حق الجنسية

منذ 84 سنة وحتى يومنا هذا، حصر القانون اللبناني حق منح الجنسية للأولاد بالرجل، أي الأب. وبعد حملة مطالبة وإجابة رسمية بالتجاهل والرفض، بانت، مؤخراً، بادرة خير جدية لتصحيح علاقة الدولة بمواطناتها، إذ شرعت "لجنة المرأة والطفل" النيابية أخيراً، في صياغة اقتراح قانون يقضي بإعطاء هذا الحق للمرأة، الأم. وفي حال تم إقرار الاقتراح، يعود بعض الاحترام إلى مادة الدستور اللبناني التي تسمّي كل المواطنين متساوين في الحقوق، مثلما هم وهنّ متساوون في الواجبات.
إلا أن اقتراح القانون الذي لم يحوّل بعد إلى مجلس النواب للتصويت عليه، عاد وناقض نفسه. ففي أثناء نقاشه، تم تحديد استثناءين اثنين ضمن مواطنات الدولة الواحدة.. ما يعني أساساً أن الدولة لا تزال "قوّامة" على خيارات نسائها.
يُستثنى أولاد: الأمهات المتزوجات من فلسطينيين بحجة "صون حق العودة ومنع التوطين"، والأمهات المتزوجات من رعايا دول لا تعامل لبنان بالمثل، كالعراق.
على مدى 84 سنة، أولاد اللبنانية لم يكونوا لبنانيين. وقد يأتي الغد، بعد كل هذه السنوات، ليقول: أولاد اللبنانيات ليسوا بالضرورة لبنانيين.
تجدر الإشارة إلى أن حق الأب في منح الجنسية لم يكن يوماً موضع سؤال، مهما كانت جنسية زوجته. كما أن قدرة المرأة على منح زوجها جنسيتها لم تطرح أبداً للنقاش الرسمي، ولا حتى في اقتراح القانون الحديث.. مع أن مواطنية المرأة تعطيها حكماً هذا الحق.
بين هاجسي منع التوطين وصون التوازن الديموغرافي، يتم التغافل عن ضياع حقٍ يضمنه الدستور. في ما يلي بعض جوانب النقاش حول إمكانيات صون حق المرأة، مع مراعاة هذين الهاجسين.
في مطلع العام 2009، أصدرت "لجنة المرأة والطفل"، اقتراح قانون يرمي إلى تعديل أحكام المادة الرقم 15 من قانون الجنسية الصادر بتاريخ 19/1/1925. واللجنة هي برئاسة النائبة جيلبرت زوين، ومقررها النائبة: صولانج الجميل، وأعضاؤها النواب: مروان فارس، أنور الخليل، كميل خوري، مروان الجراح، فيصل الصايغ، نبيل نقولا، علي خريس، غنوة جلول، بيار سرحال، وعلي عسيران.
والمادة 15 من القانون الصادر قبل 84 عاماً، تقضي بحصول كل طفل مولود من أب لبناني على الجنسية اللبنانية، وبموجب التعديل المقترح تصبح المادة: يحصل كل طفل يولد من أب أو أم لبنانية على الجنسية اللبنانية. إلا أن اللجنة ألحقت اقتراحها هذا باستثناء الأطفال المولودين من أب فلسطيني من حق الجنسية، بحجة منع التوطين، كما استثني المولودون لأب من دولة لا تعامل أولاد اللبنانيين بالمثل.
وقد دار نقاش داخل اللجنة حول الاستثناء الفلسطيني، أدّى إلى "ضرورة إجراء إحصاء يتعلّق بعدد الأمهات اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين"، قبل البت بالاقتراح نهائياً.. مع أن اللجوء إلى الإحصاء يذكر بالهاجس اللبناني المتعلق بإخلال التوازن الديموغرافي، ولا علاقة تربطه بصون حق العودة، في سياق التجنيس.
أما المتزوجات من رعايا دول لا تنصف نساءها فيذكر المسؤول الإعلامي لزوين ألكسندر نعمة مثلاً عنها، هو دولة العراق. ما يعني، بشكل غير مباشر، أن رعايا الدولتين العربيتين الأكثر تعرضاً للظلم بسبب الوضع القائم في أراضيهما، هم تحديداً الذين سيتعرضون للمزيد من الظلم، في مشروع قانون إنصاف الأم اللبنانية.
تمييز عنصري ضد الأضعف
"إذا كانت الأم اللبنانية هي المعـــيار لمنح الولد الجنسية، فإن الطفل الفلسطيني يمتلك المعيار قانونياً"، يـــقول المحامي نزار صاغية، وهــــو يشبّه هذا الاستثناء بما مارسه النــازيون في البحث عن عرق يهودي في الإنسان لإفنائه، إذ يبـــحث المشرّع اللبناني عن دم فلســـــطيني في عرق من يمتلك مقومات المواطنة لمنعها عنه. يعتبر صاغية أن في هذا الاستثــــناء ممارسة واضحة للتمييز العنصري، علماً أن لبنـــان قد وقـــع على اتفاقية إلــــغاء جميع أشكال التمييز العنصري، "التي تقـــول بوضوح، في مادتها الأولى، إن التمييز ممكن بين اللبنانيين والأجانب، لكن إذا حصل التمييز ضد فئة من الأجانب فيكون حينها تمييزاً عنصرياً".
وينتقل صاغية إلى مبدأ ثانٍٍ يفضح التمييز في هذا الاستثناء، وهو ما توقفت عنده رولا المصري المنسقة في حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي"، أي "التمييز ضد المرأة اللبنانية التي تتزوج من فلسطيني، بما في ذلك من خرق للدستور اللبناني الذي يعلن جميع اللبنانيين متساوين في الحقوق". كما يشير صاغية إلى أن معاهدة اللاجئين الصادرة في العام 1951 تقول بوجوب أن تُحفظ للاجئ أفضل معاملة تمنح للأجانب: "مثلاً، عند السماح للأجانب بالتملّك، يجب أن يكون أول المسموح لهم بالتملّك هم اللاجئون".
من جهتها، ترى رولا المصري أن مشروع القانون الذي تعيد دراسته اللجنة النيابية حالياً قبل تحويله إلى السلطة التشريعية، وذلك لتدارك المسألتين الفلسطينية والعراقية بحسب مكتب زوين، يحمل ثغرتين أساسيتين، بالمقارنة مع مشروع القانون الذي اقترحته حملة "جنسيتي، حق لي ولأسرتي"، هما: استثناء الزوج، بحيث لا تعطي المرأة اللبنانية زوجها جنسيتها، واستثناء زوجات دون سواهن. في مسألة الزوج، تقول المصري: "المطلوب هو لمّ شمل الأسرة، خاصة أن إبقاء الزوج على جنسيته يشكّل عبئاً اقتصادياً على العائلة، لجهة مصاريف الإقامة والأوراق الرسمية المطلوبة سنوياً". وفي المسألة الثانية: "بالمبدأ، يجب تجنيس الأطفال لا لأنهم فلسطينيون، وإنما لأن أمهم لبنانية. بغير ذلك، فلماذا الرجل اللبناني قادر على منح زوجته وأولاده (حتى ولو كانوا فلسطينيين أو من دولة لا تعامل لبنان بالمثل) جنسيته، أما الأم فلا؟ يجب أن يكون سقف القانون حقوقياً، وليس إحصائياً".
تحوّل الاستثناء الفلسطيني إلى عرف
وحول هذه النقطة تحديداً، يتحدث النائب مروان فارس، وهو عضو في "لجنة المرأة والطفل النيابية" ومناهض لاستثناء الحالة الفلسطينية من التشريع، فيقول: "نحن مشرّعون ومقياسنا العدالة. وانطلاقاً من مبدأ العدالة، يجب أن تمنح الأم اللبنانية المتزوجة من فلسطيني جنسيتها لأولادها. وطالما التشريع اللبناني مرتبط بالاجتهادات الفرنسية، فيجب أن يكون المقياس أساسه العدالة، وليس المسألة السياسية، وإلا فإن التشريع يفقد هدفه". كما ذكّر فارس بالحالات الكثيفة للبنانيين الذين يتزوجون من فرنسيات أو يولد أطفالهم في الولايات المتحدة، ليحملوا جنسية تمنحها الدول بلا تردد لأزواج رعاياها وأطفالهم.
في المقابل، وفي اتصال مع "السفير"، أعرب النائب علي عسيران عن معارضته حق الأم في منح الجنسية لأولادها من الأساس، قائلاً: "كل المشروع أنا مش مقتنع فيه، لأنه من المفروض بالأولاد أن يلحقوا الأب، وليس الأم".
واعتبر أننا في لبنان نعيش "حالة خاصة، ولا يمكننا أن نقلّد الغرب في كل ما يعتمده من قوانين".
ولم يسمح وقت النائب، عضو لجنة الأم والطفل، بشرح أسباب اعتراضه على حق المرأة اللبنانية ـ التي تصوّت وتنتخب نواباً للوطن ـ في منح أولادها جنسيتها.
أما النائب نعمة الله أبي نصر، المعروف بمواقفه الكثيرة المتشددة في مسألة التجنيس بشكل عام، فيعتبر أنه يجب احترام الدستور في مشروع القانون هذا، "والدستور يقول لا للتـــــوطين ولا للتقسيم.. عليــنا أن نطبّق الدستور وخلص! أما إذا أرادوا التعديل فليؤمنوا أكثرية الثلثين ونعدّله".
إلا أن المحامي صاغية يخشى أن يتحوّل الاستثناء الفلسطيني، تحت عنواني "حق العودة" و"منع التوطين"، إلى عرف. ويشرح قوله هذا بالعودة إلى تاريخ العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: "وقع أول تمييز ضدهم في المادة التي تضع شرط التعامل بالمثل، تحديداً. الدول تضع عادة هذا الشرط لتجبر الدول الأخرى على التعامل بالمثل. في الوضع الفلسطيني، استخدم هذا الشرط لحرمان اللاجئين من حقوقهم في الضمان الاجتماعي والعمل وسواهما، لأن لا دولة للفلسطيني كي تعامل اللبناني بالمثل! مع أن هذا البند يسقط شرطه عند انتفاء وجود دولة ثانية تعامل بالمثل. بعد هذا القانون الذي اختبأ خلف قواعد تقنية، ازدادت الوقاحة مع سن قانون عدم تملّك العقارات (الحقوق العينية). حينها، كان الرئيس رفيق الحريري يريد تحرير الأجانب والعرب ليشتروا، فأراد الرئيس إميل لحود توقيف المشروع مستخدماً "الفزّيعة" الفلسطينية. كان المخرج باستثناء الفلسطينيين، لكنه كان ليبدو نافراً جداً، فتم الخروج بصيغة تمنع الفلسطيني من أن يرث أمه، إذ استثني من حق التملّك "أي شخص لا يحمل جنسية دولة معترف بها"! فتم توسيع دائرة التمييز السلبي كي لا تشمل الفلسطيني وحده، وإنما أيضاً النــــاس الذين يحتاجون أكثر من سواهم إلى تضامن دولي معهم، كمكتومي القيد والمبعدين من بلادهم وفاقدي الجنسية وسواهم.. واليوم، مع حرمان الطفل من حمل جنسية أمه اللبنانية، لبنان يزيل كافة الأقنعة عن وجهه ويقول: أنا أمارس التمييز العنصري".
لا ضوابط قانونية للهاجس الديموغرافي؟
يعتبر النائب مروان فارس أن المشكلة الأساسية في التمييز السلبي ضد الفلسطينيين في لبنان، وفي هذا الموضوع تحديداً، تكمن في ورود حق العودة ومنع التوطين في الدستور اللبناني. وهما العنوانان اللذان لا تجد لهما رولا المصري علاقة بمسألة الأم التي تمنح أولادها جنسيتها، لأن القانون يمس أصحاب الأم اللبنانية وليس الفلسطينيين بشكل عام، وهو يتعامل مع الأم اللبنانية، وليس مع مسألة العودة أو التوطين.
ويذكّر صاغية بأن مراعاة هاجس التوطين لا تكون بنسف الضوابط القانونية كافة، وإنما باستخدام مبدأ التناسب بالقانون: "منع التوطين لا يكون بمنع التنفس، هناك مساحة واسعة في الوسط بين الطرفين. وقانونياً، عندما أريد أن أبلغ هدفاً، يجب أن أدفع أقل كلفة من المساس في الحقوق الأساسية. وعندما أريد أن أمنع إنساناً من زيارة موقع مثلاً، لا أسجنه في بيته وإنما أحيط الموقع بحراسة. لكن الخطاب السياسي يأخذ شكلاً غريزياً تختفي معه الضوابط القانونية كافة. وبدلاً من أن يكون المنطق القانوني ضابطاً، بات مسخراً لخدمة الغريزة".
أما النائب نعمة الله أبي نصر فيرى أن مسألة الكثافة السكانية في لبنان تفرض ضرورة اعتماد "المعاملة بالمثل":
"الكثافة السكــــانية عندنا متضخمة، البلد لا يتسع لأولاده ونسبة الهجرة عالية جداً في لبنان". وينطلق من هذه النقطة إلى التساؤل: "ليه بده يكون حيطنا واطي والكل راكبنا؟"، مقدماً مثل الجزائر التي اعتمدت مبدأ "المعاملة بالمثل" لمنــــح أولاد الجـــــزائريات جنسيـــتهن. ثم يستطرد متسائلاً: "إذا اللبنانية تزوجت من سعودي مثلاً، يمكنها أن تمـــنح أولادها جنســيتها، إذا كانت الجنــسية الســــعودية تحق لأولاد اللبنــــاني من أم سعودية. هــيك، اللبناني بيرفع راسه، ومنعاملهم متل ما بيعاملونا!".
إلا أن صاغية ينظر إلى اعتماد مبدأ "المعاملة بالمثل" في مشروع القانون هذا، باستغراب: "لأنه يعني أن تمييز دولة ضد مواطناتها يعطيني المبرر لأميز أنا ضد مواطناتي! ليس لأن العراق لا يضمن أمن الناس، يحق لي أنا أن أقتل العراقيين في لبنان، مثلاً؟". ويعيد مشروع القانون إلى كونه تصحيحاً لعلاقة الدولة اللبنانية ومواطناتها، "ولا يشبه أي صفقة تجارية أو دبلوماسية تعقدها الدولة". ما يكشف، بالنسبة إليه، خلفية المشرّعين في ممارستهم التشريع: "لا يقاربون الموضوع من باب علاقة الدولة بمواطناتها وإنما علاقة الدولة بالدول الأخرى".
في المحصلة، تلخص المصري موقف حملة "جنســـيتي" من اقتراح القانون بالقول: "كنا نعارض التمييز بين الرجال والنساء في حــقوق المواطنة في لبنان، ونحن اليوم ضد التمييز بين النساء والنساء في الحقوق ذاتها". 


سحر مندور، (استثناءات اقتراح قانون تجنيس أولاد اللبنانيات: ألا تلد اللبنانية لبنانيين؟)

السفير، (3/2009)

0
0
0
s2smodern