله المختار، لا يحق لأحد أن يقول كلمة فينا، وما نفعله يعلو على سوانا، وكل من هو "غيرنا" هو مشكوك بأمره يجب الحذر منه، وأحيانا رفضه وقتاله!

وأمثلة بسيطة من موقع د. البوطي تؤكد ذلك:
- هل أصبحت أمريكا الآن دار حرب لقتلهم المسلمين؟ ومتى يسمى الإنسان حربياً؟
د. البوطي: كل من يعتدي بالقتال على إخوة لنا في الإسلام بدون حق، يجب على المسلمين جميعاً الوقوف إلى جانبهم والدفاع عنهم. أياً كان المعتدي، لقول رسول الله في الحديث الصحيح: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه)). ومما لاريب فيه أن أمريكا تعتدي على المسلمين في أفغانستان ظلماً وبدون أي جريرة ثابتة.

- ما رأي فضيلة الدكتور إذا كان الحاكم المسلم يقرر أمام شعبه بأن الحكومة لا بد أن تبتعد عن الدين، فالدولة التي تقوم على أساس الدين ليس لها بقاء ولا رخاء بل أكثر ما يكون الى التدهور؟.
د. البوطي: إذا اعتذر المسلم بأنه لايستطيع أن يطبق أحكام الإسلام، وأنه مضطر لمخالفة الشرع، سواء كان حاكماً في شعبه أو ربّ أسرة في أهله. يُنْظَر في أمره، فإن كان مقراً بهذه الأحكام الشرعية، فهو فاسق بمخالفته لها وليس كافراً، وإن كان غير مقرٍ بها فهو كافر مرتد.

- ما شرائط عقد الزواج؟ وهل يصحُّ الاشتراط فيه؟
د. البوطي: من أهمِّ شرائط صحة عقد الزواج وجود شاهدين يشهدان ويسمعان صيغة عقد الزواج. لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حديث عائشة: ((لا نكاح إلاّ بوليّ وشاهدَيْ عدل)). كما أن من أهمِّ شرائط صحة هذا العقد ألا يتضمَّن شرطاً ينافي طبيعة عقد الزواج. فاشتراط أحد الزوجين على الآخر عدم الطَّلاق أو ألا يتزوَّج عليها غيرها، مما يتنافى مع طبيعة عقد الزواج. ومن ثم فإن هذا الشرط يبطل العقد عند بعض الفقهاء، ويلغي الشّرط، مع صحة العقد عند طائفة أخرى من الفقهاء. وعلى كلٍّ فإن هذا الشَّرط لا قيمة له.

- أنا طالب أدرس الطب البشري في دولة أجنبية، ورغم أني لست طالباً مهملاً أو ضعيف علمياً، إلا أنني أعيد السنة الثالثة لثاني مرة، وفي أغلب الأحيان مشتت الفكر، وأفقد تركيزي في دراستي وتحصيلي العلمي بسبب فتنة النساء في هذه البلد، والداي لا يحبذان فكرة الزواج من فتاة من هذه الدولة، كما أنني لا أحلم أن تكون زوجتي إلا مسلمة عربية اللسان، لأني أدرك ما يترتب عليه الزواج من أجنبية من سلبيات في الحياة المستقبلية لعائلة مسلمة، ولكن وضعي الدراسي يقلقني، وقد سمعت بالزواج مع كتمان نية الطلاق، فهل يجوز لي زواجها إلى حين انتهائي من تحصيلي العلمي في هذه البلاد؟ حيث أني لا أملك نية لاصطحابها.
د. البوطي: نعم، يجوز أن تتزوج فتاة تناسبك، زواجاً شرعياً غير مقيد بمدة.. ولا حرج عتدئذ في أن تعزم على طلاقها في نهاية دراستك. ولك أن تطلقها عندما تشاء، حتى ولو تعزم عند العقد على ذلك، فما الحاجة إلى أن تضع في فكرك العزم على الطلاق؟

وهذا البعض يظهر فعلا كيف أن د. البوطي مثل غيره من رجال الدين الأصوليين، رغم "اعتداله" في بعض المواضيع، لا يتوانى عن ترويج العنف ضد الآخرين، ضمنا لا يتوانى عن ترويج العنف ضد النساء. بل إنه يصل إلى قبول "زواج المتعة" حين يقبل "نية الطلاق" السابقة لعقد الزواج لأن الزوجة هنا "ليست مسلمة"؟!!

وفي الواقع أن هذا السلوك المتطرف الذي يقصي الآخر ويريد أن يحرقه كما حرقت جيوش المغول ثقافة قرون من الدولة الإسلامية، (بينما كان الكثيرون يفرحون لذاك الحرق لأنه خلصهم مما يعتبرونه كفر وزندقة و..)، عبر عن نفسه بهذه الشدة اليوم لأنه فشل في إيقاف عرض المسلسل، بينما كان (الفكر هذا) قد نجح سابقا بإيقاف عرض مسرحية للراحل سعد الله ونوس في حلب، مسرحية تكشف أيضا مرحلة من سيادة تجار الدين على الحياة، هؤلاء الذين لا يهمهم من أمر أتباعهم إلا المزيد من الخضوع والاستسلام، والمزيد من "الزكاة"، والمزيد من تحقيق السلطة لهم. كذلك كانوا قد نجحوا، بالتعاون مع أشباههم في الحكومة السورية ممن بات التساؤل عن شرعية مناصبهم تساؤلا محقا بكل معنى الكلمة، في سحب كتب من معارض مكتبة الأسد عدة مرات، بدعوى أنها "تخدش الحياء" فيما هي كتب قيمة فيم مجالات التربية الجنسية التي يحرص رجال الدين هؤلاء على إبقاء أتباعهم في جهل مطبق تجاهها. فكلما زاد جهل هؤلاء الأتباع بالحياة الجنسية الصحيحة، كلما ازدادت أزماتهم الحياتية والنفسية، وكلما سهل على رجال الدين هؤلاء قيادتهم ودفعهم إلى حيث يريدون بفتاو (أعلاه نموذج من آلاف النماذج منها) ما أنزل الله بها من سلطان؟ وفيما لا يخجل رجال الدين هؤلاء من الحديث عن أدق تفاصيل العلاقات الجنسية، بدعوى أنه "لا حياء في العلم"، فإن العلماء الحقيقيين في هذا المجال يقصون عن الوصول إلى الناس. مما يؤكد أن هدفهم الحقيقي ليس العلم، بل فقط السلطة وما يستتبعها من فوائد وامتيازات لا تقل، إن لم تزد، عن فوائد وامتيازات أي سلطة أخرى.

من الجيد أن هذا التهديد قد ذهب أدراج الرياح، وبقيت شاشة الدراما السورية إضافة إلى شاشات أخرى تعرض هذا المسلسل الذي يشكل علامة فارقة في الدراما السورية. إلا أن الاكتفاء بذلك لم يعد مقبولا. فحق جميع الناس بمناقشة واقعهم الحياتي اليومي بعيدا عن التهديد بالتكفير والقتل و"الغضب الإلهي" بات ضرورة قصوى في سورية. لأن بعض رجال الدين قد تمادوا فعلا إلى حد باتوا يمارسون فيه سلطة حقيقية داخل السلطة. وهذا أمر له نتائجه الكارثية ما لم يقف المجتمع السوري أولا بوجهه. فعشرات آلاف الكتب لا تغني عن يوم حياة واقعي. والذهاب إلى الماضي في كل تفصيل من حياتنا الجديدة لا يعني سوى قتلنا وتشويهنا إنسانيا كم يجري اليوم. فأي عاقل يقبل من رجل دين شهير، يقول أنه "مودرن"، و"يطرب" آذاننا في كل مكان، أي عاقل يقبل أن يسمعه يقول على هواء إذاعة بدأت "مقاومة" وانتهت اليوم أصولية بكل معنى الكلمة، يقول: إذا أرادت أمك أنك تطلق زوجتك، فهذا خيارك. عدم تطليق زوجتك يكسبك الدنيا. وتطليقها مرضاة لأمك يكسبك الآخرة؟! أليس قولا صريحا ودعوة لأن يطلق زوجته لأن "أمه" أرادت ذلك؟ في الواقع من المشكوك فيه أمومة أي امرأة تفعل ذلك مع ابنها. فواجب الأم والأب أن يساندوا أبنائهم لا أن يخربوا بيوتهم. لكن هذا الرجل الذي يقول أنه "عالم دين" لا يتوانى عن هذا الاحتقار المطلق للمرأة كما لو كانت بهيمة في بيت زوجها، فإن طلبت أمه منه أن يذبحها فما عليه سوى أن يفعل. فما قيمتها سوى قيمة في "الدنيا"؟ ومن لا يعرف كيف يصف هؤلاء الدنيا بأنها غانية وامتحان وسوء وفتنة و..؟!

"وما ملكت أيمانكم" مسلسل يستحق كل تقدير واحترام، اتفقنا مع بعض تفاصيله أم اختلفنا معها. فهو يطرح بكل جدية وعمق قضايا التطرف بأوجهه المختلفة التي نعيشها اليوم. والصور والأفكار التي قدمها حتى اليوم لا تشكل إلا جزءا بسيطا مما نعيشه جميعا ونراه يوميا في مختلف أوجه حياتنا. وما يجدر بنا هو أن نتفكر جديا بمنابع هذا التطرف، ومن الذي يغذيه، ومن الذي يعمل على جعله "أسلوب حياة" يومية في بلدنا سورية.. بضمن ذلك أولئك المعممون الذين بات وضعهم في أماكنهم المناسبة، بصفتهم شارحي دين وحسب، أمرا أساسيا لقطع الطريق على الأشكال المختلفة للتطرف والأصولية التي باتت تهدد مجتمعنا فعلا.


بسام القاضي، ("وما ملكت أيمانكم" و"ما وراء الشمس".. مسلسلان جديران بالمشاهدة)

مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern