مرصد العنف والإعلام

دخلت الدراما السورية هذا العام تجربة جديدة وهي اقتحامها عالم المعوقين والوقوف عند قضاياهم ومعاناتهم، في الوقت الذي اغفل عنه الإعلام السوري واكتفى بطرح مواضيع تقليدية تتناول خطوط عامة دون الاختراق إلى العمق.

وتباينت الآراء حول تجربة الدراما السورية حيث رأى البعض بأنها تجربة ناجحة و مميزة على عدة صعد وأنها ستكون نقطة فارقة تؤسس فعلا لآلية جديدة، فيما رأى آخرون بأن التجربة لن تتعدى كونها طفرة طرحها الإنتاج الخاص ولا يمكن التنبؤ لها بالاستمرار وأن الأمر يتطلب سياسات عامة.
 
نقص وعي الإعلام لحجم مشكلة المعوقين وطبيعتها والمعلومات الصحيحة العلمية
وحول تقصير وسائل الإعلام بالتعاطي مع قضية المعوقين يقول بسام القاضي، ناشط سوري في مجال حقوق المرأة ومشرف مرصد نساء سورية "تنقسم مشكلة المعوقين إلى قسمين الجهل لدى عموم الناس، وضعف البنية التحتية الملائمة لهم. وفي كلا القسمين للإعلام دور هام، وحاسم أحيانا. ففي التوعية يستطيع الإعلام بأنواعه كافة أن يصحح الكثير من الأفكار والسلوكيات الخاطئة. وفي البنية التحتية يستطيع أن يشكل لوبيا ضاغطا لإقرار حق المعوقين ببنية تحتية ملائمة لهم وهذا يحتاج أولا إلى تدارك النقص الفادح في وعي الإعلام كوسائل وإعلاميين وإعلاميات لحجم المشكلة وطبيعتها والمعلومات الصحيحة العلمية المتعلقة بها، متضمنا ذلك صيغ الخطاب الصحيحة. كما يحتاج إلى إدماج وسائل الإعلام نفسها للمعوقين في بنيتها سواء في العمل أو في التخطيط. وللأسف أن هذين الأمرين غير محققين.
 
ويضيف القاضي أن "الأفكار التقليدية حول المعوقين تتضمن تمييزا فادحا، حتى تلك التي تحمل مظاهر لطيفة مثل الشفقة والمراعاة. ومن الصعب جدا تغيير هذه النظرة بناء على النصائح والمواعظ، أو بخطاب خاطئ فالمعرفة هي أساس تغيير الناس لقناعاتهم وان المزيد من العمل الجاد والمخطط والمدروس سوف يؤدي إلى نتائج حاسمة".
 
وعن دور الدراما السورية في هذه المجال يلفت القاضي إلى أن "مسلسل وراء الشمس ليس تجربة ناجحة فحسب، بل مميزة على عدة صعد. فهي التجربة الأولى والوحيدة حتى الآن التي لا تكتفي بعرض المشكلة بل تدخل إلى أعماق علاقة المعوقين مع محيطهم على مستويات عدة. إضافة إلى وجود معوقين فعلا في المسلسل (داون سيندروم). معتقدا أن وراء الشمس سوف يكون نقطة فارقة لأنه يؤسس فعلا لآلية جديدة تثبت أنه من الممكن معالجة قضايا المعوقين في الدراما بعمق، وبعيدا عن سطحية الإعجاب الكاذب، أو الشفقة المريحة".
 
الأوس: يجب تعميم مفاهيم الإعاقة ضمن سياسات عامة وتبني قطاع الإنتاج الرسمي لها
من جهته قال يحيى الأوس، مدير تحرير جريدة الثرى التي تعنى بحقوق المرأة والطفل "تعتبر السنة متميزة في طرح قضايا المعوقين لكن الشيء الأهم هو ضمان الاستمرار والديمومة لمثل هذه المواضيع وهذا الأمر لا يتحقق إلا بتبني قطاع الإنتاج الرسمي لهذه الأعمال ودعمه لمثل هذه المفاهيم لأن شركات القطاع الخاص هدفها ربحي ولا يمكن التنبؤ لها بالاستمرار".
 
ويشير أوس إلى قضية أخرى وهي الوعي لمفاهيم الإعاقة ويقول "لا ننكر أن هناك صحوة تجاه قضايا المعوقين لكن المشكلة تكمن بأن مفاهيم الإعاقة لم تعمم بسياسات عامة فيجب إدراج مفاهيم الإعاقة ضمن السياسات العامة وأن يتم تناولها بشكل مدروس وليس بشكل ارتجالي لأن التجارب الفردية لا يمكن التنبؤ لها بالنجاح لأنها ليست إلا طفرات".
 
ويضيف أنه "يجب أن يتم تنقية صورة المعاق من الشوائب لأن الدراما تشوه صورة المعاق وتقدمه بطريقة الفكاهة والسخرية أو بصورة الشفقة، لاشك أن لها دور في إزالة الستار لكنها لا تقدم الحلول وهي تقتصر على تصوريها للواقع دون تقديم الحلول وشريحة المعوقين شريحة واسعة يجب معالجة قضاياهم بشكل عميق وليس كلاسيكي".
 
من جهته قال د.مطاع بركات خبير نفسي معتمد في عدد من جمعيات وهيئات رعاية الطفولة في سورية "الإعاقة جزء من حياتنا وإذا لم تتناول الدراما قضية المعوقين تكون ابتعدت عن الواقع والإعاقة لها أشكال متعددة والتعامل معها يحتاج إلى معرفة صحيحة وتجربة الدراما رغم تطرقها لموضوع الإعاقة إلا أنها دخلت للعموميات ولم تدخل في الخصوصيات".
 
عربشة: يجب فتح الأبواب أمام المعوقين وطموحاتهم دون خلق إعاقة جديدة بوجههم
وللوقوف بشكل أقرب من القضية يقول الشاب عبد الهادي عربشة الذي يعاني من إعاقة جسدية في قدميه إن "الدراما تناولت موضوع الشفقة تجاه المعاق ولكنها لم تدخل في أعماق معاناته فلم تصور ما يتعرض له من عقبات خلال حياته اليومية ولم تتطرق إلى معاناة دخوله إلى المدارس والجامعات ورفض أرباب العمل من تشغيله إضافة إلى نقص الخدمات المؤمنة له من طرقات وكراسي وخدمات أخرى خاصة به".
 
ويضيف عربشة الذي يتابع تحصيله العلمي في قسم الترجمة التعليم المفتوح أن" النجاح الذي توصلت إليه ليس إلا نتيجة لإصراري وطموحي الشخصي", مشيرا إلى أنه "يجب أن تفتح الأبواب أمام المعوقين وطموحاتهم دون خلق إعاقة جديدة بوجههم إضافة إلى إعاقاتهم".
 
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن نسبة المعاقين في سورية تبلغ 10% من تعداد السكان،بينما تدل الإحصائيات في العالم إلى تعاظم نسبة المعاقين إلى ما يعادل 13.5 % من مجموع سكان العالم مع بداية القرن الحادي والعشرين ومن المتوقع أن تصل إلى 15%.


مها القحف، (تباينت الآراء حول تجربتها.. الدراما السورية تكسر صمت الإعلام السوري تجاه المعوقين)

موقع "محطة أخبار سورية"، (8/2010)

0
0
0
s2smodern