مرصد العنف والإعلام

أمام لهفة القارئ الذي أحب رواية ذاكرة الجسد أو كرهها، انتقدها أو أضمر انتقادها... وبين يدي التغطية الإعلامية التي سايرت مخاض المسلسل، واحتمالاته الكثيرة بين مخرج وممثل وسيناريست، وفي مهب السؤال العالمي المرهق الذي أعجز أهم المخرجين العالميين ولم يلق جواباً حتى الآن: أيمكن لرواية ناجحة أن تتحول إلى عمل درامي ناجح دون أن يسيء أحدهما للآخر، بل أن يكملا بعضهما.

يقف القارئ- المشاهد أخيراً ليسأل: هل حقاً هذه هي رواية ذاكرة الجسد؟!
وهل حقاً الروائية أحلام مستغانمي رضيت بهذا (المُخْدَج الدرامي) لنصها الذي هز القارئ العربي لأكثر من عشر سنين مضت؟!
كان على العمل الدرامي أن يرمم النقص، ويضيء نواح أخرى من الشخصيات أضمرتها الرواية وكان من الممكن استنطاقها، ويوسع بأدواته المختلفة عن أدوات الأدب الأفق الخيالي للنص الروائي ويؤكد أهدافه البعيدة والأهم... أن يفتح نافذة الشاشة الصغيرة متنَفّساً للأدب الذي يضيق فضاؤه ورواده يوماً بعد يوم في ازدحام وقسوة الحياة الراهنة.
وقد أخفق المسلسل بهذه المهمة في الغالب، ونجح في مشاهد نادرة (مثلاً مشهد ظنون البطل خالد بن طوبال حين سفره إلى إسبانيا وتصوير العلاقة القائمة في غيابه بين حياة وزياد... وهي في الرواية تأتي على شكل تساؤلات حارقة في ذهن البطل)
منذ البداية، تطالعنا كلمات الأغنية لكاتبة السيناريو منذرة بفهم مشوش للرواية: إذا كانت الحياة فعلاً ذكريات،فهل ما تبقى إلى زوال؟! وهل رواية (ذاكرة الجسد) -التي حاملها الأساسي ذاكرة مناضل في فترة دامية من تاريخ الشعب العربي والشعب الجزائري تحديداً- تريد ترسيخ حالة النكوص إلى الماضي المزهر التي يعاني منها الشعب العربي في الوقت الراهن، على إثر الانكسارات على كل أصعدة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والـ...؟
وكيف نجمع الأحزان- الذكريات في سلة من قصب النسيان إذا كان ما تبقى إلى زوال!
يأتي المشهد الدرامي ليفضح الخلل في بناء الشخصيات الثانوية في النص الروائي وتهميشها لصالح الشخصية الرئيسية، وقد كان هذا الأمر مغتفراً في الرواية، لكون الشخصية الرئيسية هي الراوي (وهو شخص فنان مبدع مثقف متطرف الإحساس) بالتالي تقديم كل الشخصيات من خلال أحداث عايشها ومن خلال تقييمه وإحساسه بتلك الشخصيات.
وفي محاولة من السيناريست(ريم حنا) لنقل النص بجمالياته الأدبية ولغته العالية إلى المُشاهد، تأتي الجمل والعبارات- التي كانت مونولوج هامس ومؤثر للشخصية الرئيسية الأولى في صفحات الرواية- تأتي على شكل حوار خطابي وانفعالي يُفقد الكلام جماليته وتأثيره أحياناً (مثلاً حين وقف خالد صارخاً في وجه حياة: "أين هو الدكتور كابوتسكي ليرى ما فعلت بيدٍ واحدة...")، ويوقعه في خانة المباشرة أحياناً(حين يخاطب البطل كاترين صديقته الفرنسية، أو حين يخاطب سي الشريف متحدثاً عن زياد...) ويفرغه من أدنى شحنة إحساس، وكأن لغة الأدب التي يقرؤها وينفعل بها القلة من الشعب العربي عاجزة عن حمل الإحساس الذي تحمله لغة الدراما التي يتعاطاها الأغلبية.

و تتسطح الشخصية لتنسى القضية الأساسية حيناً من الزمن وتنخرط في المشاكل اليومية (وهنا طبعاً يغيب المونولوج ونبرة الحزن الشاعرية حتى نهاية المسلسل تقريباً).

