مرصد العنف والإعلام

أضافت الدراما السورية لهذا العام في رمضان قضية الإعاقة، مما حفز المهتمين من المشاهدين أو المختصين لتقديم وجهات النظر العادية أو التخصصية، الرأي التخصصي نوعا من أنواع المساهمة في تعزيز رسائل الدراما وتوضيحها لتحقيق الغاية من طرح الإعاقة فيها.

اهتممت بمتابعة قضية الإعاقة بتفاصيلها الجزئية لأنها ضمن إطار عملي لسنوات مضت خاصة بتأهيل الإعاقة الذهنية والشلل الدماغي، وهذا أثار لدي فضول طرح وجهة نظر تخصصية لشخصية تم تقديمها في مسلسل " قيود الروح " وهي شخصية فراس المعاق ذهنيا.

باعتقادي أن خصوصية هذه الإعاقة تحتاج إلى جهد كبير في طرحها خاصة في دراما يشاهدها فئات مختلفة في المجتمع، طرح الإعاقة الذهنية في الدراما يحتاج للعديد من الجزئيات والتفاصيل هامة لبيان الحالة، الاختلاف بين حالات الإعاقة الذهنية الأكثر شيوعا بين الإعاقات بشكل عام.

 الثغرات التخصصية في شخصية فراس الواضحة خاصة لمن يعمل مع المعوقين ذهنيا، تبدأ من التفاوت بين ما قدمه المسلسل لشخصية فراس الطفل الذي كان في العاشرة من عمره تقريبا وبين فراس المراهق والشاب، سمات الإعاقة في مرحلة الطفولة درجتها متوسطة، إضافة إلى ما يعانيه الطفل من سلوك والده والذي بالتأكيد له أثرا سلبيا على تكوين شخصيته في المراحل القادمة وليس العكس كما شاهدنا، الرفض والعنف الذي تعرض له فراس في الطفولة والمراهقة لم يترك أثرا في الشخصية لاحقا، ايجابية الأم وتعاونها مع المركز ألتأهيلي جاء كما شاهدنا بمرحلة العاشرة من العمر وهو عمر متأخر في لغة من يعمل في التأهيل، ولابد أن يؤثر بجزء في المستقبل بتكوين شخصية الطفل، بيئة العنف والرفض لم تتغير إلا بعد انتهاء المراهقة، حيث ترك الأب المنزل، كيف إذا اقتنع كمشاهد تخصصي بشخصية فراس الشاب دون أي أثر؟ هذه النقطة أتوجه بها إلى المشاهدين لأنه من الخطورة أن لا نبين الأثر السلبي الذي لابد له أن يظهر بناء على سلوك الأب السلبي والعنيف، وتجاهل التأهيل المبكر، غياب الأثر يفقد أحد أهم رسائل المسلسل أهمية قبول الطفل المعوق من الأسرة، والعمل بالتأهيل بعد اكتشاف وتشخيص الإعاقة خاصة أننا نتعرض للإعاقة الذهنية.

إذا ما انتقلت إلى الحوارات التي خصت المرحلة السابقة، تبين من خلال زيارة الأخصائية للمنزل وحديثها مع الأم للمرة الأولى أنها لا تعرف عن ابنها إلا القليل فهي تتعامل بفطرة الأمومة وليس بمعرفة عن إعاقة ابنها وهو سلبي بعد أن عرض المسلسل أن الإصابة منذ الولادة، في الجانب الاخر من حوار الأخصائية نوهت أنه يحتاج إلى رعاية خاصة وطريقة تعاملولم تتعرض لبرنامج تعديل للسلوك أو النطق، وهو ما كان يحتاجه في هذه الفترة لكي نقتنع جزئيا أنه وصل إلى المراحل القادمة من نموه بالصورة التي تم عرضها لاحقا، على الرغم أن من أول مبادئ تعديل السلوك هو تغيير سلوك المحيطين في بيئة الطفل وهو غائب في المسلسل.

خلال هذه الزيارة ظهرت مهارة الرسم عند فراس، فجأة انقطع في المسلسل دور الرسم في حياة فراس حتى الحلقات الأخيرة وإقامة معرض خاص بلوحاته وهو في مرحلة الشباب، السؤال المهم لهذه النقطة بالتحديد لماذا لم نظهر أهمية هذه المهارة ومحاولة تطويرها من الأسرة؟ على الرغم من أن هذه المهارة في الواقع تستثمر من الاختصاصيين والمحيطين بالمعوق لتجاوز العديد من المشاكل التي يتعرض لها المعوق خلال مراحل نموه، كان مهما أن تؤخذ هذه النقطة بعين الاعتبار خاصة أن المسلسل تعرض لمشكلة من مشاكل هذه الإعاقة وهي المشكلة الجنسية.

تم عرضها ولم نعرف كيف تم تجاوزها إلا من خلال تعليقات الأم مع صديقاتها أو الأخصائية التي ظهرت للمرة الثانية فجأة في المسلسل لتقول تعليقا واحدا على الجنس لدى المعوق ذهنيا "مشاعر طبيعية حاولي أن تشغلي وقته " إلا أنه من الأهمية بمكان ذكر تفصيلات وتخوفات لابد أن تعرفها أسر المعوقين ذهنيا، لا يستطيع المعوق ذهنيا أن يفكر في ضبط غريزته فهو يتصرف غريزيا دون أي تفكير ولديه قدرة جنسية كبيرة ونضطر أحيانا إلى الاستشارة الطبية للمساعدة، الأهم أن يذكر أهمية حمايتهم من التحرش الجنسي، الذي يتعرضون له خاصة في عرض المسلسل لسلوك فراس مع الفتاة للمرة الثانية ضمن بيئة من الواضح أنها تشكل خطرا عليه جنسيا.

إذا ما استوضحنا علاقة فراس بوالده التي ظهرت بعد غياب الأب عن المنزل بفترة، لوجدناها غريبةوغير واضحة، علاقة جيدة حتى أن فراس يعمل مع والده في "الكشك"، والتجاوز التخصصي بأتي من أن المعاقين ذهنيا لديهم مشاكل في الإدراك والتكيف الاجتماعي، هذا يجعلهم غير قادرين على التغيير في التعامل مع المحيطين بهذه السهولة التي لم نعرف كيف نتجت في المسلسل بين فراس وأبيه، الطبيعي لسياق العرض لهذه الأسرة والعلاقات بين أفرادها لا تسمح لبناء علاقة ايجابية بين الأب وفراس كالتي شاهدنها، الأمر نفسه في ردة فعل فراس على وفاة والده لا تتناسب والعلاقة السلبية، خاصة بعد ردة الفعل الطبيعية الصحيحة التي ظهرت عند فراس لترك والده المنزل والتي وضحت سعادته بخلاصه من الضرب كما ذكر في الحوار مع أمه.

طرحنا لهذا التحليل هو أثر الدراما على المهتمين بقضايا الإعاقة، هو دورنا لتوضيح رسالة التوعية التي تهدفون لها، تحليل الجزئيات له من الأهمية خاصة لدى المعنيين من أسر المعوقين ذهنيا.

إذا أردنا أن نرى فراس الشاب في أبناءنا، لا تنسوا السنوات الخمس الأولى من عمر هم، تذكروا أن قبولهم هو القاعدة التي ستبنون عليها المستقبل القادم، فتشوا عن نقاط قوتهم واستثمروها، وضحوا حالتهم للمجتمع من حولكم لتكون إعاقتهم مصدر تعلم وتوعية، دربوهم على حماية أنفسهم، الأهم قبل كل ذلك أن نعرف درجة إعاقتهم حتى لا نطالبهم أو نتوقع منهم المستحيل في الإنجاز.

تجربة دراما الإعاقة مساهمة لدعوة المختصين على توفير المعلومات الدقيقة لمختلف الجزئيات لتحقيق الهدف الإعلامي في تغيير الاتجاهات نحو الإعاقة بمجتمعنا..


مي أبو غزالة، (إضافات تخصصية للإعاقة في دراما قيود الروح)

خاص: مرصد نساء سورية

0
0
0
s2smodern