مرصد العنف والإعلام

من لقاء مع هيام حموي، الغنية عن التعريف، والمعشوقة منذ زمن طويل لروحها وصوتها، وأولا لإنسانيتها، لم تجد صحيفة "القدس العربي" ما تضعه عنوانا للقاء طويل وغني سوى جملة منتزعة من سياقها تقول "الحياة العصرية أخذت من المرأة أكثر مما أعطتها"! ففي الإعلام العربي كما في غيره، بعيدا عن المفاخرات الكاذبة، يبقى خبر الرجل الذي يعض الكلب هو الأهم! وتبقى غاية "الإثارة" سيدة المواقف والمانشيتات!

لكن هيام حموي، لم تكن بريئة تماما من هذا العنوان. فللأسف أنها أسقطت خبرتها الشخصية، وخبرة عائلتها، على واقع مخالف تماما في الماضي كما في الحاضر.

ففي جوابها على سؤال حول تجربة عيشها بين باريس ودمشق، ورؤيتها حول أين وصلت المرأة اليوم، استعرضت حموي وضع عائلتها، والدور الفردي الذي لعبته بعض نساء العائلة في إثبات وجودهن رغم الواقع العام المعاش وقتها. وانتقدت استكانة النساء اليوم، وخلصت إلى أن "لا أعتقد أن مشاركتها ومكانتها في الحياة اليوم أفضل من قبل، اليوم الروح العملية هي السائدة وابتعدت المرأة عن الثقافة والألفة والمشاركة، الحياة العصرية أخذت أكثر مما أعطت".

من المفهوم الحديث عن "الالفة" والحياة الحميمية. رغم أنه كان يعني، بعيدا عن تجليات الذاكرة التي تلعب دائما، خضوع المرأة واستكانتها لدورها التقليدي كامرأة، أي ككائن يعطي بلا حدود ولا ينتظر ولا يأخذ شيئا! بل لا يشكو ولا يتأفف! لكن ذهاب هذا إلى الثقافة والمشاركة ايضا، فهذا ما يصعب فهمه!

فكيف يمكن مقارنة بضعة نساء لا يتجاوز عددهن أصابع الكفين، وجميعهن زوجات وأخوات "وجهات المجتمع"، في وقت كانت 95% من النساء السوريات غارقات في ظلام مدقع، ومثلهن من الرجال، بسبب الفقر والتخلف وانعدام وسائل الثقافة والتعليم، بل والحضارة، بوقتنا الحالي حيث دخلت 99% من النساء والرجال إلى الحياة المرئية؟ فحين يتحدث البعض عن مرحلة الخمسينيات والستينييات من القرن الماضي، فإنما يتحدث عن ثلة من الناس هي واجهة المجتمع وكل ما هو مرئي فيها. لكن من كان يرى مئات الآلاف المسحوقة تحت وطأة الطبيعة والجهل والفقر والتخلف في أرجاء البلد: من القامشلي إلى درعا، ومن عفرين إلى السويداء، ومن البوكمال إلى اللاذقية؟ لا أحد. هل كانت هؤلاء النساء (النسبة الساحقة من نساء سورية في ذلك الزمن) يعرفن ماذا تعني "صالونات" أو "أمسيات أدبية" أو ماشابه؟

وفوق ذلك: كم كانت نسبة النساء المتعلمات في ذلك الزمن، أي مستوى من التعليم؟! وكم كانت نسبة "الأديبات"؟ والمثقفات، والناشطات في قضايا متعددة كالبيئة والمجتمع ومناهضة العنف والاقتصاد والسياسة و..؟ وكيف يمكن مقارنة ذلك مع آلاف النساء السوريات اللواتي يكتبن اليوم الرواية والقصة ويبدعن فيهما؟ واللواتي يعملن في السياسة بكافة أوجهها وآلياتها، الحكومية منها وغير الحكومية؟ واللواتي لا ينتجن على امتداد المنشآت الاقتصادية في سورية فحسب، بل أيضا يدرن الكثير منها، وأكثر بكثير يشكل قسما هاما من الكوادر المتوسطة فيها؟!
كم امرأة كانت تعمل فعلا في  الأحزاب (وليس في "دعم" حركة الرجال في هذا الأمر أو ذاك)؟ كم منهن كن قادرات على المشاركة السياسية الحقيقية، أو الكتابة، أو النشر، أو إبداء الرأي؟ كم منهن كن قادرات على أن يحملن صررهن ويسافرن إلى مختلف أصقاع الدنيا بحثا عن عمل أو عن حياة جديدة، بل حتى إلى مدينة أخرى؟ كم منهن  كن قادرات على المشاركة في الحياة العامة بأي من أوجهها؟ كم منهن كن قادرات على أن يكن مدرسات، محاميات، طبيبات، مهندسات..؟ كم منهن كن قارات على أن يقررن أي شيء في مصيرهن: زواجا كان أو عزوبية أو إنجاب أطفال أو..؟

