حق الجنسية

لم يوفر الزميل أبي حسن سخريته التحقيرية ممن عمل طوال أكثر من عقد من الزمن، في ظروف صعبة بكل معنى الكلمة، لإقرار حق المرأة السورية، المواطنة السورية، بمنح جنسيتها لأبنائها بغض النظر عن جنسية الزوج. وهو العمل الذي جعل من الممكن لنا جميعا أن نعرف أن هذا التمييز واقع على المرأة السورية لأنها امرأة، من قبل سلطة ذكورية مستشرية في كل مفاصل الحياة، وعلى رأسها "الطليعة المثقفة"!

وبالطبع، لم يتوانى الزميل أبي حسن عن أن يتعطف ويتكرم بأنه مستعد لـ"حينذاك سيكون من دواعي سرورنا أن تهب المرأة السوريّة جنسيتها لأبنائها, ولن يكون لنا أي تحفظات"، فيما إذا تحققت الشروط التي يريدها! معبرا بكل صراحة ووضوح عن الأساس التمييزي الذي يقوم عليه انتهاك هذا الحق، وهو الانتهاك الذي أيده الزميل أبي بغض النظر عن الجمل البراقة المستخدمة في مقاله المنشور على كلنا شركاء تحت عنوان: "عمر بن أسامة بن لادن سوري! لم لا؟"! فالمسألة بالنسبة للزميل أبي، مثلما لكل متبني الثقافة الذكورية، لا تتعلق بحق مواطنة، بحق إنسان، بل هي تتعلق بما يراه المجتمع الذكوري من شروط لكي يتعطف على النساء بأن يعتذر من النساء السوريات عن انتهاكه الصريح لحقوقهن، وحقوق أطفالهن، ويقر بحقهن وحق أطفالهن بالحصول على الجنسية السورية دون أي قيد أو شرط. فالأجدر أن يحصل الإبن على جنسية أمه إذا كان لا بد من التمييز بين الأم والأب في حق الجنسية. وبما أنه لا مبرر للتمييز أصلا، فالحق هو حق لكل من الأب والأم. مهما كانت جنسية الأب.

لنبدأ من السخرية التي تعبر صراحة عن مدى استخفاف المثقفين السوريين، الغارقين في "نضالهم الشخصي" والبعيدون كل البعد عن تقديم أي شيء يذكر لمجتمعهم.
- "كما هي من حق السيد عمر بن أسامة بن لادن, وفقاً لـ"نضال" بعض السوريين والسوريات من عاشقي وعاشقات الأضواء أكثر من عشقهم للحق وهيامهم به"!
لولا أن الزميل أبي يعرف ما يعرف، لما كان للسخرية هذه أي أثر يذكر. لكنه يعرف أن السوريين والسوريات، بدون "بعض"، قد بذلوا/ن الكثير من أجل تعريف الناس، وبينهم الزميل أبي، بأن الجنسية السورية هي حق للطفل السوري المولود من أم سورية، وأن حرمانه منها هو انتهاك، بل انتهاك فظ لحقوق المواطنة والإنسان.
ويعرف أيضا أن "عاشقي وعاشقات الأضواء" سخروا تلك الأضواء من أجل تعريفه، وغيره بهذا الحق. ومن أجل العمل ليكون هذا الحق مقرا ومحققا، وليس من أجل شيء آخر! لكن ربما أنه معذور من وجه آخر، لأنه لا يعرف أن تلك "الأضواء" لا تجلب إلى من يقع تحتها حتى نقود عداد التكسي إلى استوديو في التلفزيون، أو حلقة في إذاعة إف ام.

- "من الطبيعي أن نجد من ضمن "قادة" الحملة التي نعني الكثير من هواة حب الظهور وعشّاقه, ولا ضير في هذا. ومن المؤكد أن نسبة المتاجرين بقضايا المرأة لا بأس بوفرتها في بلادنا (كتجارة بعض المنظمات والجمعيات في سوريا بحقوق الإنسان), ومع ذلك لا يكفّ بعضهم عن المطالبة (عن غباء عادة) بالمساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء.. كل شيء(التأكيد لهم وليس لنا).. ما عدا خدمة العلم الإلزامية التي يُعفى منها النساء و"اللي إمّو رضيانة عليه بهالبلد" ومن يكون وحيد والديه على حد سواء"
هذا جميل، لولا أنه بلا معنى.
فمقارنة حق الجنسية، بمشكلة خدمة العلم، هو أمر لم نجد من يستخدمه من أي ممنن يحاججون عقليا. بل فقط أولئك الذين يسوقون الكلمات كيفما اتفق دون أي تمعن أو تفكير.
وفي هذه الحالة، ربما الأجدر أن يحرم من الجنسية كل من رفع صوته ليقول بإلغاء خدمة العلم، وهم كثر، وربما كان الزميل أبي من بينهم حتى إن لم يكن قد نشر مثل هذا الرأي.
وبغض النظر عن انتقاداتنا نحن، في مرصد نساء سورية، لتقصير الجمعيات والمنظمات العاملة في قضايا المرأة والعاملة في قضايا حقوق الإنسان، فإن الانتقاد شيء، والاتهام المجاني بأنهم/ن "يتاجرون" بهذه القضايا شيء آخر.
ليست لدي فكرة عن أية متاجرة يتحدث الزميل أبي. وكان الأجدر أن يقول فلان، ويشرح كيف هو يتاجر. لكان ذلك أدعى للفائدة وأبعد عن شبهة الاتهامات المجانية. أما أن تساق الاتهامات بكل هذه السهولة، فهذا ليس إلا دليلا آخر على السخرية المرة الصريحة في واقع "بعض" المثقفين في سورية، الذين لا يقفون لثوان أمام ما يقولونه أو يكتبونه، ما دام يرضي شيئا ما فيهم.

إذا، سخرية الزميل أبي مردودة عليه. وهي تفضح بوضوح مدى الضحالة والسطحية التي يتعامل بها المثقفون السوريون، خاصة من يقول أنه مهتم بالشأن العام، مع قضايا المرأة. فهنا يصير كل شيء مباح لهم، بما في ذلك تسخيف القضايا وتسخيف العاملين فيها وتسخيف ما يحققونه على الأرض.
في الواقع، بعض من مسؤولية هذا الأمر يقع على عاتق أولئك الناشطون والناشطات. فقد قصر هؤلاء أيضا في الرد على ما يجدر الرد عليه، وبصراحة وبالكلمات المناسبة.

أما من ناحية تأييد الزميل أبي لانتهاك حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأبنائها، فقد كان واضحا وصريحا في التعبير عن الثقافة الذكورية التي لا تعترف أصلا بحق للمرأة ما لم يطابق شروطها الخاصة! وهذا بالضبط ما يفعله مؤيدو العنف والتمييز في كل مكان وتحت كل عباءة. ففي كل مكان تجد هؤلاء مستعدون "لتأييد" هذا الحق أو ذاك، لكن: بشرط كذا وكذا! لم لا؟ الحقوق المتعلقة بالنساء هي ملكية ذكورية عامة!

- بما أن الزميل أبي يعترض على جملة من "الزيجات"، وهو محق في اعتراضه بالتأكيد، فإنه يستنتج من ذلك أن أولاد هذه الزيجات هم أدنى وأحط من أن يحصلوا على الجنسية التي يتمتع بها الزميل أبي! ومن البديهي إذا، في الثقافة الذكورية، أن تعاقب تلك المرأة - الضحية، وأولادها- الضحية أيضا، بحرمانهم من الجنسية السورية التي تحق لهم من الإنسان التي حملت بهم وأنجبتهم وربتهم! ولعله، لو كان بالإمكان، لأقر حرمان تلك النساء الضحايا من الجنسية أيضا!
بالطبع لا يخطر في بال الزميل أبي، أن هؤلاء النساء هن ضحايا تلك الزيجات الكاذبة، بالقدر نفسه الذي تعاني منه كل النساء السوريات بصفتهن جاريات متعة في قانون الأحوال الشخصية الذي، شاء أم أبى، سوف يتزوج (أو تزوج) الزميل أبي وفقه! فلعله سيدفع برأيه قدما ليحرم أبناء كل النساء السوريات من جنسية أمهاتهم؟ في الواقع هو يفعل ذلك. ولكن بما أن الذكر، السيد الجليل، الذي قد يغتصب المرأة ويتزوجها منة، والذي قد يغتصب زوجته مرارا وتكرارا، والذي له كل السلطة على زوجته وابنته وأمه وأخته.. بما أن هذا السيد الجليل يتمتع بالجنسية السورية، فسوف يحصل عليها أبناء التابعة التي هي زوجته وفق قانون الأحوال الشخصية، بجنسيته!

- الثقافة الذكورية التي يبناها الزميل أبي، ويقف معها في صف المؤيدين للعنف  والتمييز، أي في الصف المناقض والمناهض لحقوق المواطنة وحقوق الإنسان، تقول أيضا على لسانه: "لكني لا أستطيع أن أتفهّم كيف تكون الدولة(وهي سوريا هنا)مسؤولة عن نزوات أبناء الخليج الغربي/العربي؟!"!
ربما يحتاج هذا الكلام لأكثر من إعادة نظر! بل لعله من النادر أن نسمع مثله! والحق أنه ليس لدي كلمات مناسبة لتوصيفه!
الأستاذ أبي لا يرى في المرأة السورية إلا "كهفا للجنس والإنجاب"! وبما أنها تجرأت على الخروج عن طاعة الذكر السوري، وتزوجت (برضاها، أو بدونه) بأحد ما غير سوري، فلم ستكون الدولة مسؤولة عن "أبنائه"! أي أبناء ذلك الزوج؟ بوضوح تام يقر الأستاذ أبي أن الأبناء هم أبناء أبيهم. ولا علاقة للأم بهم بعد أن تنجبهم إلا إذا تكرم الذكر عليها فسمح لها، أو أجبرها على تربيتهم. وإذا فعلت ذلك فلا منة له ولا خير. فهم أبناء السيد الذكر!

أخطأت كثيرا يا أستاذ أبي! بل يمكننا القول أنك تماديت في التعبير عن تأييدك للعنف والتمييز ضد المرأة، بل في انتهاكك الصريح والواضح لحقوق المواطنة التي كتبت أنت عنها الكثير!
حق الأطفال السوريين المولودين من أم سورية، أو حق المرأة السورية بمنح جنسيتها لأطفالها، لا يخضع لنزوات فكرك وتقديراتك الخاصة حول السعوديين أو غيرهم. (رغم أن مقالك ينز أيضا عنصرية بغيضة ضد السعوديين وغيرهم، وهم، أعجبك ذلك أم لم يعجبك، يتمتعون بحقوق الإنسان نفسها التي تتتمتع بها، وليسوا أقل منك في حقهم بتمتعهم بتلك الحقوق!). كما أنه لا يخضع لتصوراتك الخاصة حول الأولويات أو ما شابه من أساطير وخزعبلات اعتدناها من الفكر الذكوري في مقاومته اليائسة، اليائسة فعلا، لسير الحياة إلى الأمام: أي إلى تأمين حق المواطنة المتساوي لكل من الرجل والمرأة.

أنت ختمت بالقول: "أشياء كثيرة ينبغي علينا العمل عليها سوية قبل أن نطالب بحق منح المرأة جنسيتها لأبنائها"، ونحن نختم بالقول: أشياء كثيرة يجب على المثقفين الذكوريين السوريين أن يتعلموها قبل أن يتنطحوا للحديث عن الحقوق المتعلقة بالمواطنة وا لإنسان، أهمها أنهم لا يتمتعون بأي حق إضافي بسبب جنسهم، لونهم، عرقهم، قوميتهم، دينهم.. وأن النساء مواطنات سوف يكن كاملات المواطنية، ليس فقط لأن خيار الحياة الحضارية والمدنية هو كذلك، بل لأن المزيد والمزيد من المواطنين والمواطنات، محبي الشهرة والأضواء وغيرهم، يسعون ليل نهار لأجل تأمين هذه الحقوق التي.. ستقر. ما تسميه "تحفظات" ليست إلا الأفكار الأساسية والصريحة للثقافة المؤيدة للعنف والتمييز، العنصرية على أساس الجنس (وهنا، معك، على أساس الجنسية أيضا). ولا يخفى عليك أن العنف والتمييز، هو مناقض كليا للمساواة، ومناقض كليا لأي معيار في حقوق الإنسان أو حقوق المواطنة.
وربم من الأفضل أن نتذكر دائما أن العنف والتمييز لا هوية له. فإذا كنت تؤيد هذا التمييز هنا، فهذا يعني أنك تعترف بحق "آخر" ما بالتمييز ضدك على أساس "آخر". وإذا كنت كذلك، ربما الأجدر أن تسحب 90 % من مقالاتك المنشورة في السنين التسعة الماضية.

*- رابط مقال: عمر بن أسامة بن لادن سوري! لم لا؟



نساء سورية، (الجنسية السورية لأطفال المرأة السورية ليست مرهونة بمزاجك يا أستاذ أبي)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern