حق الجنسية

تنشر بالتعاون مع بوابة المرأة في البحرين

جلست بصمت، تحدثت بهدوء أولاً، ذاكرة قصة كفاحها الطويل للحصول على الجنسية البحرينية لطفلتيها، تحدثت بمنطق وعقلانية، لكنها لم تتمكن من أن تسيطر على نفسها طويلاً، فسرعان ما غالبتها دموعها، وهي تتذكر المرارة والألم الذي يعتريها كلما قامت بزيارة للإدارة العامة للجنسية والجوازات والإقامة، أو للسجل السكاني، وكلما تذكرت أيضاً أن عليها أن تجدد مرة أخرى هذا العام، تأشيرة الإقامة لطفلتيها في البحرين، وقد ولدتا فيها وتربيتا، ولا تحبان أن تأكلا إلا أصناف الأطعمة محلية الذوق.
 إنها فيفيا رجب، المتزوجة من أجنبي منذ 11 عاماً، وغيرها كثيرات، اختلفت تفاصيل حكاياتهن، ومضمونها، وإن اتفقن جميعاً على أن هناك مشكلة، ومشكلة كبيرة تعاني منها شريحة من النساء في البحرين، ويعاني منها أكثر أبناء تلك النساء، الذين يعيشون «غرباء في وطنهم».
زوجي أميركي وملفي معقد
تقول رجب: «لقد تزوجت في العام 1992 من رجل أميركي الجنسية، ورزقت منه بابنتين، سارة وتانيا، ومنذ بلغ عمر ابنتي الكبرى سنتين، اتجهت إلى الإدارة العامة للجنسية والجوازات والإقامة لأفتح ملفاً للحصول على الجنسية لها ولابنتي الثانية ذات الشهور الخمسة». وما لم تتوقعه رجب هو أن تستمر القصة طويلاً، ليمر على هذا الملف نحو عشر سنوات حتى وقت كتابة هذه السطور.
غير أن القصة لم تكوّن سلسلة حتى مع طولها، إذ صاحبتها عقبات لا حصر لها، أولها أن رجب كلما ذهبت إلى الإدارة وجدت أن ملفها غير موجود، وأن عليها أن تصدر ملفاً جديداً لمعاودة تقديم الطلب. تكررت هذه القصة مرتين جددت فيهما الملف بجميع أوراقه، ومازال ملف طلبها «بنسخته الثالثة» معروضاَ على الإدارة حالياً ولم يبت فيه بعد.
وتضيف رجب «تعبت وأنا اتصل بالإدارة لأسأل عما حصل للطلب، وأعتقد أن الموظفين ملوا كثرة اتصالاتي حتى حفظوا صوتي ومشكلتي».
وكغيرها من الأمهات اللاتي يعانين من عدم منح أبنائهن الجنسية، تضطر رجب بطبيعة الحال إلى أن تجدد لطفلتيها تأشيرة الإقامة، وتدفع رسوم المستشفيات لهما كأجنبيتين، ولا يمكنهما السفر حتى إلى المملكة العربية السعودية لأن منح التأشيرة للأجانب في السعودية صعب جداً وخصوصاً أن جوازيهما أميركيان.
اتجهت رجب إلى مجلس سمو الشيخة سبيكة بنت ابراهيم لتطلب العون، لم يسمح لها بالحديث عن قصتها، وإنما طلب منها كتابة رسالة وهي التي كتبت عشرات الرسائل السابقة من دون رد من أية جهة.
أضيفت طفلتاها إلى جوازها «بوساطة السفير»
أحد التطورات المضحكة المبكية، هي أن رجب «بحرينية الجنسية» التي تعمل في السفارة الأميركية، وسطت السفير الأميركي السابق في البحرين لكي تتم إضافة ابنتيها إلى جوازها، حتى تتخلص من مشكلة التأشيرات للإقامة أو عند السفر، وتم لها ما أرادت «بوساطة السفير». ولكن بعد أن ضاع ملف الطلب للمرة الثانية في الإدارة العامة للجنسية والجوازات والإقامة، تم إخبارها بأنها لا يمكن أن تفتح ملفاً جديداً للطلب إلا إذا تمت تنحية ابنتيها من جوازها. اضطرت رجب بعدئذ إلى تنحيتهما لتقديم طلب آخر وفتح ملف جديد، «وكأنك يا بوزيد ما غزيت».
وعلى رغم أن أباهما أميركي، وجوازيهما أميركيان، فقد ولدت كل من سارة وتالا ( 12 سنة، و10 سنوات) في البحرين، واعتادتا الحياة فيها منذ طفولتهما، فصارتا حتى لو ذهبتا إلى الولايات المتحدة الأميركية في زيارة، تشعران بالغربة، ولا تتمكنان حتى من الأكل لاعتيادهما على أصناف الأطعمة البحرينية.

نحن مظلومات
ولا تتمالك رجب نفسها لتقول بحدة «نحن النساء المتضررات أعدادنا قليلة، مقارنة بالأعداد الهائلة من الجنسيات التي تمنح جوازات بحرينية بكل سهولة، وهم غير مؤهلين أصلاً للحصول على الجنسية قانوناً، ويستفيدون من كل خيرات البحرين فيما نبقى نحن وأولادنا على الهامش». وتضيف «ما نراه من التجنيس الذي يتم لأشخاص غير ذوي أهلية، يشعرني بأنني وأطفالي وجميع النساء اللاتي في وضعي وأطفالهن، مظلومات».
وتعود رجب لتستدرك قائلة: «لم نقل لا تعطوا الجنسية لمن يستحقها فعلاً، ولكن ابدأوا بذوي الأولوية وأصحاب الحق فيها، فأطفالنا بحرينيون تجري في عروقهم دماء بحرينية، امنحوهم الجنسية أولاً ثم يمكنكم أن تمنحوا حتى «الفئران» جوازات إن أردتم». عند هذا الحد توقفت رجب لتقاوم موجة البكاء التي اعترتها، لتؤكد أنها تشعر بـ «القهر» من مثل هذه المعاملة في بلدها الأم، وتعلن يأسها من الحل بعد كل هذه السنوات.
تقول رجب: «طرقت كل الأبواب، الديوان الملكي، ديوان سمو الشيخة سبيكة، الإدارة العامة للجنسية والجوازات والإقامة، السجل السكاني، ولم أجد حلاً لدى أي منها، ولا أتوقع أن يأتي الحل من البرلمان إذ لديه الكثير من الأولويات التي يفضلها على تعديل قانون الجنسية».

قصة رجب غيض من فيض
كانت قصة رجب، إحدى قصص كثيرة استمعت إليها «جهينة»، بطلاتها نساء بحرينيات رفضت كثيرات منهن نشر أي من قصصهن، خوفاً من أن يعرقل هذا النشر طلباتهن للحصول على الجنسية في إدارة الجوازات. غير أن الحملة الوطنية بشأن «حق الجنسية لأبناء المرأة البحرينية» زودتنا بعدد كبير من النساء المتضررات اللاتي شاركن في نشاطات الحملة، تحمل كل منهن قصة لا تختلف عن الأخرى كثيراً في الجوهر، وإن اختلفت التفاصيل.
وبحسب الحملة، بلغ عدد النساء المتضررات من عدم منح الجنسية لأبنائهن نحو 180 سيدة، فيما توزعت جنسيات أزواج تلك البحرينيات على أعداد كبيرة من الجنسيات منها: الألمانية، الأردنية، الفلسطينية، الإيطالية، البريطانية، التونسي، اللبنانية، الكندية، اليمنية، السورية، الصومالية، المصرية، القطرية، كويتي «من دون جنسية»، إماراتي «من دون جنسية».
ولوهلة قد يبدو موضوع الحملة خاصاً جداً بفئة محدودة من النساء، إلا أن الأعداد الواسعة من النساء والجنسيات المتعددة التي يحملها أزواجهن تؤكد أن القضية أصبحت ظاهرة، وأن زواج البحرينية من أجنبي يحدث فعلاً بشكل واسع، وأن الأمر قد يتسع في المستقبل لو لم تطرح له حلول ناجعة.

نريد الأمان أنا وأطفالي
سهيلة حبيب عواجي، تحمل قصة أخرى تقترب كثيراً من القصة السابقة، وإن اختلفت التفاصيل. فسهيلة تزوجت ألمانياً منذ حوالي 11 عاماً، ورزقت منه بأربعة أبناء، ولد وثلاث بنات تتراوح أعمارهم بين سنتين و11 سنة. واستقرت سهيلة مع عائلتها وزوجها في البحرين كل تلك المدة، إذ حرصت على تربية أبنائها تربية «إسلامية»، وعلى رغم أنهم يحملون الجنسية الألمانية، فانهم لا يعرفون اللغة الألمانية، ولا يشعرون إلا بالبحرين وطناً لهم.
تقول سهيلة: «المسألة ليست مادية، لا نريد أنا وزوجي أي مساعدات أو مصالح مادية من وراء الجنسية لأطفالنا، فقط نريد الاستقرار والشعور بالأمان». وتضيف «أشعر بالخوف على أبنائي كلما فكرت في المستقبل، فعلى رغم أنني حاولت تأمين المستقبل المادي لهم، واستطعت أن أبني لهم بيتاً هنا، فانني أخشى لو حصل أي شيء لي أن يتضرروا».
وتكرر سيناريو ضياع أوراق الجنسية لسهيلة، مثلما حصل مع فيفيا رجب، فقد ضاعت طلباتها التي قدمتها إلى الإدارة العامة للجنسية والجوازات والإقامة عدة مرات، وأوقفت في المطار ممنوعة من السفر مع طفلتها ذات العامين لأنها لم تجدد لها «الفيزا» للسفر.
غير أن سهيلة متفائلة بالتغيير، وتؤكد «أنا مقاتلة ولن أتوقف عن المطالبة بالجنسية لأبنائي، لأنها حق لهم».

قصص أخرى
(أ. م. ن) سيدة بحرينية أخرى متزوجة من كويتي «من دون جنسية»، يسكن زوجها الكويت منذ خمس سنوات، إذ لا يمكنه السفر من دون جواز، فيما تسافر إليه هي مع ابنتهما ذات السبعة أعوام التي منحت وثيقة سفر مؤقتة من الإدارة العامة للجنسية والجوازات والإقامة، تحتاج إلى تجديد مستمر. تقول ( أ. م. ن): «زوجي مقيم في الكويت لأنه لا يستطيع الخروج منها، وأنا أقيم مع أهلي في البحرين منذ خمس سنوات، أعمل لأعول نفسي وطفلتي، ولا يمكنني أن أعيش مع زوجي في الكويت لصعوبة الحياة التي يعيشها الأشخاص الذين لا يملكون الجنسية هناك». وتضيف: «أتمنى أن تحصل طفلتي على الجنسية حتى أتمكن من السفر والانتقال بسهولة، وقد وعدت بمنحها (الجنسية) منذ زمن، إلا أن المصادر الرسمية تقول إن الطلبات كثيرة وعليّ أن أنتظر دوري». إيمان القاضي سيدة أخرى متزوجة من فلسطيني، ولم تتمكن إيمان من إعطاء الجنسية لابنها الوحيد ذي الثلاث سنوات، الأمر الذي سبب لها مشكلات كثيرة في السفر والإقامة وحتى في العمل. انضمت القاضي إلى حملة الجنسية منذ سنتين على أمل التغيير في وضعها ووضع طفلها، بعد أن يئست من الرسائل التي قامت بإرسالها للنظر في قضيتها.
(ف) بحرينية أخرى تزوجت من مواطن سوري رزقت منه طفلان بنت وولد، يعمل زوجها في القطاع الخاص، وإقامته على وشك الانتهاء وعليه أن يغادر البلاد إن لم يتم تجديد إقامته، والمشكلة أن طفليها مع والدهما في الكفالة، ولو غادر يجب أن يغادرا معه، وعلى رغم أنها حاولت نقل كفالته باسمها فانها لم تتمكن من ذلك، فالبحرينية لا تستطيع أن تكفل زوجها غير البحريني، بينما يستطيع الرجل البحريني كفالة زوجته غير البحرينية حسبما أخبرتها إدارة الجوازات.

خاتمة
في النهاية نتساءل، هل يعتبر أبناء البحرينية المتزوجة من أجنبي «غرباء في وطن أمهاتهم»؟

الوسط/ 16 ابريل 2006
 بوابة المرأة في البحرين 

0
0
0
s2smodern