بل حتى على المستوى الحياتي المباشر: كيف يمكن مقارنة تلك الحياة التي كانت فيها النساء (والرجال) يموتن بالجدري، والطاعون، وأمراض الولادة المختلفة، وسوء التغذية، و.. بالحياة العصرية التي أنقذت مئات آلاف النساء السوريات من موت محقق بسبب ولادة عسيرة؟ أو تلك الساعات الطويلة الشاقة التي كانت تقضيها يوميا، او مرات في الأسبوع تفرك وتفرك في ثياب لا تنظف، باليوم مع تخفيف هذا العبئ المريع (لمن لا يعرفه: من المفيد أن يذهب حيث يراه فعلا، ويجربه على مدى شهر واحد ليعرف ماذا يعني هذا العمل "التافه"؟ أو كيف يمكن مقارنة حياة النساء اللواتي كن يشكلن غالبية النساء السوريات، ويضطررن يوميا إلى الاستيقاظ في الرابعة صباحا لبدء عمل شاق مرهق لا ينتهي قبل الخامسة مساء، ليعدن إلى البيت فيكملن عملا ليس أقل إنهاكا، ثم لينمن كالقتيلات الملسوعات حين يحل المساء؟!
بل كيف يمكن مقارنة الوعي والمعرفة التي لم يترك منها انحطاط دولة عباسية تمرغت في وحل التمزق والفوضى والتخلف، وانحطاط احتلال عثماني لم يترك في البلد خيرا إلا امتصه حتى آخر نقطة، بالوعي والمعرفة التي تحصل عليها النساء اليوم من التعليم العام، ومن آلاف الوسائل المختلفة بضمنها الإعلام؟

بالطبع، لا وجه للمقارنة إطلاقا. إلا إذا اتبعنا القاعدة السائدة بين المثقفين رومانسيي الماضي الذين يعتبرون سورية في الأربعينيات مثلا، هي سورية بعض العوائل في بعض المدن، متجاهلين الملايين المختفين عن وجه الحياة بسبب سوء حياتهم وانعدام أي أساس إنساني لتلك الحياة.
وربما حان الوقت لكي نتوقف عن هذه المقارنة الظالمة. فالماضي لم يكن مضيئا. ولم يكن جيدا للنساء (ولا للرجال). وإذا كنا نعلي الصوت من أجل مستقبل أفضل، ونشكو مما نحن فيه الآن، فذلك لأنه يمكننا أن نكون أفضل، وليس لأن الماضي كان ذهبيا! فالماضي كان أسود حالكا كأنما في غابة. ولا يستطيع احد يعلي عقله، ويخفف قليلا من مشاعره الرومانسية تجاه الماضي، إلا أن يتساءل مندهشا كيف تمكنت مئات آلاف النساء من تجاوز تلك الأزمنة الصعبة!

أن نحلم برومانسية، وأن نتذكر بعض تفاصيل حياتنا بحب وتقدير.. هو شيء. وأن نعمم تلك الصورة حيث لا وجود لها، شيء آخر. أن تكون نساء عائلتك قد حققن أنفسهن بهذه الدرجة أو تلك (رغم هشاشة تلك الدرجة مقارنة باليوم)، هو أمر يستحق الاحترام والحنين الرومانسي. لكن أن تنسي أن حماه المدينة، وريفها، كانا غارقين في ظلمات الكهف الأسود لتلك الحياة المريرة الجاحدة، وأن تعممي ذلك على البلد، هو خطأ "مثقفاتي" معتاد، ولكنه يبقى خطأ.

النساء السوريات اليوم في حال أفضل من أي وقت مضى. هذه حقيقة بسيطة لا يمكنها نكرانها ما لم ننكر واقعا تقوله الأرقام، وحقائق نعرفها جميعا. هذا لا يعني أنها في حال جيد فنرضى عنه. بل يمكنها، يمكننا بالأحرى، أن نكون في حال أفضل بكثير، ولذلك نقول ما نقوله، ونفعل ما نفعله، من أجل تجاوز العنف والتمييز الذي صرنا اليوم نستطيع تجاوزه. فلا تغرنا صورة فوتوغرافية لعائلة هنا، أو صالون أدبي لعائلة ما هناك. فالحياة الحقيقية لم تكن تملك الكاميرا لتوثقها، ولا المكان لتفتح فيه "صالونا"!


لقراءة اللقاء مع هيام حموي، الرجاء النقر هنا..


بسام القاضي، (قضية المرأة قضية "إرادة فردية"!! شكرا هيام حموي)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern