حق الجنسية

كتب الأستاذ فادي عرودكي مقالا رفض فيه إقرار حق الطفل السوري المولود من مواطنة سورية حقها الأساسي في جنسية أمه! مؤكدا أن هذه المطالبة هي مطالبة "عاطفية"، وتستند إلى مقارنات مع دول "الغرب".

والواقع أن نقاش الأستاذ عرودكي هو نقاش مهم، لولا أنه نحا بشدة نحو تحميل مؤيدي/ات هذا الحق الأساسي مسؤولية الطعن بالهوية الوطنية وعدم الحرص على "الوطن"! وهو الأمر الذي يتكرر دائما عند معارضي هذا الحق، إذ تفشل جميع الحجج الأخرى المبنية على أساس حقوق المواطنة وحقوق الإنسان.  رغم أن حقوق المواطنة وحقوق الإنسان هي أمور لا تتعلق إطلاقا بالعواطف.. بل بواقع أن البشرية قد خطت خطوات هامة بعيدا عن عالم الغاب الذي يحكم فيه الأقوى، والذي يشكل فيه الذكر السيد المطلق.

فالسؤال البسيط هو: هل المرأة السورية مواطنة أم لا؟ فإذا كانت مواطنة تحق لها كل حقوق المواطنة، وتترتب عليها كل مترتبات المواطنة. وأول وأساس حقوق المواطنة هي التمتع بالجنسية، ومنحها لمن حملت به تسعة أشهر، وولدته، وربته، وأنشأته..
أما إذا كانت غير مواطنة، وهو ما يؤكده الأستاذ عرودكي، فهنا تصح كل التشكيكات التي يضعها في مقاله أدناه.

فالأستاذ عرودكي يتساءل: "فمن يضمن لنا أن ابن السورية ذا الأب غير السوري سيعتبر سورية وطنه لكي تمنحه سورية ثقتها؟". وهو سؤال محق طبعا لولا أنه موجه للنساء السوريات قاطبة! وبناء على أنهن "نساء"! أي لولا أنه يحمل تمييزا صريحا وواضحا ضد المرأة السورية باعتبارها لا يمكن ضمانة انتماءها الوطني! فيما أن ابن "الرجل" هو "مضمون" حكما بأنه سيعتبر سورية وطنه، وبالتالي فهو يستحق الثقة!!
وفي الواقع يتناقض هذا مباشرة مع منهج الأستاذ عرودكي الذي بني فعلا على اعتبارات عاطفية حين أكد أنه "درجت العرب" على كذا وكذا. و"درجت" لا تحمل أي قيمة سوى قيمة العادة. فالعرب درجت أيضا على أن تقطع رؤوس معارضيها (الحجاج)،  والعرب درجت على "وأد" بناتها، والعرب درجت على "الغزو والسبي"، والعرب درجت على كثير من النواقص والمصائب مثلما درجت على الكثير من القيم الإيجابية والرائعة. لأن "العرب" مثل "غير العرب" هم بشر لهم ما يشاد به، ولهم ما يؤاخذون به.
كذلك فإن مقارنة حرمان الأطفال السوريين المولودين من أم سورية من حقهم الأساسي بالمواطنة، بما يقوله فلان عن أنه من حمص وليس من دمشق لأن أبيه من حمص وأمه من دمشق، هي مقارنة سطحية للغاية. فهي تقوم على مقارنة كلمة فقط، لا معنى لها بإطلاق، مع حق أساسي تترتب عليه سلة كاملة من الحقوق والواجبات.
وهذا المنطق يستدعي فورا أن "المرأة هي نصف المجتمع ومنشئة النصف الثاني". وعلى هذا القياس فإن الأجدر بأن "يشكك"  بولائهم لوطنهم هم أبناء المرأة غير السورية التي يتزوجها سوري، وهي من تنشئ أولاده! ما دامت هي من تمنحه جل قيمه وأفكاره كما يقول هذا المنطق.
فهل يوافق الأستاذ عرودكي على أن لا تحق الجنسية السورية إلا لمن ولد من أب وأم سورية؟ وأن يكون المولودين لأب سوري وأم غير سورية متساويين في المعاملة مع المولودين من أم سورية وأب غير سوري؟

المواطنة وحقوقها ليست اعتبارا متعلقا بأمريكا، أو بالكونغو. بل هي اعتبار مبني أساسا على مستوى حضاري يعيشه العالم اليوم ويقول أن البشر متساويين بغض النظر عن الجنس، والعرق، واللون، والدين، و.. وحين نحرم ابن المرأة السورية من مواطنيته المستمدة من أمه (مرة أخرى: التي حملت به وربته وأنشأته و..)، فإننا نقيم تمييزا صريحا لا أساس له سوى "الذكورة". فالواقع أن أحدا لا يضمن ولاء أحد للوطن بناء على أنه ولد لأب سوري.
والذين يستندون إلى ما تفعله أمريكا، لا يختلفون عمن يستندون إلى ما "درجت عليه العرب"، فكلاهما يهمشان الحقوق الأساسية، والمصلحة الأساسية للوطن والمواطنين/ات لصالح تصورات مسبقة لا تقوم على المفاهيم الحقيقية والصحيحة للحقوق.

وبما أن الأستاذ عرودكي قد قال أنه أقرب إلى "الحداثيين"، (رغم تحفظنا الشديد على هذا التوصيف. فالأمر لا يتعلق هنا بتحرر أو محافظة، بل يتعلق بحقوق أساسية في القرن الواحد والعشرين)، فإنه ربما يكون من الأنسب لهذه الصفة أن تأخذ أهم ما فيها ليكون قاعدة التفكير والقياس: العقل المبني على آخر منجزات البشرية. وفي هذه الحالة يكون تثبيت الحقوق الخالية من أي تمييز، لكل الناس بغض النظر عن أي انتماءات يحملون، هي القاعدة التي يجب أن تعتمد.

نص المقالة التي نشرها الأستاذ فادي عرودكي على موقع "سيريانيوز" في 25/3/2010:
الجنسية لأبناء السوريات: بين العنصرية والحفاظ على الهوية ..
فادي عرودكي
جرى في العام الماضي تداول لموضوع إعطاء الجنسية السورية لأبناء السوريات وآباؤهم غير سوريين، وتجدد النقاش في الآونة الأخيرة خصوصا مع نية مجلس الشعب السوري إصدار قانون بهذا الخصوص دون الوصول إلى نتيجة نهائية حوله.
وكان من الملفت والمثير للانتباه النقاش (أو هو أقرب إلى الجدال) الذي جرى بين المواطنين السوريين أنفسهم، سواء من خلال المقالات المنشورة أو التدوينات المختلفة أو حتى التعليقات في المواقع الإخبارية.
وانقسم السوريون بطبيعة الحال بين مؤيد ومعارض، وكان هذا الانقسام – كما يمكن للمراقب أن يراه - قد تم إلى حد كبير بناء على نفس الأسس التي انقسم عليها السوريون حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي سُرِّب، ومرسوم تشديد العقوبة على جرائم الشرف، والمطالبات المختلفة بالإعدام؛ إنه بكل بساطة انقسام بين المحافظين والمتحررين، التقليديين والحداثيين، الملتزمين والمنفتحين.. تعددت المسميات ولكن دوما نتحدث عن عقليتين فكريتين تؤطر التوجه الشعبي السوري الحالي تجاه القضايا الإجتماعية.
وبما أن تصوير الأمور وكأنه ثنائيات عادة ما يكون محاولة تبسيطية تسهّل الفهم للواقع القائم، فإن ليس جميع "الحداثيين" على سبيل المثيل التزموا خط "معارضة مشروع قانون الأحوال الشخصية وتأييد مرسوم جرائم الشرف والجنسية لأبناء السوريات"، على الرغم من أن أغلبيتهم فعلت ذلك.
وليس كل "التقليديين" التزموا الخط الآخر وهو الخط المعاكس تماما للخط السابق، على الرغم من أن أغلبيتهم فعلت ذلك أيضا.
ولأني أعتبر نفسي من المنتمين للفريق الأول فكريا – بالعموم – لذلك فإنه كان من الطبيعي أن أؤيد وبشدة المرسوم الذي شدد العقوبات على جرائم الشرف، بل وأتمنى أن نصل إلى إلغاء مسمى جرائم الشرف نهائيا فتصبح جريمة القتل جريمة قتل بغض النظر عن الدافع.
وكان أيضا من الطبيعي أن أؤيد المطالبات المنصفة بحقوق المرأة وأنا أؤمن بأنه يجب أن نصل إلى النقطة التي تتساوى فيها المرأة مع الرجل قانونيا بحيث يصبح ما له لها وما عليه عليها .. على فرض لم نصل إليها بعد.
ومع ذلك وجدت نفسي غير قادر على تأييد إعطاء أبناء السوريات جنسية أمهاتهم. وأمام الحجج التي يعطيها الفريق المؤيد والنقاشات المقنعة جدا التي يقدمونها، لم أجد من الفريق المقابل المعارض سوى دوران في حلقة مفرغة لا تحمل منطقا يمكن النقاش به ولا أسبابا حقيقية تدعّم سبب الاعتراض سوى عنصرية سورية رافضة للآخر غير السوري، أو عقلية تقليدية ترفض الأفكار التجديدية وتأبى إحداث تغيير في المجتمع.
لذلك، لم أجد بدّا من كتابة مقال – كنت مترددا في كتابته لفترة طويلة – لكي أفنّد عقلانيا سبب اعتقادي بعدم صوابية إعطاء الجنسية لأبناء السوريات، دون أن يكون دافع هذا الاعتراض أسبابا معيبة تُطرح يفترض أننا تجاوزناها منذ عقود.
هناك سببان رئيسيان يدفعانني لكي أكون معارضا لهذا المشروع: السبب الأول هو سبب مبدئي. وما أعنيه بهذا هو أن الإنسان يخلق منسوبا إلى شيء محدد، فهو فلان بن فلان، وينتمي إلى المدينة الفلانية. إذاً، الإنسان يعرّف باسم واحد منتميا إلى مدينة محددة.
ودرجت العرب على أن يكون النسب أبوي الاتصال، فيحمل الفرد اسم عائلة الأب وانتمائه.
ولذلك، إن كان أبو فلان حمصيا، وأمه شامية، ففلان يجيب عندما يُسأل من أين هو بأنه من حمص وليس من دمشق.
وقياسا، فإن السورية المتزوجة من المصري على سبيل المثال، لا يمكن أن يكون لابنها انتماءان: سوري ومصري (طبعا بالنسبة لي الانتماء هو الانتماء العربي، ولكن هذا خارج النقاش حاليا) بل أن ابنها عندما يُسأل عن انتمائه سيجيب بأحد هذين الانتماءين، وعلى الغالب سيكون الانتماء المصري لأنه بكل بساطة يحمل أيضا اسم عائلة أبيه المصري أيضا.