بالنسبة للشخصية الرئيسية الثانية (حبيبة البطل) التي تُظهر في الرواية الكثير من الوعي السياسي والإنساني، والإحساس العالي، والطبيعة المزاجية، والمتمردة على كل الوصفات الجاهزة للحب والإيمان والزواج والوطنية، تلك الشخصية التي لا يستطيع فهمها إلا كل إنسان ثائر بداخله وقادر على خلق عالمه الخاص من القيم المتنكر لكل القوالب المألوفة (وهذا أحد أسباب وصف رواية ذاكرة الجسد يوماً أنها رواية للنخبة)، أيضاً يأتي المشهد الدرامي ليفضح الخلل المتشكل في الرواية من غياب هذه الشخصية عن صفحات الرواية وظهورها بشكل قرار مفاجئ بالزواج، لو كان أي زواج فربما كان كما أتى على لسان البطلة هروب من الذاكرة، لكنه زواج بالنسخة المشوهة للذاكرة (في الرواية رجل عسكري وفي السيناريو رجل من منافقي الثورة رفيق السلاح لخالد) وإذا كانت الرواية تتحايل على هذا الخلل بتساؤلات على لسان الراوي "هل النساء كالشعوب..." وبدون تفصيل مواصفات الزوج وبإنهاء الرواية دون ذكر تطورات علاقة البطلة بالزوج المجهول، فالسيناريو يظهر سطحية فهم الشخصية ويظهرها كفتاة لعوب تتفوه نادراً بكلام فصيح منفصل عنها ثم تتحول بعد نهاية الرواية (أي بعد الحلقة 12 من المسلسل) إلى فتاة غبية رمت بنفسها ثم وجدت نفسها في مأزق (تقول البطلة في المسلسل: "يا إلهي ماذا فعلت بنفسي")، وتصبح فتاة حسودة ثرثارة تنتقم من صديقتها (وابنة عمها) فقط لأن أخيها فضلها عليها(مع الانتباه إلى أن قصة الحب المفتعلة هذه والرسائل هي محاولة أخرى فاشلة لترميم غياب الشخصيات الثانوية في الرواية).

 وقد كان من الممكن استلهام رواية فوضى الحواس المكتوبة على لسان البطلة لفهم الشخصية بشكل أعمق ولوضع حلول أكثر إقناعاً لتطورها.

ونجد أنفسنا وقد بررنا حرفية التّناصّ مع الرواية ووقوع السيناريست تحت تأثير رهبة النص، نجدها بعد الحلقة 12 تبدأ رواية أخرى، تتمة هزيلة (لذاكرة الجسد)،ربما ظناً منها أنها تراعي ذوق الجمهور الذي اضطر مؤخراً لاستهلاك مسلسلات "الحارة " والمسلسلات التركية المدبلجة والحدث المفتعل الخالي من العمق الفلسفي والحياتي.

من ضمن هذه المراعاة للجمهور- ربما- نهاية سي مصطفى بإزاحته عن منصبه وانهيار جبروته...

وكلنا يعرف أنه ما يزال على طول الكهف العربي، ينهب خيرات البلاد ويسوس بالظلم ويبتز المشاعر الوطنية ويخوّن من يشاء، ويورث مزاياه لأبنائه...

إضافة لظاهرة التطويل التي لازمت متن المسلسل، وبعض المشاهد المقحمة (على سبيل المثال لا الحصر: مشهد ابن حسان الذي يرافق عمه ويرى فريدة تخرج من بيت أما الزهرة ويثرثر بذلك أمام أمه،ما الحاجة لهذا المشهد ما دام الأب سيرى ابنته برفقة ناصر).

باعتقادي كان من الممكن المزاوجة مع رواية فوضى الحواس إذا كان الهدف إيصال المسلسل إلى 30 حلقة.

لن أتحدث عن خيبتنا بالمخرج نجدت أنزور وعن التصوير البارد وتكرار الأماكن لأحداث مختلفة وتكرار بعض المشاهد ما يزيد عن 5 مرات ومدتها تصل أحياناً إلى4 دقائق. وكان من الممكن تكرار مجرد صورة حتى يتذكر المشاهد مشهداً مر أمامه كاملاً...(هل نعتبر هذا غباء أم استغباء،أو عدم ثقة؟!! أم هو تمتع بهدر وقت المشاهد في شهرٍ تصبح فيه مشاهدة التلفاز هي العمل شبه الرئيسي للكثيرين!).

ولن أتحدث عن الأداء المضحك لبعض الأبطال، واختيار البطلة من عديمي الخبرة والقدرة على التمثيل فقط لمجرد الشبه الشكلي بشخصية الرواية، ولكونها جزائرية.

في النهاية، رواية ذاكرة الجسد برغم الخلل البنيوي والسردي والاستطراد الذي يرهق القارئ أحياناً، تبقى برأيي بلغتها الأدبية العالية، وفلسفتها العميقة المولودة من بديهيات الحياة، وشحنة الإحساس العالية التي تمنحها للقارئ، من أهم أمثلة (تمازج الأجناس الأدبية).

وتبقى كما الكثير من الأعمال الأدبية المميزة وكما نحن- القراء- تنتظر من يحل تلك المعضلة:
قارئ مُشاهد... ومشاهد قارئ.


سهير فوزات، ((ذاكرة الجسد)... خنق الأدب على الشاشة الصغيرة)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern