حق الجنسية

طالما تساءلت عن مدى مواطنيتي في بلدي، وهل حقا كما جاء في الدستور أني كمواطنة  أساوي الرجل  في كافة الحقوق والواجبات؟ أم أن هنالك أمورا تتجاوزه لا بل قوانينا تتجاوزه؟  يلح عليّ هذا التساؤل كلما هاتفني أخي المقيم في أمريكا والمتزوج من أمريكية من أصول آسيوية وله منها ولدان لم يعرفا سورية قط لكنهما سوريين فقط لأن والدهما سوري!

 وبحق الدم اكتسبوا الجنسية السورية! فدمه السوري سار في عروقهم ليمنحهم جنسية دولة لا يعرفون عنها شيئا! فقد ورثوا ذلك الحق، لكن أنا لم أستطع أن أورث أولادي الحق نفسه رغم إني أعيش في سورية، وأولادي ولدوا وتربوا فيها، شربوا من مائها تغذوا من أفكارها وأصبح  حلمهم نسيجا من حلمها وآمالهم تجسدت في آمالها.
لكن كل ذلك لم يشفع لهم بإعطائهم جنسيتي فوالدهم ليس سوري ودم والدتهم ماء لا معنى له في الأضابير والأوراق الرسمية، وهم يتساءلون كل يوم متى سنصبح سوريين كما أولاد خالنا؟
وأنا أدور من مكان لآخر وأقرأ القرارات والمراسيم لأبحث عن نافذة أمل لأهزم كل يوم وأعود حاجزة حلمي في محفظتي وعيون أبنائي تترقبني علّي أحمل خبرا سعيدا لهم فأحميهم من أيام صعبة يدركونها في كل معاملة وورقة وروتين، أبعد نظري عن ترقباتهم وأتلهى وألهيهم بأشياء صغيرة قد تعينني في الهروب من لحظات تدمعهم وتدمعني لا بل تحرقهم وتحرقني وتحرق أجمل ارتباط بوطن أحبه وأخشى أن يخذلني، فقط لأني امرأة.
ألا يحق لي أن أتساءل بعد ذلك عن حجم مواطنيتي في بلدي؟
بهذا تناولت السيدة (ريما) قضيتها أمام عدد من المهتمين بقضايا المرأة والطفل فقد كانت ضمن مجموعة من النساء السوريات اللواتي يطالبن كل يوم بحقهن بمنح جنسيتهن السورية لأولادهن وزوجهن دون أن تلقى أذنا صاغية فلم يدركن أن زواجهن من غير سوري سيشكل حاجزا يمنعهن من منح جنسيتهن لأطفالهن.
وهذه المشكلة لا تقف عند النساء المتزوجات من أجنبي إنما تطال أولادهن لتؤثر على حياتهم فالآنسة (ندى) وهي ابنة لزوجين من جنسيتين مختلفتين فأمها سورية ووالدها نيجيري وهي تعيش في سورية تقول عن مشكلتها أنها استطاعت الدراسة في سورية فالدراسة مجانية وقد استفادت من ذلك لكن المشكلة ليست هنا إنما في التوظيف و المضحك المبكي في الموضوع أنها درست معهد ملتزم و بالتالي يتوجب عليها أن تتوظف في سورية وعندما قدمت أوراقها للوظيفة رفضت لأنها ليست سورية وبالوقت نفسه طولبت بالبدل عن السنوات التي درستها لأنها لم تعمل بالدولة ما أدى إلى دفعها بدل التوظيف وهي تريد أن تتوظف لكن ممنوع لأنها لا تحمل الجنسية السورية والآن تعمل بشكل حر كي تستطيع تامين مصروفها وطبعا لم تستفد من شهادتها التعليمية.
وهي قصة من قصص عديدة تم طرحها ضمن حملة الجنسية التي أطلقتها رابطة النساء السوريات،  فبالرغم من الدستور السوري الذي يساوي جميع المواطنين وبالرغم من عدم معارضة الشريعة الإسلامية لكن القوانين تحكي واقعا آخر فها هو قانون الجنسية السوري يحرم المرأة المتزوجة من غير سوري بمنح جنسيتها لأطفالها لكنه يعطي الرجل هذا الحق ولو كان يعيش في دولة أجنبية متجاهلا بشكل صريح مواطنية المرأة ومتجاهلا المشاكل التي يعاني منها أبناء السورية القاطنين في سورية كالإجراءات الروتينية والصعوبة في السفر والوظيفة في الدولة وهذا ينعكس على الأسرة بكاملها ويشتتها وهذا ما دفع رابطة النساء السوريات إلى إطلاق حملتها  الوطنية العامة من أجل تعديل المادة (3 ) من قانون الجنسية منذ عام2004م.
وقد قدمت الرابطة مذكرة إلى مجلس الشعب في 30\03\2004 تطالب بتعديل المادة الثالثة من الفصل الثاني في قانون الجنسية والتي تنص على أنه:
 "يعتبر عربي سوري حكماً –آ-من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري"
بأن تصبح الجنسية السورية حقا  لمن ولد في القطر أو خارجه من والد أو والدة عربية  سورية وهكذا لتشمل المادة الثالثه بأكملها.
هذا وجمعت تواقيع لمواطنين\ات على مضمون المذكّرة المقدمة إلى مجلس الشغب ووقّع (35) عضو\ة من مجلس الشعب على المذكرة ورفع إلى رئيس المجلس على شكل مشروع تعديل قانون في الدورة التشريعية تشرين الأول 2004 وتمت الموافقة على رفعه إلى الحكومة التي تحيله إلى اللجنة التشريعيّة ثم تعيده إلى مجلس الشعب مع بيان الرأي وبانتظار إصدار القانون.
وبالرغم من هذه التطورات والحاجة الماسة لتعديل القانون الذي أدّى لحالات مأساوية وصلت ببعض الذين عانوا من حيف هذا القانون  إلى الهجرة أو محاولة الانتحار الا أن الوعود مازالت قائمة والنتائج مخجلة فما زالت سورية متحفظة على المادة المعنية بمنح المرأة الحق بإعطاء جنسيتها لأولادها وزوجها في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وهذه المشكلة لا تعاني منها المرأة السورية فقط لكن تعاني منها كل النساء العربيات ومن هنا بدأت العديد من الجمعيات والهيئات الأهلية والمدنية الناشطة في الوطن العربي تنادي بتعديل قانون الجنسية وقد عملت مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي بالتعاون والشراكة مع اللجنة التنسيقية والمنظمات الشريكة الأخرى الناشطة في مجالي النوع الاجتماعي والتنمية في المنطقة على إدراج الجنسية في سلم أولويات عملها وهكذا أطلقت مجموعة الهيئات مبادرة ضمن إطار برنامجها الإقليمي الخاص بالنوع الاجتماعي والمواطنة والجنسية تحت عنوان "حق المرأة في الجنسية " وذلك منذ تاريخ 8/5/2002 .
ونظرا لحجم المأساة التي تعاني منها النساء المتزوجات من أجنبي عن بلدهن واللواتي حرمن من حق منح الجنسية لأزواجهن وأطفالهن وما نتج عنه من تفكك عائلي وانتهاك للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتلك الأسر انطلقت حملة الجنسية التي تهدف إلى المطالبة بحقوق متساوية للنساء بالجنسية والمواطنة الكاملة بهدف إثارة الاهتمام من الرأي العام ووسائل الإعلام بحجم وتبعات انعدام المساواة بين الجنسين وحشد الدعم الدولي والإقليمي لحق المرأة العربية بالجنسية وإقامة الشراكة بين الهيئات النسائية والمدنية والبرلمانيين.
وقد بدأت سلسلة الحملات في الدول العربية منذ عام 2000-2001 وبعد مسيرة طويلة  استطاعت النساء في الجزائر اكتساب الحق بمنح الجنسية للطفل والزوج واستطاعت المرأة المصرية إعطاء الجنسية للطفل لتستمر هذه الحملات بمسيرتها نحو تحقيق المواطنة الكاملة للمرأة في كافة البلدان العربية بالتنسيق مع مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي في بيروت تحت شعار "جنسيتي حق لي ولأسرتي" وهو شعار حملة الجنسية المتفق عليها من قبل الجمعيات الأهلية في  الدول العربية المشاركة.
وعلى طاولة الحوار بين الجمعيات الأهلية والحكومة في سورية والتي كانت حول اتفاقية السيداو (إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة) تساءلت السيدة (نوال يازجي) عضو سكرتارية رابطة النساء السوريات عن التبرير الذي وضعته الحكومة في رفضها بإعطاء المرأة حقها بمنح جنسيتها لزوجها وأبنائها أسوة بالرجل وهو سياسة الدولة والسيادة الوطنية مع أن القانون موجود قبل عام 1963م أي أن الأمر لا علاقة له بالسياسة إنما هو حجة كي لا يعملوا على التغيير.
  وقد عملوا ضمن هذا الملتقى على إدراج توصية تطالب  بتعديل جميع المواد التمييزية في القوانين السورية بما ينسجم مع مواد الاتفاقية، وبخاصة في قانون الجنسية.
هذا ما جاء في التوصيات والمقترحات والآمال وهذا ما تحاول الوصول إليه العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية مع الناشطين في قضايا المرأة في سورية والوطن العربي على أرض الواقع ما تزال النساء وأسرهن بانتظار التغيير ما يزال الشعور بالغبن متفاقما عند المرأة العربية تجاه قوانين لا تريد إنصافها.

رهادة عبدوش، عضوة فريق عمل نساء سورية، (نساء سوريات يتساءلن: متى سنمنح جنسيتنا لأبنائنا؟)

خاص: نساء سورية

0
0
0
s2smodern