لذلك فإن الحصول على جنسية الأم لمجرد أن الأم تحمل هذه الجنسية ليس إلا بدعة عاطفية لا تستند إلى أساس ثقافي أو عقلي.
وإن أردنا مسايرة المؤيدين لإعطاء الجنسية لأبناء السوريين، فلا عجب أن يطالبوا أيضا بازدواجية اسم العائلة لأبناء السوريات، فيصبح لابن السورية في اسمه عائلتان بدلا من عائلة أبيه فقط.
سيقول قائل: ولمَ هذه الفذلكة وتضخيم الأمور وتحميلها أكثر مما تحتمل، وهذه دول أوروبا وأميركا تعطي الجنسية لأبناء مواطناتها فلمَ لا نحتذي حذوها؟ فأجيب هنا بسببي الثاني الذي يدفعني لأعارض منح هذه الجنسية ألا وهو أن الدول الغربية هي دول: أولا، لا تهتم بنسب أبنائها، بينما النسب لدينا شأنه عظيم.
وثانيا، أن هذه الدول، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية، قائمة على الهجرة ومجتمعاتها مجتمعات هجينة متعددة عرقيا وثقافيا ولا تلتزم بهوية ثقافية أحادية، بينما مجتمعاتنا مجتمعات متجانسة التوجه الثقافي اللغوي لا تتضمن ذاك الخليط الكبير غير المتجانس من الأعراق والإثنيات كما أنه لا توجد آلية محددة لدينا لمنح الجنسية. وبناء على هذا، فإعطاء الجنسية لابن السورية المتزوجة من غير العربي على سبيل المثال قد ينتج عنه مواطنا سوريا لا يتقن العربية، أو لا يحمل ثقافة بلده المفترض!
ومع ذلك، لا بد لي أن أقول أني أتعاطف مع المطالب بمنح الجنسية لأبناء السوريات، بل وأتضامن مع أسبابها ودوافعها الإنسانية تضامنا كاملا، واعتراضي الوحيد هو على اعتقاد المطالبين بها أن الحل الوحيد لإنهاء المشاكل والصعوبات التي تواجه السوريات في سبيل أبنائهن هو بمنح الأبناء جنسية الأم، بينما الحلول عديدة.
لذلك فإني أقترح بأنه بدلا من القيام بمنح أبناء السوريات الجنسية السورية، وبما أننا نهدف إلى حل المشكلة (وليس قتل الناطور!!)، فلماذا لا يتم إصدار قانون ينص على معاملة أبناء السوريات معاملة السوري دون إعطائهم الجنسية؟ فيحق لهم ما يحق للسوري عدا الترشح والتصويت والحصول على جواز السفر، ويجب عليهم ما يجب على السوري عدا الخدمة العسكرية.
وهذا الأمر مجرب في دول عربية أخرى مثل الكويت حيث يتم معاملة أبناء الكويتيات معاملة خاصة دون أن يحصلوا على الجنسية الكويتية، وكذلك فإن غير الأميركيين الحاصلين على إقامة دائمة في الولايات المتحدة يعاملون كالأميركيين بطريقة مماثلة للذي اقترحته أعلاه.
وبالتالي إن كان هدف المطالبة بالجنسية لأبناء السوريات هو تسهيل معيشتهم في سورية أو تسهيل زيارتهم لسورية فيمكن تحقيق ذلك لهم دون الحاجة لإعطائهم الجنسية السورية.
وبما أننا نتحدث عن الجنسية السورية، فلربما أيضا يتم التفكير في تقنين الحصول على الجنسية السورية بحيث يتم منحها لأولئك المستحقين لها (الذين يستحقونها حقا بعد أن وفوا شروط الحصول عليها والتي تهدف للحفاظ على الهوية السورية).
وحينها، يمكن لأبناء السوريات الذين عاشوا في سورية فترة كافية ويتقنون اللغة الرسمية لسورية التقديم للحصول على الجنسية السورية وتمنح لهم بناء على معايير مدروسة للحفاظ على الهوية السورية، وليس بناء على مطالب عاطفية يمكن أن تضر بهذه الهوية، وإن لم يكن فيها ضرر فإنها حتما لا تستند إلى أسس منطقية عقلانية.
الحديث عن منح الجنسية ليس بالأمر السهل، فإعطاء جنسية الوطن هو ثقة يمنحها الوطن للمواطن، وإن كان معظم القراء قد نشؤوا على حب سورية لأنهم عرفوها وطنهم منذ الصغر، فمن يضمن لنا أن ابن السورية ذا الأب غير السوري سيعتبر سورية وطنه لكي تمنحه سورية ثقتها؟


نساء سورية، (الجنسية هي أساس المواطنة، فهل السوريات مواطنات؟ نقاش مع الأستاذ فادي عرودكي)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern