حق الجنسية
من ضمن التبريرات الذي تقدم لتفسير التمييز بين الأبوين في نقل الجنسية للأبناء, اعتبار أن حصول الابن على جنسية أمه في حال ثبوت الزوجية وعندما يمتلك الأب جنسية أمرا مخالفا للشريعة الإسلامية.

لذا يصبح من الضروري التنقيب في الإنتاج الفقهي.. لمعرفة مدى قوة أو ضعف هذا التبرير والبحث فيما إذا كان هناك فعلا دليل شرعي تم الاعتماد عليه في استنباط الحكم بمخالفة التسوية بين الأبوين في نقل الجنسية للأبناء للشريعة الإسلامية.

1- مفهوم الجنسية والشريعة الإسلامية:
الإنتاج الفقهي /القانوني الحديث1 حول علاقة مفهوم الجنسية بالدين الإسلامي, يجعلنا بداية أمام موقفين متباينين:
*- موقف من ينكر وجود فكرة الجنسية في التنظيم الإسلامي لعلاقة المسلم بأرض الإسلام 2 ويرفض الحديث عن الجنسية من منطلق الشريعة. ويعتبر انه لا جنسية في الإسلام بل إن المسلم لا جنسية له إلا الإسلام. فالإسلام دين وجنسية
*- ومن يعتبر أن مضمون مفهوم الجنسية وجد في الإسلام, وأن فقهاء المسلمين تناولوا موضوع طرق اكتساب الجنسية وكذلك أسباب فقدها, لكن استخدمت للدلالة عليها أسماء أخرى "كالتابعية" و"الرعوية".

1- لا جنسية في الإسلام:
يتعلق الأمر باتجاه ينكر وجود أحكام في الشريعة الإسلامية تتعلق بالجنسية. ويعتبر أن معنى الجنسية الاصطلاحي السائد في التشريعات الوضعية الحديثة, والذي يستخدمه السياسيون والقانونين, لم يسبق استخدامه من طرف فقهاء الإسلام. وأن الشريعة الإسلامية لا دخل لها في تكوين الجنسية ولا في التشريع لها أو التقنين لها3. وأن انتماء المسلم يجب أن يكون للإسلام أينما كان. وأن الذين يتحدثون عن تضمن التشريع الإسلامي لأحكام حول الجنسية يخلطون بين مفهومي الجنسية والإسلام رغم الاختلاف الكبير بينهما. وبالتالي فلا جنسية في الإسلام.
كما يعتبر أصحاب هذا الموقف أن الاعتقاد بتناول الفقه الإسلامي لموضوع الجنسية, سيكون من نتائجه القول بوجود طائفة لا تتمتع بالجنسية الإسلامية وبالتالي لا تخاطب بأحكامه4 الأمر الذي يحد من امتداد الإسلام إليها. وهذا ما لا ينسجم مع طابع العالمية للدين الإسلامي الذي تؤكده نصوص قرآنية وحديثية:
فى الوقت الذي لا تتجاوز فكرة الجنسية كونها فكرة إقليمية ضيقة تقوم على الاعتراف بالحواجز السياسية والقانونية وتعدد الدول والسيادات. والإسلام في سعيه نحو العالمية لا يمكن أن يعتمد على فكرة ذات نطاق إقليمي محدود., فصلة الإسلام تسمو على كل صلة ضيقة مثل صلة الجنسية والنسب والعشيرة:
كذلك من أصحاب هذا الموقف من المعنيين بالبحث الفقهي القانوني من يعتبرون أن مفهوم الجنسية مفهوم علماني لا علاقة له بالدين, بل إنه ينبني على فصل الدين عن الدولة:
"الجنسية معيار لتمييز في وقتنا الحاضر بين الجنبى والوطني. وهى مفهوم وضعى علماني حديث الظهور يتم التمييز بموجبه بين البشر على أساس الانتماء الوطني لا الديني"5 (البرجاوى)
"الجنسية بمعناها السياسي والقانوني هي أساسا رابطة علمانية تتحدد بغير رجوع إلى عوامل أو عناصر فوق قانونية أو لادينية أي دون أن يكون للعقيدة دور في بنائها" 6 (الجداوى)
بل هناك من يذهب إلى أن الجنسية عرف يعارض مصالح الناس ونظرية ضارة كما يرى أحد علماء الأزهر الشريف وهو د. أحمد حمد الذي يقول:
"قد يسود عرف بين الناس يعارض مصالحهم في الحاضر ويهدد حياتهم في المستقبل ومع ذلك يهتمون به ويحتكمون إليه ويحرصون عليه "
"وينضم إلى قائمة هذه النظريات (يقصد النظريات الضارة بالناس) وأمثالها نظرية الجنسية... وهذه النظرية يعارضها بل يناقضها الآن مبدأ له أهميته وخطورته وهو مبدأ العالمية"7
الإمام محمد عبده يؤكد8 على أن اختلاف الدول وما يقتضيه ذلك من تعدد الجنسيات لا تأسيس له في الشريعة الإسلامية التي هي أصلا شريعة توحيد لا تفريق,
ويذهب إلى مقارنة ال ستعمل عند الأمم الأوروبية) تشبه ما كان يسمى عند العرب عصبية وهو ارتباط أهل قبيلة واحدة جنسية بالعصبية التي ألغاها الإسلام:
"وإنما الجنسية (كما ت أو عدة قبائل بنسب أو حلف يكون من حق ذلك الارتباط أن ينصر كل منتسب إليه...جاء الإسلام فألغى العصبية ومحا آثارها وسوى بين الناس في الحقوق, فلم يبق للنسب أو ما يتصل به (ويقصد العصبية التي يشبه بها الجنسية) أي اثر في الحقوق ولا في الأحكام, فالجنسية لا اثر لها عند المسلمين قاطبة ويؤيد ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية" وقوله "ليس منا من دعي إلى عصبية" 9
رشيد رضا في تفسير المنار يسير في نفس الاتجاه إذ يعتبر أن
"الإسلام دين لا جنسية وليس في الإسلام معنى الجنسية المعروفة الآن"10
"إن للإسلام دولة وإن كان هو في نفسه دينا لا جنسية. ووظيفة دولته أو حكومته هي نشر دعوته وحفظ عقائده وآدابه وإقامة سننه"11
واضح أن رفض فكرة الجنسية نابع من الخوف من أن تحل محل رابطة الإسلام وأن تنتج تفرق المسلمين وتقاعسهم عن نشدان الوحدة:
".... وقد حلوا رابطة الدين ودعوا إلى رابطة أخرى يسمونها الوطنية يفرقون بها بين المؤمنين, وما أجرئهم على ذلك كله إلا جهل العامة وقلة الذين يميزون بين العلماء العاملين والأدعياء الجاهلين" 12
"….لهذا يحكم هذا الكتاب الحكيم بأن من يجعل الدين جنسية فهو مغتر بالوهم مفتر على الله بغير علم"13
"الإسلام عند هؤلاء المسلمين الذين يصنفون أنفسهم بالمتمدنين قد خرج عن كونه عقيدة دينية إلى كونه جنسية سياسية"14
جمال الدين الأفغاني كذلك يركز على أنه لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم ويعتبر أن تعدد الدول وتعدد الرؤساء لا ينبغي أن يحجب الطبيعة العالمية للإسلام:
"لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم ولذلك يعد تعدد الحكام عليهم كتعدد الرؤساء في قبيلة واحدة أو تعدد السلاطين في جيش واحد مع اختلاف الغايات والأغراض"15

بناء على هذا الموقف الذي يتأسس على أنه لا جنسية في ارض الإسلام وبالتالي على عدم وجود أثر لتنظيم الجنسية في الأحكام الشرعية, ويسكنه هاجس وحدة المسلمين والخوف من تشردمهم فيما لو تحولوا لجنسيات متعددة, يمكن أن نقول أن الحديث عن مخالفة الشريعة الإسلامية للتسوية بين الأبوين في نقل الجنسية لأبنائهما لا يعتمد على أدلة أصلية لا من الكتاب ولا من السنة, ولا على اجتهاد الفقهاء . بل لا يمكن الأخذ بالتمييز بين الأبوين من وجهة نظر إسلامية. لأن المرأة المسلمة لا يمكن أن تتزوج إلا بمسلم ولأن المسلمين حسب هذا التصور من المفروض أن يتمتعوا بنفس الحقوق في كل بلد عربي إسلامي.

وكما يقول الإمام محمد عبده:
"وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوى الإقامة فيه. ويتخد فيه طريقة كسبه لعيشه ويقر فيه مع أهله ولا ينظر إلى مولده ولا إلى البلد الذي نشأ فيه ’ ولا يلتفت إلى عادات أهل بلده الأول, ولا ولا إلى ما يتعارفون عليه في الأحكام والمعاملات وإنما بلده ووطنه الذي يجرى عليه عرفه وينفد فيه حكمه هو البلد الذي انتقل إليه واستقر فيه, فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته "وله من حقوق رعية ذلك الحاكم وعليه ما عليهم."
" إذا نزل ببلد إسلامي, جرت عليه أحكام الشريعة في ذلك البلد, وصار له من الحقوق من الحق ما لأهله وعليه من الحق ما عليهم لا يميزه عنهم مميز "16

2 - الرعوية أو الجنسية الإسلامية:
أصحاب الموقف الثاني (اغلب الشراح والفقهاء من المعاصرين)17, اعتمدوا المفاهيم التي استخدمها الفقهاء في إنتاجاهم المتعلقة بالسياسة الشرعية كما اعتمدوا على التقسيم الذي وضعه فقهاء المسلمين للعالم مع بداية القرن الثالث الهجري, حيث ميزوا بين قسمين: دار الإسلام - دار الحرب.
وانطلاقا من ذلك انتقدوا وجهة النظر التي تنكر وجود أحكام للجنسية في الشريعة الإسلامية..اعتبروا أن الشريعة الإسلامية عرفت فكرة الجنسية منذ نشأة الدولة الإسلامية وان إنكار وجود فكرة الجنسية في الشريعة الإسلامية هو إنكار لوجود الدولة الإسلامية.
كما إعتبروا أن مفهوم الجنسية موجود في الإنتاج الفقهي الإسلامي, لكن الفقهاء استعملوا للدلالة عليه أسماء أخرى مثل:
"التابعية" - "الرعوية" – "أهل دار الإسلام".
بل منهم من يعيب على القانونيين المعاصرين استخدام مفهوم جنسية وهجران مفهوم رعية.
"إن رجالات الفكر القانوني عندنا قد عجلوا في رأيي بحرصهم على المصطلح الغربي "الجنسية" وبنزولهم على رأى مفكري الغرب بهجران مصطلح رعية..وإن كان بعض أساتذتنا القانونيين من المعاصرين ينزع نحو المصطلح الإسلامي ويراه أدق في التعبير وأبعد عن الاضطراب" 18
كما اعتبروا أن الرسول استخدم مفهوم رعية " للدلالة على رابطة سياسية وقانونية لا تقوم على أساس الجنس أو العرق أو اللون بل والأرض, وإنما تقوم على أساس التعارف والامتزاج والإيمان والشعور بوحدة المصير وتبادل المسؤوليات19.
(وقد جمع المنذرى20. في هذا المعنى عدة أحاديث تؤكد استعمال مفهوم الرعية في معنى الرابطة القانونية والسياسية منها:
فيما روى ابن ماجة والطبراني عن ابن عمر عن النبي ( ص) قال:
"السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده, فإن عدل كان له الأجر وكان على الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر ")
وعن معقل بن يسار قال سمعت رسول الله (ص) يقول:
"ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية, يموت يوم يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله عليه تعالى الجنة"
كما أستخدم تعبير الرعية من طرف على ابن أبى طالب في رسائله إلى عماله وهو خليفة 21.
(من المهتمين بالحقل القانوني الإسلامي من يرى أن دار الإسلام بالمفهوم الدستوري لا وجود لها الآن, كما أن دار الحرب لا تكاد توجد22. فحتى الدول التي تسمى نفسها إ سلامية الآن ما زالت لها جنسيتها الخاصة أي لم تصل لدرجة الإعلان أن لكل مسلم, فقط لأنه مسلم, الحق في الحصول على جنسيتها.
لا يختلف الوضع بالنسبة لغير المسلمين, سيما وأن المتفق عليه بين الفقهاء أن عقد الذمة يمتد إلى ذريتهم ومن ثم يستفيد من ينتسب إليهم بحق الدم من وضعيتهم القانونية. )
وفق هذا التصور يتمتع كل المسلمين وطبعا كل المسلمات بالجنسية الإسلامية أو جنسية دار الإسلام. وبالحقوق والإمتيازات والحقوق التي تضمنها.
وما دام لا يسمح للمرأة المسلمة بالتزوج بكتابي 23 فإنها لن ستتزوج إلا بمسلم. وبالتالي ستكون لهما معا نفس الجنسية الإسلامية, بغض النظر عن البلد الذي يستقر فيه. وبالتالي ووفقا لتصور الفقهاء الذين يعتبرون إن مفهوم الجنسية وجد في التراث الفقهي لكن بأسماء أخرى كالرعوية والولاء ,لن يكون هناك إشكال شرعي في نقل الأم جنسيتها لأبنائها. وبالتالي فالتمييز بين الأبوين في هذه الحالة لا يمكن أن يتأسس على الشريعة.

الفقه الإسلامي والتساوي بين الأبوين في نقل الجنسية:
موضوع التساوي بين الأبوين في نقل الجنسية – التبعية – الرعوية للأبناء من الموضوعات التي أثارت جدلا بين أوساط متعددة في العالم العربي. من قانونيين وفقهاء ومنخرطين في حركات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق النساء.
الأدبيات الموجودة هي بشكل خاص أدبيات فقهية وقانونية خصوصا وان من ضمن مبررات رفض التسوية بين الأم والأب في نقل الجنسية, الاعتقاد بمخالفتها للشريعة الإسلامية, وبالتالي كانت هناك ضرورة العودة لمواقف الفقهاء من مسألة اكتساب أو ثبوت الرعوية أو الجنسية الإسلامية. خصوصا وأن الموضوع من المستجدات التي حاول الفقهاء الاجتهاد لاستخراج حكم يصددها.

0
0
0
s2smodern